يكفي رسول الله (ص) فخراً انّه أسّس لحرية الفكر والدين والعقيدة، في بيئة بدوية تتاجر بالدين الذي كان وقتها عبارة عن عبادة الأصنام وتعدد الآلهة، فهو لم يقتل او يسجن او يطارد أحداً بسبب دينه او عقيدته او فكره أبداً، أقروا التاريخ جيداً فستكتشفون هذه الحقيقة الجلّية والناصعة، على حد قول المرجع الديني السيد صادق الشيرازي، المعروف بالمحقّق، والذي يوصي بهذا الصدد قائلاً؛

 لم يقتل النبيّ (ص) أحداً من المشركين بسبب عدم إسلامه، ولا أجبرَ أحداً على الاسلام، بل تركهم على دينهم، مع ان دينهم باطل وخرافي، لكي لا يسلبهم حرية الفكر والدين.

 ويضيف سماحته؛

 لنعرض تاريخ النبي (ص) وأمير المؤمنين (ع) للعالم حتى يعرفون بانه لا يوجد سجين سياسي واحد في حكومة العدل الإلهي.

 فعلى الرغم من ان رسول الله (ص) كان على يقين من ان دين المشركين كان خرافة، ومعتقداتهم كانت باطلة، ومع ذلك فهو لم يجبر أحداً على ترك دينه وتغيير معتقده أبداً، لا من المشركين ولا من غير المشركين، لماذا؟ لان الحرية أصل، لا يجوز إلغاءها وإسقاطها أبداً، فاذا تعارضت مع ايّ شيء آخر يجب اسقاطه وإزاحته لحساب الحرية لنحافظ عليها وليس العكس.

 وفي ذكرى وفاته (ص) اليوم، ما احوجنا الى ان نبعث الروح في هذا المفهوم وفي هذه الحقيقة من جديد، فاذا كان العالم الحر اليوم يفخر بالحريات وعلى رأسها حرية الدين والعقيدة والتعبير، بعد رحلة طويلة وقاسية مع العبودية الفكرية والقمع الديني والارهاب العقدي ومحاكم التفتيش والتي مرت به أوروبا على وجه الخصوص، لتُنتج الولايات المتحدة الأميركية التي هاجر لها المضطهدون دينياً من أوربا قبل اكثر من أربعة قرون، فان من حقنا ان نفخر برسولنا الكريم (ص) الذي أسس وشرعن بل وجاهد من اجل ارساء دعائم حرية الدين والفكر والعقيدة، في تلك البيئة الاجتماعية المتخلّفة قبل اكثر من (١٤) قرناً.

 الامر الذي يحتاج الى؛

 أولاً: تبنّي حرية الدين والفكر والعقيدة كأصل في المجتمع، نقاتل من اجله ولا نسمح لأحد بان يتجاوز عليه او يسحقه او يحوّله الى قيمة آنية او موضوع وقتي أبداً.

 ثانيا: فضح كل من يسعى لغير ذلك، خاصة جماعات العنف والارهاب والجماعات الظُّلامية المتخلّفة التي تفتش في دين الناس وعقائدهم وافكارهم باسم الدين والدين منهم برآء.

 ان كل من يفرض دينه او معتقده او فكره او رأيه على الآخرين باسم الدين يجب ان نفضحه، فالدين بالضد من مثل هذه السياسات الاكراهية والإقصائية، انه بالعكس يدعو الى التسامح والى حرية الدين والمعتقد والفكر، ويحترم الخصوصية والتنوع، ليرسي قاعدة التعايش والتسالم، والتي تنتج كلها الأمن الأهلي والاستقرار المجتمعي.

 ان واحدةً من أعظم مصائبنا اليوم هو التعصب الأعمى واحتكار الحقيقة والتزمت الديني والغاء الاخر، والذي أنتج كل هذا الفكر التكفيري عند الجميع وان كان بنِسَب متفاوتة، الا ان نتيجته إشاعة ثقافة القتل والتدمير.

 ولنتفق على قاعدة في غاية الأهمية، وهي؛

 ليس في الاسلام محاكم تفتيش أبداً، ولذلك لا يجوز ولا يحقُّ لاحد ان يتهم الآخرين في دينهم ومعتقدهم وفكرهم اذا ما اختلفوا معه أبداً.

 كما لا يحقُّ لاحد، كائناً من كان، ان يعيّن نفسه قاضياً يحكم في دين الناس، فيكفّر هذا ويطرد ذاك من ملة الاسلام ويتهم ثالثاً بالإلحاد ويفسّق رابعاً، ثم يقيم حد القتل والذبح والتدمير والتفجير وحز الرقاب بهم.

 فاذا كان رسول الله (ص) لم يجبر أحداً على الاسلام ولم يفتّش في عقائد الناس، فهل يحق لغيره ذلك؟ خاصة من الجهلة والأميين والمتخلفين والرجعيين من الذين يتصورون ان قراءة كتاب او حضور درس يكفي ليرتفع به الى مقام ما هو فوق النبوة حتى!.

 أولم يقل ربنا عز وجل {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}؟ فلماذا اذن لا نتخلق بأخلاقه ولا نلتزم بسيرته ونهجه؟.

..........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق