الدروس المجانية قد تكون ذات جدوى، وقد تكون على العكس من ذلك حين تختفي جدواها، فقد يحصل طرفان أو عقلان على نفس الدرس المجاني في مجال ما، أحدهما يستفيد منه ويوظفه لتحسين أدائه وتطوير مخرجاته المختلفة، والآخر لا يخرج بشيء من هذا الدرس بسبب إهماله، أو انشغاله بأمور أخرى لا يدخل من ضمنها تطوير الأداء والذات.

ورد في حكاية صنعها الواقع، أن هناك شابّيْن صديقين، نشأها في بيئة اجتماعية وأسرية متشابهة، في أحد الأيام تلقَّيا درسا بمضمون واحد، هذا المضمون حاول أن يثبت بالأدلة القاطعة للشابين بأن إساءة استخدام السلطة تأتي بالدرجة الأولى عندما تتركّز في شخصية واحدة، وتُسلَب من الآخرين، ويركّز الدرس على أن توزيع الصلاحيات بصورة منتظمة، يعود بالنفع على الجميع، فهؤلاء لهم عقول متباينة في التفكير، وكلٌ منهم يتعامل مع الصلاحيات الممنوحة له برؤيته الخاصة وأسلوبه الخاص، فتكون النتائج في مستويات متباينة.

أما تركيز الصلاحيات لدى شخص واحد، هذا سيسحب معه توابع كثيرة جلّها تصنع الإساءة، فالعقل الواحد له رؤية واحدة وتفكير واحد، فما الذي أدرانا حين نمنحه الصلاحيات كلها أنه سوف ينجح فيها، كذلك هناك مشكلة التضخّم الذي التي تكبر في ذات الفرد المركّزة في يده أو شخصه جميع الصلاحيات، فهذا الفرد مع مرور الوقت سيرى نفسه أفضل وأقوى من الجميع، وسوف يقتنع مع نفسه أنه سيد على الجميع، والنتيجة ستكون صناعة لدكتاتور يبدأ صغيرا وينمو ليتنمّر ويُصبح كبيرا.

تداعيات العقلية المنفردة بالقرار

اختار الشبان أسلوبا مختلفا بينهما، أحدهما يميل إلى توزيع المسؤوليات وصلاحياتها، والآخر سعى إلى تركيزها في شخصه، ومع مرور السنوات وبعد أن اصبح الشابان في مراكز متقدمة من الدولة، انتهى من يميل الى تركيز الصلاحيات في ذاته إلى الفشل الذريع، بسبب تفرّده فكريا في صياغة القرار وتنفيذيا في تطبيقه، واعتماده الكلي على عقليته المنفردة، فضلا عن تزايد أعداد المناوئين له بسبب استغلاله الفردي لصلاحيات السلطة بأنواعها، وهذا فشل هذا الشاب الذي صار كهلا ثم شيخا مصابا بالندم لأنه عزل العقول الأخرى، وظل متمسكا بعقله الوحيد، مدفوعا بحبه لنفسه وخشيته على سلطته ومركزه.

فيما انتهى الشاب الآخر الى درجة النجاح الباهر، لأنه اعتمد أسلوب مشاركة عقول الآخرين لعقله، وتوزيع المسؤوليات على جمعٍ من العقول والإرادات رفدته بالتنوع الفكري والتنفيذي، وكسب في أسلوبه هذا جميع من حوله وقدّموا له كل خبراتهم وطاقاتهم ووضعوا عقولهم وإراداتهم في صفّه، وبذلك نجح في تطبيق القول الحكيم للإمام علي عليه السلام: من استشار الناس شاركهم في عقولهم. فكيف إذا شاركهم في جهودهم وأخلاقهم وطاقاتهم المختلفة.

يحيلنا هذا المشهد التجريبي بين تركيز الصلاحيات وتوزيعها إلى ساسة العراق، وما يجري اليوم من صراع على السلطة والمغانم، ولو أننا أجرينا مقارنة بين ساسة العراق وفرنسا على سبيل المثال، على أساس ما يجري في هذين البلدين من أحداث تتعلق بالمظاهرات والاحتجاجات التي جرت ولا تزال في العراق وفرنسا، السؤال هنا هل تمسّك الرئيس الفرنسي ومن ورائه المؤيدون له، برؤيتهم الفردية وعقليتهم التي تقوم على الاستحواذ ومضاعفة المغانم مقابل إهمال الشعب ومطالباته؟.

لقد جرت مظاهرات كثيرة في العراق تعدّدت في حكومات متعاقبة، فما الذي أقدم عليه القادة السياسيون تجاه هذه المظاهرات، آخرها ما جرى في مدينة البصرة من احتجاجات عارمة بسبب تصفير الخدمات السياسية، ليس تصفيرها فحسب وإنما انقلابها إلى أدوات موت لقتل الناس (تلوّث المياه نموذجا)، ما الذي أقدم عليه سياسيو العراق بعد هذه المظاهرات، وهل استفادوا من الدرس، وهل أثبتوا بأنهم تلاميذ مجدّون يفهمون الدروس ويستوعبونها ويصححون من خلالها عثراتهم التي تكاد لا تنتهي؟.

وعود في مهبّ الريح

ما هو الفرق بين الرئيس الفرنسي وطبقته السياسية وبين قادة العراق؟، الفرق واضح لا يحتاج إلى كثير من العناء والذكاء، إن الشعب الفرنسي المرفّه المدلّل قياسا بالشعب العراقي ثار لمجرد رفع أجور المحروقات والضرائب بنحو طفيف، وابتكروا أسلوبا جديدا سمّيّ بـ متظاهري أو محتجّي (السترات الصفراء)، وأجبروا بالنتيجة رغم أنهم يعيشون في فرنسا النعيم والبذخ، قادتهم على الاستجابة لجميع مطالبهم من دون تلكّؤ أو تسويف أو تملّص كما يجري لدينا في البصرة أو سواها.

فما وعد به قادتنا أهل البصرة لم يتحقق إلا بنسبة قليلة وخصوصا في مجال امتصاص البطالة، كما أن الآلاف من مواطني البصرة الذين تعرضوا للتسمم واجهوا هذه المشكلة بأنفسهم، ولم يظهر الجاني حتى الآن، ولم يعلن أحد القادة المسؤولين مسؤوليته عن هذا الفعل الخطير، ولم نسمع باستقالة أحد المسؤولين نتيجة مظاهرات البصرة وما ألحقوه بالمدينة وأهلها من أضرار خطيرة وكبيرة، ولا تزال ساسة التملص هي المتسيّدة، فضلا عن إطلاق الوعود بالمعالجات والإصلاحات التي لم يتحقق منها شيئا.

في الخلاصة حين نقدم على المقارنة بين ما يجري في العراق وفرنسا من مظاهرات، وبين طريقة تعامل السياسيين مع القضيتين وماهيّة الخطوات المتَّخذة، فإننا سنصل إلى أسلوبين متناقضين، الأسلوب الفرنسي يشمل الاستجابة لمطالب المتظاهرين، تحمّل المسؤولية كاملة، عدم التمسك بالسلطة وإهمال المتظاهرين، نجاح في إدارة الأزمة في النتائج، أما الأسلوب العراقي فهو على النقيض تماما، عدم استجابة لمطالب المتظاهرين خصوصا في جانب البطالة، عدم تحمّل المسؤولية، التمسك بالسلطة ومغانمها أكثر فأكثر، فشل في إدارة أزمة البصرة ومعظم الأزمات التي يعاني منها العراق.

هل سيقرأ الساسة العراقيون الدرس الفرنسي جيدا، أم أنه سوف يمر (كالدروس السابقة) مرور الكرم من أمام عيونهم وعقولهم، وتبقى أوضاع المواطنين كما هي عليه الآن، إذا لم تصبح أسوأ، هذا السؤال يتم توجيه لعموم الطبقة السياسية، وخصوصا من يتصدى اليوم لمسؤولية إدارة الدولة بشكل مباشر، عليكم قراءة الدرس الفرنسي الذي لا يزال ساخنا حتى اللحظة، قراءة متأنية ولابد أن تستخلصوا منه ما يبعدكم عن التشبث بالسلطة والصراع على المغانم، ويجعلكم صنّاع لديمقراطية العراق التي يمكنها أن تنقذه من دوامة الفساد ومن كل الأوضاع التي لا تزال ترهن واقع العراقيين بإرادة سياسية وطنية متمكنة.

انقر لاضافة تعليق