تعاني الصحافة من مشكلات كثيرة على مستوى العالم، منها ما يُصنَّف بالخطير ومنها بالمتعب، لذلك سمّيت بمهنة المتاعب، والصّحَافَةُ بحسب المختصين هي المهنة التي تقوم على جمع وتحليل الأخبار والآراء والتحقق من مصداقيتها وتقديمها للجمهور، وغالبا ما تكون هذه الأخبار متعلقة بمستجدات الأحداث على الساحة السياسية أو المحلية أو الثقافية أو الرياضية أو الاجتماعية وغيرها.

فيما قال آخرون بأن الصحافة هي صناعة الصحفي لمقالات تهتم بجميع الأحداث التي تدور في مجتمعنا، والصحافيون هم القوم الذين ينتسبون إليها ويتطلعون عليها، ويعملون بها. أول من استعمل لفظ الصحافة، بمعناها الحالي، كان الشيخ نجيب الحداد، منشئ جريدة "لسان العرب"، في الإسكندرية، وحفيد الشيخ ناصيف اليازجي، وإليه يرجع الفضل في هذا المصطلح "صحافة"، ثم قلده سائر الصحفيين، بعد ذلك.

وقبل الخوض في لبّ الموضوع، أي الصحافة بين الأخبار والأفكار، نلقي نظرة عليها، فقد استخدم العرب والأوروبيون عديدا من المصطلحات لوصف الصحافة، بأشكالها المختلفة. فعند دخول الصحافة، لأول مرة، في مطلع القرن التاسع عشر، كان يطلق عليها لفظة "الوقائع"، ومنها جريدة الوقائع المصرية، كما سماها رفاعة الطهطاوي. وسميت كذلك "غازته"، نسبة إلى قطعة من النقود، كانت تباع بها الصحيفة. كما أطلق عليها الجورنال.

وقد استعمل العرب الأقدمون كلمة " صحفي" بمعنى الوراق الذي ينقل في الصحف، وقيل في ذلك عن بعضهم: "فلان من أعلم الناس لولا أنه صحفي" بمعنى أنه ينقل عن الصحف أو الصحائف.

فيما عرَّف بعضهم الصحافة الحديثة بأنها كل نشرة مطبوعة تشتمل على أخبار ومعلومات عامة وتتضمن سير الحوادث والملاحظات والانتقادات التي تعبر عن مشاعر الرأي العام وتباع في مواعيد دورية محددة وتعرض على الجمهور عن طريق الاشتراك والشراء.

متى ظهرت الحاجة للصحافة؟

أطلق العرب لفظ الغازته على الصحف، في أوائل عهدها، تقليدا للأوروبيين؛ حيث يقال إن أول صحيفة، ظهرت في البندقية، عام 1656، كانت تسمى غازته؛ فشملت هذه التسمية فيما بعد كل الصحف بلا استثناء. خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان، وخلق معه غريزة حب الاستطلاع، والبحث والتطلع لمعرفة كل ما هو جديد، في الحياة، من أجل الاطمئنان إلى البيئة، التي يعيش فيها، داخليا وخارجيا.

ومنذ وجد الإنسان، وعرف اللغة والكلام، نشأت عنده حاجة لأن يقول للآخرين ما يعمل، وما يفكر فيه؛ ويعرف منهم، كذلك، ما يعملونه، وما يفكرون فيه، لأن طبيعة الإنسان الاجتماعية، تجعله يهتم بما يدور حوله، ولا يستطيع الحياة وحده، فكان لابد من إيجاد وسيلة للتعبير عن آرائه، وآماله وآلامه وحاجاته، إلى غير ذلك.

إذاً الصحافة بمعنى نقل الأخبار، قديمة قدم الدنيا وليست النقوش الحجرية في مصر والصين وعند العرب الجاهليين، وغيرهم من الأمم العريقة، إلا ضربا من ضروب الصحافة في العصور القديمة. ولعل أوراق البردي المصرية، من أربعة آلاف عام، كانت نوعا من النشر أو الإعلام أو الصحافة القديمة.

وكانت الأخبار، في هذه العصور الأولى، خليطا من الخيال والواقع، تمشيا مع رغبات السامعين، بغية التسلية، الإشادة بالبطولة والقوة، وكان هذا اللون من القصص كثير التداول بين الناس يعمر طويلا، وينتقل من جيل إلى جيل، على صورة القصص الشعبي، الفولكلور.

ويقال أن الصحافة بدأت في صورة الأوامر، التي كانت الحكومات توفد بها رسلها مكتوبة، على ورق البردي، إلى كل إقليم. وكان لهؤلاء الرسل محطات معينة يتجهون إليها، بما يحملون من الرسائل، لهم جياد في كل محطة. ومتى وصلت الرسالة إلى حاكم الإقليم، أذاع ما فيها على سكان إقليمه، وقد يلجأ، في بعض الأحيان، إلى إطلاق المنادين ينادون بما فيها.

الصحافة الفكرية وتطوير الوعي الجمعي

هذه هي مهام الصحافة عبر مسيرتها، ولكن لا يمكن أن تُحصَر الصحافة في حيّز مغلق أُطلق عليه بـ (الصحافة الخبرية)، فمع توسع أساليب الحياة والتطور الهائل في مختلف المجالات، بات الواقع البشري يحتّم على المهتمين بالصحافة والقائمين عليها (مؤسسين أو كتاب أو صحفيين)، قراءة الواقع العالمي بصورة دقيقة، وجعل الصحافة أكثر استجابة لهذا الواقع البشري الآخذ بالتعقيد والتداخل.

برزت الصحافة الفكرية، وهي نوع آخر من الفعل الصحفي القائم على طرح الأفكار ومناقشتها، وتقديم المقترحات والحلول بعد مناقشة مختلف القضايا الفكرية في مجالات السياسة والاقتصاد والاجتماع والفلسفة وسواها، وهذا النوع من العمل الصحفي لا علاقة له بمهامها الخبرية التي تتصدى لمختلف الأحداث العالمية والمحلية اليومية المتسارعة.

يعترض بعضهم على مصطلح الصحافة الفكرية، ويؤكد تمسكه بالرأي القائل بحصر الصحافة بالأخبار فقط، فيما يرى آخرون أن هذا التحجيم للصحافة يلقي عليها نوعا من الظلم والتسطيح، ويرى الفريق الثاني بأن الصحافة يجب أن تتصدى لقضايا الفكر المعاصرة، لاسيما أن عالمنا يسير في وتيرة متسارعة نحو التصادم والانفلات والاحتقان والتوتر.

هذه الأجواء المتضاربة السريعة تصنعها الصحافة الخبرية، لاسيما حين تدخل في إطار التضليل والتضارب والتجاذبات، وحين تتخلى عن أهم شروطها ونعني به الاستقلالية، فحين تكون الصحافة (خبرية) تابعة، سوف تتحول من مرآة حيادية لعرض ونقل الواقع المختلفة، إلى مرآة مشوشة غير مستقلة تتلاعب بالأخبار وتثير التصادمات وتزيد التوتر وقد تكون سببا في مضاعفة بؤر التوتر على المستوى المحلي والعالمي، وهذا لا يليق بمهنة المتاعب والمخاطر.

لماذا سعت بعض المؤسسات إلى طرح (الصحافة الفكرية)، ومن بين هذه المؤسسات (مؤسسة النبأ للثقافة والإعلام) التي تأسست قبل ثلاثة عقود، وبقيت أمينة على هدفها الأسمى وهو تطوير الصحافة الفكرية بما يتناسب والعجز الفكري في واقعنا العربي والإسلامي؟، إن هذا السعي لم يأتِ من فراغ، فهذه المؤسسات الصحفية الإعلامية التي زاوجت أهدافها بين (الفكرية والخبرية)، وجدت من الظلم أن تُحشَر الصحافة في حيّز واحد سريع وقد يكون سطحيا في بعض الأحيان.

إن من مهمات الصحافة الكبيرة هو تطوير الوعي الجمعي، والارتفاع بالعقول إلى مستوى معرفة أسرار ما يحدث وما يستجد من أفكار على المستوى العالمي، كيف يفكر الآخرون، وما هي ثقافاتهم، كيف نستطيع الإطلاع عليها دونما خوف، ومن ثم كيف نستفيد منها ونوظفها لصالح تطوير عقولنا ووعينا ومجتمعاتنا، ويكون من السهل للصحافة أن تخوض في هذا الغمار طالما أنها في تماس متواصل مع القراء والمهتمين والمتابعين.

الخلاصة ليس هنالك أي تضارب بين الصحافة الخبرية والفكرية، ولا ضير في أن تتصدى الصحافة لقضية إخبار وإعلام الناس بما يجري حولهم في العالم من أحداث بشكل يومي مباشر، وبين أن تُسهم الصحافة في تطوير أفكار الناس وتطلعهم على ما يستجد من طروحات وأفكار، تسعى لجعل الإنسان أكثر وعيا على المستويين المحلي والعالمي.

مسلم عباس
كعادتك الروائي المبدع علي حسين عبيد، مقال عميق ويناقش القضايا الاجتماعية المحورية.
لكن الا تعتقد ان العمل الفكري (انت تسميه الصحافة الفكرية) هو من اختصاص المفكرين، وبالتالي يمكن ان نسميه تتبع الصحافة لاعمال المقكرين، فالصحافة عليها نقل الخبر، والمفكرين عليهم التعليق عليه، الصحافة مهنة جمع وتحرير الاخبار، والعمل الفكري يختص بتحليل الاخبار، فالمفكر لا يكون صحافيا والصحافي لا يكون مفكرا وكل له مجال عمله، الا انهما قد يشتركان في وسيلة النشر.
هما يركبان نفس المركب (الوعاء الصحفي) ، ويعملان بشكل مستقل عن بعضهما.2020-06-16
انقر لاضافة تعليق