ما تزال ارتدادات قرار وزارة الخزانة الامريكية بفرض عقوبات على شخصيات عراقية تتموج في دوائر مختلفة بين الداخل والخارج، فهي انتهاك للسيادة الوطنية وتدخل سافر بشؤون البلد حسب ما يراه حلفاء ايران، وهي إعادة لهيبة المؤسسات الوطنية وبداية لاصلاح النظام السياسي من وجهة نظر حلفاء الولايات المتحدة الامريكية، لكن الحقيقة غير الواضحة هي التوقيت والهدف الحقيقي من العقوبات، فالولايات المتحدة الامريكية ليست منظمة خيرية لتتذكر بعد ستة عشر عاماً انها حريصة على مأسسة العراق.

اعلن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية" التابع لوزارة الخزانة الأمريكية وزارة الخزانة الامريكية في الثامن عشر من تموز/ يوليو الماضي وبموجب "الأمر التنفيذي رقم 13818" فرض عقوبات على أربعة مسؤولين عراقيين، هم: أحمد الجبوري محافظ صلاح الدين السابق والنائب الحالي في البرلمان، والتهمة "تورطه بعمليات فساد" ونفس التهمة على محافظ الموصل السابق نوفل العاكوب، اما القائدين في الحشد الشعبي ريان الكلداني ووعد قدو فقد اتهما بالتورط بصورة مباشرة أو غير مباشرة في "انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان"، وتعد هذه العقوبات التي أصدرتها وزارة الخزانة الامريكية الاستخدام الأوّل لـ "قانون ماغنتسكي العالمي لحقوق الإنسان والمساءلة"، وهي خطوة افتتاحية ضمن حملةٍ ستشهد فرض عقوبات أكبر على سياسيين في البلاد بحسب ما كتب مايكل نايتس الباحث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الادني.

لماذا هذا الوقت بالتحديد، فالولايات المتحدة لديها امر تنفيذي سابق صدر عام 2007 تحت عنوان "تجميد ممتلكات بعض الأشخاص الذين يهددون جهود إرساء الاستقرار في العراق"، ولم نسمع بفرض عقوبات قاسية وفق ما يتطلبه الوضع السياسي والاقتصادي، والفساد المستشري في مؤسسات الدولة وامام اعين الحكومات الامريكية منذ ذلك الحين وحتى الان.

حلفاء ايران لديهم تفسير واحد، فهي استهداف للمحور المعادي للوجود الأمريكي في العراق، وهذه القائمة الصغيرة هي رسالة تحذير، واذا ما تخلت بعض الشخصيات السياسية عن اطلاق التهديدات ضد الوجود الأمريكي فان الامر سيتوقف عند هذا الحد، وقد يستخدم مرة أخرى في حال الحاجة اليه بحسب المصالح الامرييكية ولا علاقة له بمساعدة العراقيين لتعزيز الاستقرار ومحاربة الفساد.

وتبدو الحجج التي يطلقها حلفاء ايران وجيهة الى حد ما، فقد تكون امتدادا لتهديدات بريت ماكغورك مبعوث ترامب الى العراق ابان تشكيل الحكومة، والذي قيل انه توعد من ينضم للتحالف المقرب من ايران سيلقى عقابا شديداً، كما ان الولايات المتحدة هي اول من ارسى قواعد الفساد وتدمير مؤسسات الدولة العراقية برعاية الحاكم المدني بول بريمر، بقراره الأول لتدمير المؤسسة العسكرية والأمنية، ثم تأسيس نظام المحاصصة الطائفية والحزبية، التي تعد الركيزة الأولى للفساد وتحطيم الحالة المؤسساتية، كما ان واشنطن نفسها هي من شجعت على فتح أبواب المنشآة العراقية لعمليات النهب والسلب عام 2003، فهل استيقظت الان لتكتشف انها مهتمة بالمصلحة العراقية.

في الضفة الأخرى تبدو الأمور وكانها بداية لمرحلة من الهجوم المضاد، فحلفاء ايران استولوا على اغلب المراكز الحساسة في الدولة العراقية، قوات الامن بيدهم، والمكاتب الاقتصادية صارت ظاهرة طبيعية، ونفوذهم لم يقتصر على الجنوب والوسط، انما بات يشمل جميع المناطق العراقية في الموصل وصلاح الدين وديالى، ونتيجة لقوتهم الجبارة لا يمكن ردع حلفاء ايران الا بقانون امريكي صارم، كما ان القوى المقربة من الولايات المتحدة ترى ان حلفاء ايران يمارسون عمليات فساد وانتهاكات لحقوق الانسان فاقت كل التصورات، ويصعب على القضاء العراقي اخذ حقوق المواطنين، فلماذا لا نسمح للامريكي بان باخذ الدول لنتجاوز هذه المرحلة؟

سؤال السيادة الوطنية

بغض النظر عن حقيقة التهم الموجهة للشخصيات الأربعة، لأننا امام ثقب اسود من الفساد وانتهاكات حقوق الانسان، وكان الأفضل لواشنطن اتباع الأعراف والتقاليد الدولية، فهل عجز القضاء العراقي عن ممارسة دوره؟ نعم هو عاجز فعلا وهذا لا يحتاج الى دليل، لكن اذا كانت واشنطن مهتمة بتعزيز دولة المؤسسات فعليها اولاً دعم القضاء وممارسة الضغوط على حكومة بغداد من اجل تفعيل بعض الملفات، فالقفز فوق القضاء يوفر فرصة مناسبة للمتشددين والذين يستغلون الفراغ المؤسساتي لتبرير انتهاكاتهم للقانون، سواء كانوا موالين لإيران او للولايات المتحدة الامريكية.

لا يبرر وجود تدخلات إيرانية ان نحتفل بالتدخل الأمريكي بأكثر الأمور حساسية وسيادية لدى العراق، ولا ينبغي لنا ان نقبل بالعقوبات ليس لأننا مع انتهاك حقوق الانسان، وعمليات الفساد، بل لأننا نريد بناء أسس رصينة لدولة مؤسسات حقيقية، امام الاعتماد على العامل الخارجي فهو لا يجدي نفعاً ويطيل من امد الصراع، ويختزل عمر المؤسسات المتبقية ويحولها الى ركام من الماضي.

تبقى مسألة مهمة امام القيادة السياسية العراقية بكل تحالفتها، عليها ان تهتم بضرورة تعزيز النظام المؤسساتي، حفاظاً على مصالحها ومصالح البلد، فالانهيار الكلي والسماح بالتدخلال الخارجية (أمريكية كانت او إيرانية) قد يعطيها القوة في الفترة الراهنية، لكنه يمثل عامل ضعف في المستقبل، فالتدخل يصحبه تدخل مضاد، هكذا نعيش في دوامة من التدخلات الى ان تفقد القوى المحلية أي نوع من التحكم وتصبح أسيرة للخارج، علينا فهم هذه المعادلة لتحقيق مصلحة الجميع، فالعراقي قوي باخيه العراقي، مهما اختلف معه، والاجنبي خطر على البلد مهما كان صديقا حميما، لان الصداقات الخارجية تهتم بمصالح الخارج ولا علاقة لها بالداخل الا في اطار مصالحها.

التدخلات الامريكية تتحملها القوى المتحالفة مع ايران، كما ان التدخلات الإيرانية تتحملها القوى المتحالفة مع الولايات المتحدة الامريكية، فأي تحالف مع الخارج يجر الى تحالف خارجي مضاد، ومن يحرص على سيادة البلد عليه إيقاف تدخل حلفائه الخارجيين في شؤون العراق، هناك حد فاصل بين التحالف والتدخل في الشأن الداخلي للبلد.

انقر لاضافة تعليق