في بواكير رحلتي مع كتب الفكر والأدب والمسرح، قرأت لناقد غربي قولا يقول فيه ان (شباك التذاكر لا يكذب أبداً)، هذا القول المقتضب لم أفهم فحواه إلا بعد مرور سنوات طويلة بعد أن بلغت من العمر عتيا، وصرتُ شغوفا بمتابعة الأفلام الأمريكية والعالمية بشكل عام، بالخصوص بعد أن دخلت تكنولوجيا التصوير والإخراج ولوازم الإنتاج السينمائي لتقدم الإثارة على حساب الفكر، فأسبغت على الأفلام الحديثة ما يمكن أن نصطلح عليه أو نطلق عليه تسمية (الرعب الفكري).

في الحقيقة هنالك ما يبرر ما ذهبنا إليه، فنحن لسنا من المعادين للفنون بأشكالها واختلاف مناحيها، إننا نقدر الفكر ونمنح الجمال ما يستحق من احترام وإعجاب، كما أننا نشأنا في ظل أفكار ومعتقدات ترحب بالإبداع، وتحث على التطور بأنواعه، وتنتصر للفكر والوعي والثقافة، والسينما من الفنون الراقية، ولكن الغريب أن يحدث هذا الانحراف في الأفكار السينمائية من أجل المال، فدخول عنصر الإثارة الـ (أكشن)، رجّح الكفّة المادية على سواها من قيم، وصار هدف الحصول على الأموال ووصول الفيلم الى أعلى الأرقام في شباك التذاكر هو الهدف الأول للفن السينمائي والقائمين عليه.

نحن بالطبع لا نطالب السينما بدور تربوي، ولا نجبر أحدا على ليْ عنق الشاشة الكبيرة كي تهمل الترفيه وتنشغل بالأخلاق، في الحقيقة لا نطالب بذلك، ولكن هناك ما يجعلنا نتساءل، لماذا تم تحويل هذا الفن الراقي الى مجرد طريقة (بشعة) لجمع المال، نحن نعرف أن النظام الرأسمالي يبيح ذلك ويشجع عليه، كما أنه ينسف جميع الروادع ويرفض التقنين بإزاء التراكم المالي الوارد من الأفلام السينمائية حتى لو صارت من الفنون الغريبة.

ومصدر هذه الغرابة حين تتحول الأفلام السينمائية من هويتها الفنية النبيلة، الى مهمة جمع الأموال عبر شباك التذاكر بشتى الأساليب، وما يضاعف الغرابة ويجعلها في أقصى درجاتها أن يتم ضرب الفكر المتوازن، ويتم إقصاء القيم التي سعت البشرية الى تثبيتها خلال آلاف السنين، في سلسلة أفلام تلتزمها وتصرف عليها وتروج لها شركات (الجشع)، فتقدمها بأسلوب (الإثارة) التي تضج (بالرعب الفكري)، على حساب الفكر الذي يجعل الإنسان قادرا على الموازنة بين الولع بالمال واحترام كينونة الإنسان.

لقد خرج الأمر عن حدوده تماماً، فحين تصبح السينما مصدرا لنشر الرعب الفكري بين سكان الأرض، علينا أن نقرأ على الدنيا السلام، ذلك أن الخليقة كلها، ما كان لها أن تشذّب طبائعها، وتنمي أخلاقها، وتهندس قيمها، وتسمو بكينونتها لو لا أنها اعتمدت على الفنون في ترويج الفكر المتوازن، وقد أعطت البشرية ما لا يحصى من الجهود والمساعي والأموال والأعمال على مدى رحلة البشرية، كل ذلك من أجل تشكيل وتطوير منظومة فكرية قيمية مهمتها تحمّل عبء النهوض بالإنسان وبلوغه أقصى مرتبة إنسانية في التعامل المتبادَل.

لكن الغريب أن عالمنا يُقاد من أفراد أو شركات تستحوذ على (المال العالمي)، وتستمر في منهج السيطرة على العالم عبر السيطرة على الأموال والثروات مع التخطيط الجهنمي لمشاريع الاستحواذ، وحصر الأموال والثروات تحت سلطة هؤلاء الأفراد والشركات، وبالتالي السيطرة على العالم أجمع بعدة بأساليب، ولا نستبعد أن سياسة (شبابيك التذاكر) وحصد بعض الأفلام عشرات المليارات من خلال اعتمادها سياسة (الرعب الفكري)، يدخل في إطار ما تسعى إليه شركات الاستحواذ على المال العالمي.

في سلسلة أجزاء فيلم (سيد الخواتم) هنالك إيغال وتركيز شديد على إظهار القبح بأقصى درجاته وبأبشع صوره، فهنالك شخصيات شريرة بشعة حتى تكاد العين تتحاشى رؤيتها من شدة بشاعتها، وهنالك مشاهد قتل لا تخطر على بال أشد المجرمين ولعا بالدم، لكن مخرجي أفلام هوليود لديهم هذه القدرة وهذا (الخيال السفاح) في ابتكار وجوه قمة في البشاعة وأجساد تفوق كل أوصاف صور الشر، هذا من حيث بشاعة الأشكال والشخصيات، ولو أننا عرَّجنا على الأفكار المطروحة، فهي لا تقل بشاعة عن الصور والأجساد والأشكال، علما أن الكامرة تتفنن في عرض المشاهد المقززة، وكأن المخرج والمصور والمنتج والممثل يتلذذون بمشاهد الشر والقتل والتعذيب التي تنتهي الى صنع دوامة من الرعب لا مثيل لها.

أحيانا يتساءل بعض المشاهدين والمتابعين بحسرة، لماذا تحولت الأفلام السينمائية الى حفلات رعب تجتاح حياتنا حتى لو هربنا من مشاهدتها، لماذا صارت أفلام كارتون الأطفال كلها مشاهد قتال، لماذا غابت حالات التوازن والهدوء والتعامل الإنساني المتبادل بين الأطفال والكبار، ثم لماذا تغيّرت حتى الألفاظ ونبرة الصوت التي تنطقها في الأفلام، هذه الأسئلة تثبت بلا محاججة أو نقاش، بأن الأهم عند صناع الأفلام العالمية جمع أكبر كمية من الأموال، والمهم لديهم اعتماد سياسة (صندوق التذاكر لا يكذب أبدا)، فكما كان الفلم الهوليودي أكثر رعبا وإثارة، كان أكثر مردودا للأموال، وليذهب الفكر الى الجحيم.

السؤال الأخير المتبقي لدينا، ماذا تعني موجة (الرعب الفكري) التي تضرب العالم اليوم، مع أنه في أشد الحاجة الى الهدوء ومقارعة العنف والتطرف، ألا يعني هذا أن من يصنع التطرف والإرهاب هو نفسه الذي يسعى لنشر (الرعب الفكري) عبر كل الأساليب ومن بينها (فن السينما)؟، إنه سؤال ينبغي أن يُجاب عليه من الجهة المسؤولة، بنفس الأسلوب الصريح الذي طُرِح به، كما أننا سوف نتطرق في كلمة أخرى بصورة أكثر تفصيلا عن أفلام الرسوم المتحركة التي تسعى لتثبيت سياسة (الرعب الفكري) وتشترك في نشرها بين أطفال العالم.

اضف تعليق


التعليقات

مرتضى معاش
العراق
اعتقد ان هوليود هي التي تصنع التطرف والارهاب من خلال اعطاء المصداقية والمقبولية والبطولة في افلامها للقتلة واللصوص وتحولهم الى ابطال خارقين، وتجعلهم مشاريع طامحة ونماذج ناجحة للشباب والمراهقين.. لاحظ كيف ان اللص القاتل بدم بارد يحصل على الاموال الهائلة والنساء الجميلات.. لاحظ كيف ان الصورة قريبة من الاكشن الذي تؤديه دعاش
اذا ارادت امريكا ان تحارب داعش بحق عليها ان تصلح هوليود اولا وتعالج العنف الوحشي الذي تروج له السينما الامريكية..2017-08-08