الفقير، والمريض، والمهموم، والمظلوم، هؤلاء هم من يقصدون مرقد الامام الحسين، وسائر المراقد المشرفة للأولياء الصالحين، أملاً في حل مشاكلهم والتنفيس عن كربهم، وقد انسحبت هذه الصورة الذهنية على الزائرين المشاة في أربعين الامام الحسين، وما تزال عالقة في اذهان البعض، لاسيما وإن عملية السير لمسافات بعيدة، لما لها من استهلاك للوقت وللطاقة البدنية، بما يعني وجود الحاجة القصوى، مع توفر الوقت المفتوح لغير الملتزمين بأعمال تجارية، او من الاكاديميين.

هذه الصورة النمطية القديمة تلاشت بالكامل مع مرور الزمن، عندما جرف تيار الزيارة الاربعينية كل هذه الاعتبارات والتصنيفات ليجد كل فرد من افراد المجتمع، بغض النظر عن صفته ومكانته، مكانه في هذه المسيرة، وأنه محتاج لها؛ كما الآخرين، لمواجهة ما تخفيه الايام من محن، بل وتعزز ما لديه من منجزات، وتزيد عليه.

ماذا يعني هذا؟

هل المطلوب من الغني، والعالم، والوجيه التنكّر لما يمتلكه كفرد لخدمة المجتمع والدولة، كما يدعو اليه الاشتراكيون، ثم ننتصر للرأسماليين القائلين بأن يكون المجتمع في خدمة الثري وصاحب الرساميل، والعالم ايضاً، تحت شعار "الملكية الفردية"، ليقع الناس فريسة الاستهلاك، والإغراءات الكاذبة؟

لا هذا ولا ذاك؛ إنما هو الخيار الثالث الذي صاغه للبشرية رسول الله، صلى الله عليه وآله، أول مرة عندما أبقى على الملكية الفردية، كما كافح عوامل الفقر، من خلال قيم انسانية سامية مثل؛ الإحسان، والمساواة، والتكافل، والتعاون، ليجرب الانسان المسلم لأول مرة في العالم الشخصية الرسالية التي أرادها الله –تعالى- له، وعلى نفس النهج سارت قافلة الإمام الحسين باتجاه ساحة المواجهة التاريخية الفاصلة بين العبودية للمادة والمال، والحرية في رحاب الانسانية، ومن وحي هذه المدرسة، يكتب السائرون الى كربلاء هذه الايام فلسفة مشاركتهم المذهلة للعالم، فالغني موجود بداره الفخمة المفتوحة للزائرين، وبأمواله المبذولة لتوفير مختلف اشكال الخدمة، كما الفقير ايضاً موجود بحصيره الممزق على التراب يفترشه ليعرض عليه بعض أقداح الماء لعله يسقي أحد الزائرين المشاة، او أن يسقيه بأقداح الشاي بما لديه من أدوات بسيطة (الكتلي) وقد لونه نار الحطب بالسواد، إنما الإطار الجديد والثالث الذي يجمع الاثنين؛ خدمة الامام الحسين.

هذه المفردة المبتكرة وغير المسبوقة في سائر الثقافات بالعالم، تجسدت أمام رجل دين مسيحي من لبنان شارك العام الماضي في مسيرة المشي لزيارة الاربعين، يقول: وجدت عنواناً واحداً يجمع كل من صادفته في طريقي بين النجف وكربلاء، وهو؛ خدمة الحسين، والخدمة في المفهوم المسيحي –يقول هذا القسيس في ندوة خاصة- من أولى الصفات التي يتقدم فيها الانسان روحياً.

واذا دققنا في الأمر، نجد أن "الخدمة الحسينية"، او خدمة الامام الحسين، هي بالحقيقة تمثل ثقافة انسانية، وإلا فان الامام الحسين، وسائر المعصومين، عليهم السلام، ليسوا بحاجة الى زياراتنا وأعمالنا وأموالنا، بقدر ما الحاجة عندنا نحن، لكي نرتقي ونسمو في الحياة، ثم نكسب رضا الله في الآخرة بجاههم عنده –تعالى-. فالامام الحسين يرجو أن تكون الشخصية الثالثة سائدة طوال أيام السنة، وليس فقط في أيام الذكرى، حتى نتذكره، عليه السلام، عندما نمدّ يدنا لانقاذ ملهوف، او مساعدة محتاج، بأي شكل من الاشكال، كما فعل مع أصحاب الحُر الرياحي، بسقيهم الماء وترشيف خيولهم، في موقف لن يشهد له التاريخ مثيلاً مطلقاً.

ولدينا تجربة ناجحة في هذا الاستذكار لدى شربنا الماء من البرادات المنتشرة في الاسواق والشوارع والاماكن العامة، فنتذكر عطش الامام الحسين، وأهل بيته في كربلاء، من هنا جاء ابتكار "السبيل" وثقافة سقي الماء الذي يتشارك فيه الغني والفقير على حدٍ سواء، وربما نلاحظ التسابق والتنافس في هذا المجال.

إن الخدمات المتبادلة بين ابناء الشعب المسلم، وبين افراد الأمة، بل وبين البشرية جمعاء، هو الذي يدخل السرور على قلب الامام الحسين، عندما يرى إن احد بنود الإصلاح قد وجدت تبطيقها في واقعنا الاجتماعي، وليكون اصحاب هذه النفوس الطيبة مؤهلين لتحقيق اقصى درجات الإصلاح في سائر جوانب حياتهم المليئة بالازمات.

اضف تعليق