الاغتراب والتغريب والاستغراب، إضافة إلى ما سبق أو لحق بها من مصطلحات مفردة أو زوجية مثل الاستشراق، والأصالة والمعاصرة، والقديم والجديد، والتراث والحداثة، جميعها جاءت رد فعل لصدمة الاحتكاك التي حدثت مع الغرب على مدار التاريخ الإسلامي ويمكن تلمس ثلاث مراحل احتك فيها الإسلام مع الغرب من مواقع مختلفة تراوحت بين القوة والضعف وأفرزت كل مرحلة من تلك المراحل، نتائج ومؤشرات متباينة ومختلفة.

المرحلة الأولى:

الاحتكاك الذي حصل إبان الدولة العباسية خصوصاً في أوائلها، وفي مرحلة الترجمة من اللغات الأخرى بالتحديد، حيث تم التفاعل بين الغرب والإسلام، وعلى الرغم من الانتصار السياسي للإسلام على أرض الواقع إلا أنه تأثر بالفكر الإغريقي وأثيرت العديد من الإشكاليات التي كادت أن تمزق الأمة، ويمكن تلمس ذلك التأثر من خلال أسماء مثل الرازي وكتاباته الإلحادية وكذلك ابن المقفع وابن الراوندي لكن حيوية العقل المسلم، ونضج النسق المعرفي الإسلامي، في ذلك الحين، حال دون التفجير، وأمكن امتصاص الفكر الإغريقي وهضمه، وتحول إلى جزء من النسق المعرفي الإسلامي بمعناه الواسع.

المرحلة الثانية:

فترة الحروب الصليبية، ويلاحظ فيها أنه على الرغم من التفوق العسكري للغرب، إلا أنه تأثر وبصورة قوية بالمعرفة الإسلامية وبدأ الانشغال الفكري بالمجتمع الغربي يؤتي ثماره بعد ذلك.

ويمكن تلمس هذا التأثر بالإسلام في أوروبا ـ في القرون الوسطى ـ في ميادين كثيرة، وهيمنته على جوانب متعددة، وقد عم هذا التأثير بدرجة كبيرة أو صغيرة مستويات الحياة الأوروبية جميعاً، ونال أكثر المجالات والبنى اختلافاً وتباعداً، بما في ذلك النواحي المعيشية والتجارية والاقتصادية والتقنية والسياسية والآداب والعلوم والفلسفة والدين.

أما بالنسبة للعقل المسلم فلم يحدث له أي نوع من الانهزام الفكري نظراً لضعف المحتوى الفكري الأوربي في ذلك الوقت.

المرحلة الثالثة:

التي أعقبت الحملة الفرنسية على مصر، ويلاحظ هنا، الضعف الحضاري العام والتدهور الفكري في العالم الإسلامي من ناحية، وقوة النسق الحضاري الأوربي من ناحية أخرى.

فقد مثلت هذه المرحلة، لحظة نموذجية لتفاعل الاستلاب كقوة نابعة من النسق الأوربي، والقابلية للاستلاب كحالة يعيشها العقل المسلم.

لحظة الاحتكاك أو الاصطدام تلك، خلقت حالة من الاهتزاز في تحديد ماهية الذات، وتباينت الدعوات التي أفرزها هذا الاهتزاز، فهي إما دعوة للتخلي عن الذات وتقمص الآخر وتطوير الذات طبقاً لمعايير الآخر. أو هي دعوة لإيجاد صيغة توفيقية تشتمل على الذات والآخر معاً بحيث لا يكون لها معنى ولا ماهية.. وفي مقابل ذلك ردود أفعال نكوصية مرتدة إلى الوراء للتعلق بأهداب عصور زاهية في التاريخ.

في هذا السياق الذي آلت إليه الدعوات الثلاث في عالمنا العربي والإسلامي، ظهرت أفكار (تضييق الفجوة) و(اللحاق بالركب الحضاري) وقد استغرقت الدعوة الأولى في (استغرابها) و(تغريبها) لتعبر عن أن المجتمعات الأوربية أو مجتمعات الحضارة الغربية في أوربا وامتداداتها في الأمريكيتين واستراليا هي القاطرة التي سارت في خط التطور التاريخي خطوات لم يعد أمام المجتمعات الأخرى إلا أن تسلك نفس الطريق وتحاول التعلق بالقاطرة وإلا فقد تفقد وجودها أو تتحجر في طورها الحضاري الذي وصلت إليه.

وقد أدت هذه الأطروحة إلى نفي وجود أي طريق آخر للتطور أو نفي إمكانية التفكير فيه، فقد تحولت قيم الحضارة الأوربية ومعاييرها وأنماطها السلوكية لتصبح هي المرادف أو المحتوى لمفهوم المعاصرة، وهي المحدد لقيم العصر التي ينبغي السعي لاكتسابها. وكتاب (نزعة التغريب) لجلال آل أحمد يحاول فك المتغربين والداعين إلى التغريب من أسر الاستغراب الذي أصابهم نتيجة منجزات الحضارة الأوربية المادية. وقد كانت لهذا الكتاب أصداء واسعة في أوساط المجتمع الإيراني لا سيما الشريحة الشبابية، حيث لعب دوراً تغييرياً كبيراً باتجاه عودة المجتمع إلى الذات، وحقق لنفسه مكانة خاصة في إيران والشرق، حتى اعتبره بعض النقاد أهم رسالة إيرانية نوقشت على المستوى العالمي.

في نزعة التغريب يؤكد آل أحمد في أكثر من موضع على الأهمية (المشروطة) للدين والمؤسسات الدينية باعتبارها آخر الحصون أمام التغرب، ونقطة الانطلاق التي بالإمكان البدء منها للوقوف بوجه هذا السيل الجارف، ودفع الجماهير صوب تحررها الثقافي والسياسي.

بدءاً لنعرف فعل (استغراب) فهو في اللغة: دهشة يسببها ما ليس بمألوف أو متوقع.

والاستغراب يعني: نزعة إلى تفضيل الغرب على الشرق.. ومنه المستغرب وهو من أنصار الاستغراب..

يستعير جلال آل أحمد من شعر ميدل تريفيس ويجعله كمقدمة لكتابه:

آه يا بطرس القديس! لا تطلبنا إلى الموت..

فليس بوسعنا أن نأتي..

لقد أودعنا أرواحنا مخازن الشركات..

في الأوراق التي حملت عنوان وباء التغريب، يقول جلال آل أحمد للتغريب طرفين: أحدهما الغرب، والآخر نحن المتغربين في الشرق.

جغرافياً يمثل الغرب تخوماً تشمل أوربا بأكملها، والاتحاد السوفييتي، وأميركا الشمالية، ولكنه جوهرياً، يتشكل من البلدان المتقدمة، أو البلدان الصناعية، أو قل جميع البلدان التي بوسعها تحويل الخامات إلى منتوجات معقدة بواسطة الآلة، وعرضها بعد ذلك في الأسواق العالمية، وليست هذه الخامات مادية فقط، بل هي الأساطير أيضاً، وأسس العقيدة والعوالم الروحية للأمم.

أما الطرف الثاني من المعادلة، والذي يسمى اصطلاحاً بالعالم الشرقي، فإنه يتشكل جغرافياً من بلدان آسيا وأفريقيا، ويكتسب ماهيته من الواقع المعاش في كل البلدان غير الصناعية، أو مجموعة البلاد المستهلكة للصناعات الغربية، الصناعات التي سافرت خاماتها من عندنا، لترجع إلينا في شكل سلع ليس بوسعنا إلا استهلاكها.. ولا حاجة لنا بالتذكير أننا ننتمي للفئة الثانية.. لمجموعة البلدان الجائعة، في مقابل المجموعة الأولى التي تمثلها البلدان المتخمة، حسب تعبير (خوزه دوكاسترو) في كتابه (جغرافيا الجوع)، حيث تفصل بين هذين القطبين ليس مجرد مسافة مكانية شاسعة فحسب، وإنما - على حد تعبير تيبور مندي - هاوية سحيقة تزداد عمقاً واتساعاً يوماً بعد آخر، حتى إن الثراء والفقر، القوة والضعف، العلم والجهل، العمارة والخراب، والحضارة والتوحش في دنيا اليوم، أصبحت ظواهر قطبية، قطب بيد المتخمين والأثرياء وأصحاب القوة والصناعة والتصدير، والقطب الآخر من نصيب الجياع والفقراء والضعفاء والمستهلكين والمستوردين.. في ذلك الطرف من العالم تبدو وتائر التطور والتقدم تصاعدية دائماً، وفي هذا الطرف تبدو جميع المؤشرات متجهة صوب الانحطاط والعدم.

مكونـــات السيـــل

في القرون الثلاثة الأخيرة تشكل العالم الغربي في رحم الثورة الصناعية، وترك الإقطاع مكانه للمدنية، ومن ناحية أخرى، انكفأنا نحن، في هذه الزاوية من الشرق، داخل شرنقة الوحدة الوطنية، وأخذنا نزيد من خيوط الشرنقة كل يوم، في هذه القرون الثلاثة ضاعف الغرب من منتوجاته، بحيث أصبح في حاجة إلى أسواق عالمية واسعة لتصريف بضائعه، ولكي يحصل هناك على ما يلزمه من المواد الخام.. وفي هذه القرون الثلاثة ذاتها كنا نلبس الدروع على الدروع من خوف العثمانيين، وغفونا في داخل دروعنا رغداً.

أما الغرب فقد سارع لابتلاع الدولة العثمانية، وجعل كل واحد من أوصالها هراوة تنفعه في أيام الشدة، عندما تنتفض الجماهير في العراق ومصر وسورية ولبنان..

هنا بالضبط تكمن جذور التغريب.. في تضخم الصناعة الغربية من ناحية، وفي عجز حكوماتنا الوطنية ذات الركائز التقليدية القائمة على اضطهاد الأمة، من ناحية أخرى.

التعفنـــات الأولـــى

مع إطلالة النهضة في الغرب، كان شبح محاكم التفتيش يجزّ الرؤوس في شرقنا الأوسط على غرار ما حدث في القرون الوسطى.

وطبقاً لآراء الأستاذ أحمد فرويذ فإننا بدأنا بالضبط من حيث انتهى الغرب.. أو عندما نهض الغرب قعدنا.. وحينما استيقظ على بعثه الصناعي، دخلنا في سبات أصحاب الكهف ودع عنك أننا نمارس اليوم ذات اللعبة التنويرية التي بدأها الغرب أوائل القرن الثامن عشر الميلادي، بفارق أننا بدأناها مطلع القرن العشرين، في إطار ثورة الدستور، وكان العالم الغربي حينها يتجه صوب الاشتراكية، ويميل نحو النظم الموجهة في الاقتصاد والسياسة والثقافة.

أما المؤسسة الدينية التي تعد آخر حصون المقاومة إزاء التغريب، فقد انكفأت منذ عهد (الدستور) داخل قوقعتها، وتراجعت أمام هجمات الآلة، لتعيش بسلام، مغلِّقه على نفسها جميع أبواب العالم الخارجي ـ فقد نسجت حول صدرها شرنقة لا تخرج منها إلا في يوم القيامة.

كشكـــول المفـارقـــات

والآن، ها نحن والتشبه بالأجانب، وبتقاليد غريبة عنا، وبثقافة ليست لها أية جذور في أرضنا، ولا أية ثمار أو فائدة لنا، أنه تشبه يلاحقنا في حياتنا اليومية، وفي مواقفنا السياسية والثقافية، ولهذا تبقى كل أمورنا بتراء ناقصة.

وبسبب التعارض بين توجهات الجماهير وتوجهات الحكومة، ينسى الطفل في مدارسنا الابتدائية الصلاة، بمجرد أن يحفظ النشيد الشاهنشاهي باعتباره نشيداً وطنياً، وبمجرد أن يلتحق بالصف السادس الابتدائي، تراه يهجر المسجد إلى غير عودة.. وفي أول مرة يرتاد فيها السينما يترك الدين على رف النسيان إلى الأبد.. ولهذا فإن تسعين بالمئة من طلبة إعدادياتنا غير متدينين، بل هم ليسوا غير متدينين فقط، وإنما متذبذبون في دينهم، ومعلقون بين السماء والأرض، وغير مستندين إلى ركن وثيق، منسلخين عن كل يقين وإيمان، لأنهم يرون الحكومة بكل مزاعمها ومؤسساتها وأموالها والمساعدات الأجنبية، المدافع والدبابات، لا تستطيع حل أبسط المشاكل الاجتماعية، وأعني بها بطالة خريجي الإعداديات ولهذا تتملكهم الحيرة،. الراديو بجوارهم يصب في أسماعهم السحر والإغراء على مدار الساعة، والسينما تستعرض لهم عوالم من هم أفضل منهم.

من المعروف في الإطار الثقافي، أن ثانوياتنا وجامعاتنا لا تخرّج سوى موظفين، أو حملة شهادات عاطلين.. لكن النقطة المهمّة التي لم يلتفت إليها أحد لحد الآن، هي أن ثانوياتنا وجامعاتنا تخرّج متغربين، وتنتج أناساً كأنهم نقوش على الماء.. وتمهد الأرضية اللازمة للتغريب.. وهذا أكبر الأخطار التي تطالعنا بها جامعاتنا وثقافتنا.

نمـــر من ورق

الإنسان المتغرب الذي يمثل عضواً من أعضاء جهاز إدارة البلاد، إنسان معلق في الهواء، إنه ذرة متسكعة في الفضاء، أو قشة طافية على الماء.. إنه منقطع عن عمقه الاجتماعي والثقافي والتراثي.. هو بالطبع ليس حلقة وصل بين القديم والجديد، ولا خطاً فاصلاً بين العتيق والحديث.. بل شيء بدون أية علاقة بالماضي، وبلا أدنى وعي بالمستقبل وليس هو نقطة على خط وإنما نقطة مفترضة على صفحة أو في الهواء، بالضبط كتلك الذرة المتسكعة.

المتغرب إنسان متذبذب، لا يؤمن بأي شيء، ولكنه في الوقت ذاته ليس عديم الإيمان بأي شيء.. إنه إنسان التقاطي، وصولي، يتحين الفرص، وكل شيء متساو بالنسبة له...

المتغرب يركن إلى الراحة، ويغتنم كل لحظة، من دون أن يكون لهذا الاغتنام بعد فلسفي بناء..

الإنسان المتغرب لا يحمل تخصصاً في الغالب، لا يجيد شيئاً، ويجيد كل شيء وهو عديم الشخصية، شيء لا أصالة له.. هو ومنزله و كلامه لا يعني أي شيء.. و إذا كانت شخصية الأفراد في الغرب ضحية تخصصهم، فان المتغرب هنا لا شخصية له ولا تخصص. له خوفه فحسب.. الخوف من الغد، الخوف من العزلة، الخوف من أن يبقى مغموراً لا يعرفه أحد، الخوف من افتضاح حقيقة المخزن المفرغ الذي يثقل رأسه باعتباره دماغاً..المتغرب ينظر إلى أفواه و أيدي الغرب، ولا يهمه ما يجري في عالمنا الصغير.

وبــــاء الآلـــه

إذا كان الغرب قد استعاض عن الشخصية بالتخصص، تبعاً لحتميات التكنولوجيا والتمكنن، فإننا وفقاً لحتميات التغريب استعضنا عن الشخصية والتخصص كليهما، بالانتهازية والتلون والتغريب.

أما حكوماتنا فلا تستطيع بكل ما أوتيت من قوة أن تحافظ ولو على الشكل الظاهري للأمور.. وإنما تعمل باستمرار على ترسيخ التعامي والتغافي، متوسلة بأسلوب جديد، لا يخرج في كل حالاته عن ثلاثة أنواع من الماليخوليا:

الأول: ماليخوليا العظمة: فكل إنسان صغير يرى عظمته في العظمة التي ينسبونها إليه كذباً وانتحالاً.. وأيضاً في عظمة البهارج الوطنية، والمهرجانات المبهظة، وأطواق النصر الفخمة.... الخ.. والخلاصة: إنه يجد عظمته في كل ما يملأ العين.. فمتى ما امتلأت عين الإنسان الصغير تصور نفسه كبيراً...

الثاني: ماليخوليا التفاخر بالماضي القديم، وهذا من توابع الأول، ولكنه غالباً ما يُسمع بالأذن، ولا يرى بالعين.. فتملأ آذاننا المزاعم الجوفاء، والتبجحات المقرفة، وكل ما تتشدق به إذاعات البلاد وصحافتها..

الثالث: ماليخوليا إلهاء الناس بالمخاوف الوهمية، عبر اختلاق أعداء خياليين. وفي هذا السياق يتم استنفار الإذاعة والتلفزيون والصحف، لتلهج ليل نهار بأخطار هذا العدو، فتنكص الجماهير على نفسها من خوفه، وتقنع بما لديها من النعم...

تلك أهم الأفكار التي عالجها الكاتب في فصول كتابه على مدار صفحاته البالغة 200 صفحة، ولا شك أن آل أحمد استخدم في كتابه لغة حادة قاسية ذات طابع تهكمي شديد الوطأة، لكن ذلك سيبدو طبيعياً جداً إذا حاولنا تصور الظروف الشاذة التي فرضها نظام الشاه على الجماهير آنذاك، بحيث مسخ البلاد والشعب إلى منطقة نفوذ سائغة للأمريكيين فجاءت (نزعة التغريب) كردة فعل عنيفة لا بد منها إزاء ذلك الوضع غير الطبيعي.

وضمن هذا الإطار أيضاً يمكن أن نفهم ما اشتمل عليه الكتاب في بعض المواضع من آراء متسرعة وتطرف ونظرة تشاؤمية مجافية للمنطق.

ومع هذا تبقى (نزعة التغريب) من أصدق العلامات وأهم الوثائق الدالة على طبيعة تلك الحقبة من التاريخ الإيراني.

* نشر في مجلة النبأ-العدد 53-شوال 1421/كانون الثاني 2001

الكاتب الأديب جمال بركات
التفاعل بين الثقافات والحضارات والعلوم من الأمور السوية
لكن غير السوي هو النظر الى الآخر على أنه القدوة في كل الأمور الدنيوية
والعمل على التقليد الأعمى تحت مزاعم التقدم واللحاق بركب الأسرة الدولية
أحبائي
دعوة محبة
أدعو سيادتكم الى حسن الحديث وآدابه...واحترام بعضنا البعض
ونشر ثقافة الحب والخير والجمال والتسامح والعطاء بيننا في الأرض
جمال بركات....مركز ثقاف الألفية الثالثة2018-12-27
انقر لاضافة تعليق