تقديم وتفهيم

المنطق الاجتماعي، والحقائق التاريخية، وحتى سلسلة وشجرة الأنساب تؤكد أن ذرية رسول الله (ص) ونسله الذي حصره الباري تعالى بسيدة النساء فاطمة الزهراء (ع) من أمير المؤمنين وسيد الأوصياء أجمعين الإمام علي بن أبي طالب (ع)، وهذا ما ذكرته الآيات الكريمة كقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (آل عمران: 34)

ولكن هذه الأمة المرحومة بمحمد وأهل بيته (ع)، قد أنكرت كل ما جاء عن رسول الله فيهم، وحتى أنكرت أبسط الحقوق الشرعية التي أكدها القرآن الحكيم وكل القوانين الوضعية، كالإرث المادي والمعنوي، فقانون التوارث ساري حتى في الجينات، إلا في هذه الأمة التي نُكبت برجال قريش منذ البداية الذين انقلبوا على كل القيم، والفضائل، والأعراف، وحتى التشريعات التي طبقوها على جميع الأمة إلا على فاطمة الزهراء (ع) وزوجها وبنيها وكأنهم من أقاصي الأمم.

فالذرية الطاهرة لرسول الله (ص) هي الشَّرف، والفخر، والعزَّة، والكرامة، لكل مَنْ يطمح لذلك كله في هذه الأمة، وأما أولئك الذي يفخرون بأولئك الذين ليس لهم فخر، ولا ذخر لا في الجاهلية ولا في الإسلام، فهذا شأنهم وسيرون نتيجة أعمالهم ويندمون حيث لا يجدي الندم.

ومن هذه الذرية المباركة الطاهرة علم الأعلام وسيِّد الأنام وحُجة الملك العلَّام، خامس أئمة المسلمين، الإمام الهمام محمد بن علي الباقر (ع) الذي اجتمعت فيه القيم والفضائل المادية والمعنوية بما لم يجتمع في غيره إلا من بعده، لأنه كان مجمع الحسنان، سيدا شباب أهل الجنة، يقول الإمام الشيرازي الراحل فيه: "كان الإمام الباقر (عليه السلام) هاشمياً بين هاشميين، وعلوياً بين علويين، وفاطمياً بين فاطميين، وكان ابناً للحسنين (عليهما السلام)، فهو أول مَنْ اجتمعت له ولادة الحسن والحسين (صلوات الله عليهما). (من حياة الإمام محمد الباقر(ع): ص9)

فوالده الإمام علي بن الحسين(ع)، ووالدته السيدة فاطمة بنت الإمام الحسن (ع)، وكانت أشبه الخلق بأمها فاطمة الزهراء (ع)، جمالاً وكمالاً ودلالاً، وصفها حفيده الإمام الصادق (ع) بقوله: (كانت صدِّيقة لم تدرك في آل الحسن امرأة مثلها).

ولذا كان الإمام محمد الباقر (ع) من أجمل الأئمة (ع) كما يذكر العلماء في كتبهم ومصنفاتهم.

بشارة نبوية عظيمة

لو قدَّرت هذه الأمة بعض ما جاء عن رسول الله (ص) في ذريته وأبنائه الأطهار (ع)، لكفاها ذلك من الخوض في لُجج الباطل منذ أن أقصتهم عن مكانتهم التي وضعهم الله تعالى فيها، ولكن قاتل الله السياسة التي جعلت من بني أمية أبغض الخلق وأحياء العرب لرسول الله (ص) ليكونوا حكاماً، وسلاطين على المسلمين باسم رسول الله (ص).

ومما جاء عن بشارة رسول الله (ص) بحفيده العظيم الذي يبقر العِلم بقراً، ويرسل إليه سلاماً وبشارة مع أقرب أصحابه، فعن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (يوشك أن تبقى حتى تلقى ولداً لي من الحسين (عليه السلام) يُقال له: محمد، يبقر علم الدِّين بقراً، فإذا لقيته فأقرئه مني السلام) (الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد: ج2 ص137)

وقال جابر بن عبد الله الأنصاري: إنه سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: (يا جابر، إنك ستبقى حتى تلقى ولدي محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، المعروف في التوراة بباقر، فإذا لقيته فأقرئه مني السلام). فلقيه جابر بن عبد الله الأنصاري في بعض سكك المدينة، فقال له: يا غلام، مَنْ أنت؟

قال: (أنا محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب)، قال له جابر: يا بني، أقبِل. فأقبَل، ثم قال له: أدبر؛ فأدبر، فقال: شمائل رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورب الكعبةـ

ثم قال: يا بني، رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقرئك السلام.

فقال (عليه السلام): (على رسول الله السلام ما دامت السماوات والأرض، وعليك يا جابر بما بلغت السلام).

فقال له جابر: "يا باقر، يا باقر، يا باقر، أنت الباقر حقاً، أنت الذي تبقر العلم بقراً"، ثم كان جابر يأتيه فيجلس بين يديه فيُعلّمه، فربما غلط جابر فيما يُحدِّث به عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فيرد عليه ويذكِّره، فيقبل ذلك منه، ويرجع إلى قوله. وكان يقول: "يا باقر، يا باقر، يا باقر، أشهد بالله أنك قد أوتيت الحكم صبياً" (الأمالي للصدوق: ص353)

وفي رواية عن الصادق الإمام جعفر بن محمد (عليه السلام)، قال: (إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال ذات يوم لجابر بن عبد الله الأنصاري: يا جابر، إنك ستبقى حتى تلقى ولدي محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، المعروف في التوراة بالباقر، فإذا لقيته فأقرئه مني السلام)، فدخل جابر إلى علي بن الحسين (عليه السلام)، فوجد محمد بن علي (عليه السلام) عنده غلاماً، فقال له: يا غلام، أقبل، فأقبل؛ ثم قال له: أدبر، فأدبر؛ فقال جابر: شمائل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وربِّ الكعبة، ثم أقبَلَ على علي بن الحسين فقال له: مَنْ هذا؟ قال: (هذا ابني وصاحب الأمر بعدي محمد الباقر).

فقام جابر فوقع على قدميه يقبِّلهما، ويقول: "نفسي لنفسك الفداء يا ابن رسول الله، أقبل سلام‏ أبيك، إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقرأ عليك السلام، قال: فدمعت عينا أبي جعفر (عليه السلام)، ثم قال: (يا جابر، على أبي رسول الله السلام ما دامت السماوات والأرض، وعليك يا جابر بما بلَّغت السلام) (بحار الأنوار: ج46 ص223 ـ 224)

ونقل عن ابن الزبير محمد بن مسلم المكي، أنه قال: كنا عند جابر بن عبد الله، فأتاه علي بن الحسين (عليه السلام)، ومعه ابنه محمد وهو صبي، فقال علي لابنه: (قبِّل رأس عمك).

فدنا محمد بن علي من جابر فقبَّل رأسه، فقال جابر: مَنْ هذا؟! وكان قد كُفَّ بصره، فقال له علي (عليه السلام): (هذا ابني محمد)، فضمَّه جابر إليه وقال: "يا محمد، محمد رسول الله يقرأ عليك السلام".

فقالوا لجابر: كيف ذلك يا أبا عبد الله! فقال: كنتُ مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)، والحسين في حجره وهو يلاعبه، فقال: (يا جابر، يولد لابني الحسين ابن يقال له: علي، إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: ليقم سيد العابدين، فيقوم علي بن الحسين، ويولد لعلي ابن يقال له: محمد، يا جابر، إن رأيته فاقرأه مني السلام، واعلم أن بقاءك بعد رؤيته يسير)، فلم يعش جابر بعد ذلك إلا قليلاً ومات. (كشف الغمة في معرفة الأئمة: ج2 ص136 ـ 137)

وعن جعفر بن محمد، عن أبيه (عليهما السلام)، قال: (دخلت على جابر بن عبد الله فسلمت عليه، فرد عليَّ السلام، قال لي: مَنْ أنتَ؟ وذلك بعد ما كف بصره، فقلتُ: محمد بن علي بن الحسين.

قال: يا بني، ادنُ مني، فدنوتُ منه، فقبَّل يدي ثم أهوى إلى رجلي يقبِّلها، فتنحيتُ عنه، ثم قال لي: رسول الله يقرئك السلام.

فقلتُ: وعلى رسول الله السلام ورحمة الله وبركاته، فكيف ذاك يا جابر؟

فقال: كنتُ معه ذات يوم، فقال لي: يا جابر، لعلك تبقى حتى تلقى رجلاً من ولدي يُقال له: محمد بن علي بن الحسين، يهب الله له النور والحكمة، فأقرأه منِّي السلام) (إعلام الورى بأعلام الهدى: ج1 ص506)

هذه بعض الروايات التي جاءت بهذه البُشرى من رسول الله (ص) لحفيده محيي سنَّته، ودينه بعد أن حاول إطفاء نوره، ودفنه رجال السلطة القرشية، لا سيما حكام بني أمية الطلقاء، اللعناء، بل هم الشجرة الملعونة في القرآن الحكيم.

باقر علم الدِّين

نعم، بعد نصف قرن تقريباً سيولد لسبط رسول الله (ص) الأصغر الإمام الحسين (ع) سيد شباب أهل الجنة حفيد من ولده علي الذي يُنادى به في المحشر بزين العابدين، اسمه محمد يبقر علم الدِّين، وصفته في التوراة كذلك (الباقر)، ولكن هذه الأمة قتلت جدَّه السبط سيد شباب أهل الجنة وكل أهل بيته وأصحابه بمرأى هذا الفتى ولمَّا يبلغ الرابعة من العمر، ولم تكتفِ بذلك بل أسرت والده المعروف في المحشر بزين العابدين، وسبت عمَّاته وأخواته وأخذتهن إلى مجالس الكفر الأموي لابن سمية في الكوفة، ثم لابن ميسون في الشام، ورأى كل ما جرى عليهم ولذا ترى أن أعظم روايات المأساة جاءت عنه (عليه السلام)، ولا يستطيع أحد أن يُنكرها.

وليس يبقر العلم الدِّيني، بل (يهب الله له النور والحكمة)، كما يشهد له جده رسول الله (ص)، ولذا كان جابر يُكرر أيضاً ذلك فيقول: "يا باقر، أنت الباقر حقاً، أنت الذي تبقر العلم بقراً"، أو يقول له: "يا باقر، أشهد بالله أنك قد أوتيت الحكم صبياً"، وجابر لا يشهد بالباطل بل بمرِّ الحق، والصدق، لأنها مبنية على شهادة وبشارة رسول الله (ص).

فالإمام محمد بن علي (ع) الذي يبقر العلم ويشقه، ويبسطه، ويفرِّعه، وينشره في الأمة الإسلامية ومَنْ عسى أن يفعل ذلك إلا أهل البيت الأطهار (ع)؟

كيف يَبقر العلم؟

البحث عن الكلمة في كتب اللغة نجد أن: البَقْرُ؛ هو الشَّقُّ، فقد جاء في لسان العرب: "لأَنَّهُ بَقَرَ العِلمَ وَعَرفَ أَصله واستنبط فرعه؛ وتَبقَّر في العلم، وأَصل البَقْر؛ الشَّق، والفَتح، والتَّوسعة؛ بَقَرْتُ الشيءَ بَقْراً؛ فتَحتُه ووسَّعتُهُ" (لسان العرب: بَقَرَ)

وهذا ما جاء في رواية: سألتُ جابر الجعفي فقلتُ له: ولِمَ سُمِّي الباقر باقراً؟

قال: لأنه بَقَرَ العِلم بقراً؛ أي شقَّه شقاً وأظهره إظهاراً" (علل الشرائع: ج 1 ص 233)

وقال ابن حجر في "الصواعق المحرقة": "سُمي بذلك من بقر الأرض أي شقها وأثار مخبآتها ومكامنها، فكذلك هو أظهرَ من مخبأة الكنوز والمعارف، وحقائق الأحكام والحِكم، ولطائف ما لا يخفى إلاّ على منطمس البصيرة، أو فاسد الطويَّة والسَّريرة، ومن ثم قيل فيه: هو باقر العلم وجامعه وشاهر عَلَمَهُ ورافعه". (الصواعق المحرقة لابن حجر: ص201)

وجاء في تذكرة الخواص لسبط بن الجوزي: "إنما سمي الباقر من كثرة سجوده بقر السجود جبهته أي فتحها ووسعها، وقيل: لغزارة علمه" (تذكرة الخواص: 302)

وقال أبو نعيم في "حلية الأولياء": "ومنهم الحاضر الذاكر، الخاشع الصابر، أبو جعفر محمد بن علي الباقر، كان من سلالة النبوّة وممن جمع حسب الدين والأبوّة، تكلّم في العوارض والخطرات، وسفح الدموع والعبرات، ونهى عن المراء والخصومات" (حلية الأولياء: 3 / 166)

ويصفه محمد بن طلحة الشافعي في "مطالب السؤول" فيقول: "هو باقر العلم وجامعه، وشاهر علمه ورافعه، ومتفوق درّه وراضعه، ومنمّق درّه وواضعه، صفا قلبه، وزكا عمله، وطهرت نفسه، وشرفت أخلاقه، وعمرت بطاعة الله أوقاته، ورسخت في مقام التقوى قدمه، وظهرت عليه سمات الإزدلاف، وطهارة الاجتباء، فالمناقب تسبق إليه، والصفات تشرف به" (مطالب السؤول: 2 / 100).

فكل هذه الكلمات تؤكد لنا أن الإمام محمد الباقر خامس أئمة المسلمين (ع) كان وريث العلم الرَّباني القرآني، والعلم النبوي وسُنته، فمَنْ أولى به من ذلك وهو الذي خُلق من ذاك النور الباهر والأصل الطاهر الذي كان أوله رسول الله (ص) ثم آباءه طاهراً بعد طاهر، فكان منبع العلم لديه وشقَّه وتفريعه من عنده على طلابه الذين اجتمعوا حوله لينالوا شرف الصُّحبة، وشرف العلم.

فالتاريخ الإسلامي يُحدِّثنا: أن الإمام محمد الباقر هو أول مَنْ شكَّل مدرسة علمية كبيرة، بل جامعة عملاقة تضمُّ أكثر من أربعة آلاف تلميذاً، وطالباً ثم زادها ونمَّاها ولده العظيم الإمام الصادق (ع) حتى اكتنفت اثني عشر ألف طالباً كما في بعض الكتب العلمية.

فمَنْ من التابعين وأبناء الصحابة كان له مثل هذا العمل العلمي العملاق، ولذا قالوا: "بذر الإمام الباقر (عليه السلام) النواة الأولى لبلورة ونشر الرِّسالة الإسلامية الحقّة المتمثلة في مذهب أهل البيت (عليهم السلام)؛ فعقد في مسجد المدينة المنوّرة حلقات الدروس المختلفة في الفقه، والتفسير، والحديث، وغيرها، وروى عنه معالم الدِّين بقايا الصَّحابة ووجوه التابعين ورؤساء فقهاء المسلمين".

فالسلطات القرشية المتعاقبة التي أوصلت السلطة والحكم لصبيان النار الأموية، وأبناء الشجرة الملعونة في القرآن، الذين حاولوا جُهدهم وجهادهم في دفن الإسلام كما قال كبيرهم الذي علمهم الكفر الخبيث معاوية بن هند الهنود للمغيرة بن شعبة: "لا والله إلا دفناً دفناً"، أي أنه لن يقرَّ له قراراً حتى يدفن الإسلام، وذكر رسول الله (ص) الذي كان يغيظه أن يسمع في الأذان الشهادة له بالرسالة فكان يقول: "لله درك يا ابن أبي كبشة لقد كنتَ عالي الهمَّة لم ترضَ إلا أن تقرن اسمك باسم رب العالمين"، هكذا كانت تُخطط سلطات بني أمية، وتبلور ذلك في مأساة كربلاء الخالدة حيث أبادوا أهل البيت (ع) في يوم عاشوراء، إلا أن الله تعالى يأبى إلا أن يُتمَّ نوره ويعلو ذكره.

فكان بعث الإسلام من جديد، وإحياءه فقهاً، وكلاماً، وعقائداً، وتفسيراً، وكل ما يلزم على يدي حفد رسول الله (ص) الذي شهد كربلاء ورأى عاشوراء بأم عينيه، ليقول لهم: (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (يوسف: 21).

فالإمام محمد الباقر أعاد الإسلام إلى الحياة بقوة وعلم وجدارة، وأعاد الأمة على الإسلام بعد أن كادت أن تبتعد عنه بسبب السياسات الأموية الظالمة، وفسادها وإخراجهم الأمة من دين الله أفواجاً كما قالوا لمعاوية والحجاج بن يوسف وأمثالهم من أئمة الجور وساسة الضلال.

فرسالة الإمام الباقر (ع) كانت إعادة الرسالة الإسلامية إلى الحياة، وإعادة الأمة الإسلامية إلى القرآن الحكيم في كل شيء، والسُّنة النبوية في كل حكم، وأراهم أصول العلم النبوي مجسَّداً بشخصه الكريم وعمله الحكيم، فأعطى المثال الذي يجب أن يكون عليه رجال الأمة وعلماءها في هذه الدنيا.

فالسلام على سيدنا ومولانا الإمام محمد الباقر أبد الدهر ومدار العصر.

انقر لاضافة تعليق