الفكر هو التاريخ الذي سجله الإنسان في أخاديد الأرض وحفره على صفحات الحياة حتى أصبح هو الأداة التي تؤشر على مجريات الحياة ومسيرة البشر، لان الانطباعات الإنسانية وتفاعلها مع العالم الخارجي تصنع أحداثا كبيرة وتجر معها تطورات متسلسلة تقود إلى تحولات إيجابية في حياة الناس أو إلى مفاجآت سلبية تفجر مآسي عندما ينحرف الفكر عن قراءته السليمة والموضوعية للعالم الخارجي.

وأكثر الأحداث الدرامية التي عاشتها الإنسانية هي نتيجة فعلية للتصورات الفكرية التي خامرها البشر في تعاملهم مع تطورات التاريخ.

فالإنسان كائن مفكر يعتمد على حركته من خلال فهمه لما يجري في الخارج وهو بتفاعله الحسي والحدسي يبني انطباعات مختلفة في داخله تؤثر بشكل مباشر على سلوكه وردود أفعاله مع الآخرين، فالفكر يمكن تشبيهه بالمرايا التي تعكس صورا إلى الذهن حيث تؤثر نوعية المرآة في انطباع صورة معينة في الذهن، حيث يتشبع الذهن بالصور الخارجية من خلال مرآة الفكر، فقد تكون المرآة مستوية فتعطي انطباعا سليما وقد تكون محدبة أو مقعرة أو مرايا منحرفة تعطي اشكالا عجيبة لتفرز واقعا وهميا ينطبع في داخله ليتصرف بصورة غير سليمة مع العالم الخارجي.

وأكثر اخطاء الفكر تنبع من تلك الادران والاهواء والمصالح الانانية التي تغلف الفكر وتشوش رؤيته الحقيقية، وهذا يعني ان حركة الحياة عند الإنسان تجري وكأنه محاط بمرايا تعكس لكل واحد حسب نظرته وتعكس للبعض حقائق مشوهة لأنها تتلون بالمصالح الخاصة فينظر من خلالها عبر زاويته الحادة ليعكس عالما ترتئيه اهواؤه ورغباته. فالقدرة على رؤية الخارج تتحقق من خلال مستوى نقاء المرآة، يقول الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): فكر المرء مرآة تريه حسن عمله من قبحه.

ومن هنا فان اغلب الأزمات التي يمر بها المجتمع أو الفرد هي ازمات في ذاتها فكرية لعدم وجود القدرة على إدراك الواقع الخارجي ادراكا سليما؛ مما يؤدي إلى الوقوع في أخطاء كبيرة ومهلكة في بعض الأحيان، يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): من ضعفت فكرته قويت غرته.

لذلك فان عملية تجديد الذات واصلاح الأمة لايمكن ان يتم إلا من خلال عملية الاصلاح الفكري وتنقية الفكر من الشوائب التي تعيق وجود النظرة السليمة للحياة. فلا يمكن تأسيس حركة انسانية واجتماعية متطورة ومتقدمة ما لم توجد بنية فكرية سليمة في أساس بناء الأمة وهيكليتها.

ذلك ان مشكلة الأمة الاساسية هو انفصالها عن حركة التاريخ وتخلفها عن تطور الحياة وتقدم الزمن اذ ان قراءتها الفكرية المشوشة اضعفت استجاباتها للتحديات والمتغيرات الخارجية، مما اوجد اختلالا واضحا في بنائها وازمات كبيرة على مستوى معقد يصعب التوصل لفهم جوهره دون وجود تحليل معمق لأسبابه.

إن هذا الاختلال الكبير قد يرجع في اساسه إلى عدم وجود التوازن بين الداخل والخارج، فالداخل عندما تتشوه رؤيته يعجز عن رؤية الحقيقة الخارجية ويضعف عن فهم حركة الاحداث وتطورات الزمان. وهذا يعني ضرورة ايجاد جهد فعال وكبير لإعادة التوازن بين الداخل الفكري والعالم الخارجي حتى نوجد الترابط المنطقي في حركتنا ونستطيع قراءة تسلسل الحياة ومعاصرته بحيث لانتخلف عنه وحتى يمكن ان نسبقه عندما يتطور فكرنا بشكل ناضج لقراءة المستقبل والتنبوء بمجرياته والاستعداد لمجيئه دون حصول مفاجئات مفجعة.

وبتتبع متسلسل للحركة الفكرية الحديثة في امتنا يمكن ان نرى ذلك الانفصال المتزايد بين الداخل والخارج بتعقد الأزمات التي تزيد وقعها وضرباتها على كيان الأمة. فالحركة الفكرية الحديثة هي بشكل أكبر نتاج فورة عاطفية خلقت استجابات حماسية مفرطة ادت إلى ردود أفعال سريعة وعنيفة خلقت واقعا تصادميا ومنهجا فكريا لم يستطع ان يرى حركة الواقع الخارجي بصورته الحقيقية.

ان العاطفة هي شعور ايجابي لازم لتحقيق الحماس في ذات الانسان من اجل تحريكه لتحقيق طموحاته والاستجابة لتحدياته ولكن ان يطغى هذا الشعور على الفكر فيحجبه بانفعالاته عن الرؤية السليمة للواقع الخارجي فان هذا الأمر يخل بالتوازن ويؤدي إلى وجود رؤية انفعالية غير موضوعية وايجاد صور متوهمة لخارج لم يكن موجودا اصلا. واحد أسباب انتشار العنف والتطرف ومن ثم تحقق الاحباط واليأس هي هذه الرؤية العاطفية المحضة. وهذا يفسر كيف ان البعض يتمسك تارة بشكل مغال به ببعض التجارب الحديثة واخرى يتخلى عنها بصورة مطلقة وبسهولة. وعلى سبيل المثال فان أحد أسباب فشل الأمة في إدارة الصراع الصهيوني – العربي هو التعامل العاطفي الحماسي مع هذه الازمة وعدم رؤية التطورات بشكل واضح فأما حرب مطلقة أو سلام مطلق.

* مقتطف من مقال نشر في مجلة النبأ-العدد 54-ذو القعدة 1421/شباط 2001-الذي نشر تحت عنوان: انطباعات الإصلاح والتجديد الفكر اساسا

انقر لاضافة تعليق