تقترب الذكرى الثامنة عشرة لرحيل المرجع الديني والمفكر الفذّ الإمام محمد الحسيني الشيرازي (أعلى الله درجاته)، وهو الذي كان كبيرا في حياته المعطّرة بالأفكار العميقة المتجددة، وبعد رحيله ترك وراءه إرثا فقهيا وفكريا موسوعيا ضخما، لو أن قادة المسلمين وضعوه نصب أعينهم، واستفهموه بعقولهم، وتدارسوه في بصائرهم، لكان حال المسلمين مختلفا تماماً عما هو عليه الآن.

الإمام الشيرازي برع في حياته الفكرية كما برع في مبادراته الإجرائية، فلمْ يكن يكتفي بالأفكار وحدها على الرغم من تميزها بالتحديث والمغايرة وكسر النمطية والاعتياد، بل كان مبادرا من طراز خاص، لا ينتظر أحدا يساعده، ولا يتردد في تنفيذ أفكاره، ينهض ويتقدم وحيدا، ثم يسعى الآخرون ليحيطوا به بعد نجاحه، كان الإصرار هاجسه والمثابرة سلاحه الأمضى، لا يكل ولا يمل، ديدنه الفكر الناصع والإنجاز البارع، يرى فيه كل المحيطين به نموذجا للصبر والإقدام، لا يفكر بالفشل ولا يخشاه، وإن حدث لأي سبب كان، فسوف يجعل منه معْبرا إلى نجاحات باهرة لا تتحقق إلا على يد قائد من طراز خاص.

الإمام الشيرازي خبر الحياة، وخبر الإدارة وتفاصيل الأعمال والمهام المختلفة، وأنجز ما لم يستطع منه الآخرون، صاحب الإرادة الحديدية، وخبير الإدارة التي وضعت أقدامه على السكك الصحيحة، ومن خبرته المتراكمة، كتب (فقه الإدارة) وتركه للآتين أو القادمين من بعده، فإن أخذوا بها وهضموها جيدا واستناروا بنورها نجحوا، وإن كانوا خلاف ذلك خسروا.

يقدم الإمام الشيرازي جملة من الخطوط العريضة والتفصيلية للنجاح الإداري، كان سماحته قد استخلصها من منبعين:

المنبع الأول: الخبرات الإدارية التي اكتسبها من المشاريع الكبيرة والغزيرة التي أنجزها خلال رحلته الطويلة في هذا الميدان الخيري الديني المؤسساتي.

المنبع الثاني: قدراته الفكرية النابضة بالتجدد، والبحث الغائص بالجديد من الأفكار، توافقا مع نزعته العقلية الباحثة عن المغاير وغير السائد.

يقدم الإمام الشيرازي في كتابه (فقه الإدارة)، نصائح فذة للإداريين إذا ابتغوا النجاح، وهي غاية في الوضوح والسلاسة، يقدمها سماحته للإداري على طبق من بساطة وعمق ورجاحة، ما أن يتمسك بها الرئيس الإداري، حتى يتبوّأ القمم تأكيدا لنجاحه وصوابه.

من هذه النصائح الفذة، قوله بأهمية: الاهتمام بالتدريب المستمر لشخصه ولمرؤوسيه، أفرادًا وجماعات حتى يكون دومًا مدرَّباً وماهراً.

فإن سعى إلى هذا الإجراء، وجعله نصب عينيه، وتمسك به بدقة وإصرار، صار إداريا ناجحا متميزا، ليس هذا فحسب، بل إنه سيكون مدربا صانعا للإداريين الماهرين المتميزين، والبلد الذي يقوده رؤساء إداريون من ها الطراز، سيكون نصيبه السؤدد والعلياء.

ربما لا نجافي الحقيقة، حين نقول إن التراجع الذي يفتك بالدول الإسلامية والعربية اليوم، ما هو إلا نتيجة طبيعية لقلة الإداريين الناجحين، أولئك الذين يدركون حجم المسؤولية، ويؤثرون العمل الصحيح على راحتهم ومصالحهم، دائما هاجسهم التطور الإداري لهم ولمرؤوسيهم، وهذا ما قاله الإمام الشيرازي قبل عشرات السنين عما يجب أن يكون عليه القائد الإداري حين أكد سماحته على: حُسن توزيع العمل على المرؤوسين حسب قدراتهم، والسعي للتعرف على هذه القدرات وتطويرها.

ولم يفتْ الإمام، التطبّع على التنظيم، فإنه يجعل من الرئيس الإداري منظّما بطريقة تلقائية، تجري على يديه الإنجازات العملية بسلاسة مثل خرير الماء وصفائه، فهذه السمة كما يراها الإمام تصقل شخصية الإداري، وتجعله عارفا لما يخطط وينجز، بالإضافة إلى تأثيره بمرؤوسيه، فهو نموذج ناجح يتعلمون منه، ويسعون للتشبّه به، يتناغمون معه في التفكير والحركة وحتى الكلام كونه نموذجهم الذي يقتدون به، ويرون فيه معلّما لهم، ومحققا لنجاحهم ودافعا لتميزّهم.

القادة الإداريون لا يمكن لهم العمل وإنجاز مهامهم المختلفة، من دون اكتسابهم الطبيعة النظامية، فالعبثية والعشوائية تصبح حواجز وعوائق ضخمة تدمر الأهداف صغيرها وكبيرها، وتجعلها غير قابلة للتحقق، على العكس من ذلك، يكون تحلي القائد الإداري بروح التنظيم عاملا دافعا ومساعدا على الإنجاز الأسرع والأدق.

هذه النصيحة الإدارية الفذة جاءت في كتاب الإمام الشيرازي حين قال لابد أن يتحلى الإداري بـ : الروح التنظيميّة والترتيب، فإن الإنسان إذا ربّى نفسه على التنظيم والترتيب تَطبَّع بهذه الروح حتى تأتي منه الأشياء تلقائيًّا.

الوقت وتنظيمه هو الآخر ركن كبير الأهمية في الإنجازات الإدارية المختلفة، فالوقت ليس مفتوحا أما القائد الإداري في إتمام الأعمال والمشاريع، كما مطلوب منه أن يضع خطة زمنية تحكم الإنجاز، وتحدد مراحله، فلكل مرحلة وقت محدد لا يجب أن تتجاوزه، لكن يمكن أن تختصره مع الحفاظ على الجودة والإتقان.

هذا النوع من التنظيم بالغ الأهمية للرئيس الإداري، لأن الزمن غال ولا يصحّ هدره لأي سبب كان، مع الأهمية القصوى أن لا يكون ذلك على حساب جودة ودقة الإنجاز، فإن اعتاد القائد تنظيم الوقت المخصص للإنجاز، فإنه لا ريب سينجح في الوصول إلى نتائج مثمرة، مع أهمية أن لا يكون ها النوع من التنظيم مدعاة للتذمّر أو الامتعاض، وفوق هذا وذاك، سيكون هكذا قائد إداري أسوة رائعة لمرؤوسيه، يتشبّهون به ويسعون كي يتعلمّوا منه الجيد والسليم دائما.

على القائد الإداري إذا ما رامَ التفوق والنجاح أن: يُحسن استخدام الوقت وتوزيعه، مع عدم التضييق الموجب لعدم الرضا.

هذا ما أوصى به الإمام الشيرازي لمن يسعى للنجاح في القيادة الإدارية، وهناك الكثير من التوصيات والمقترحات الناصعة التي تركها الإمام لنا بعد رحيله، سنأتي عليها في مقالات لاحقة.

انقر لاضافة تعليق