كريس باتن

 

لندن ــ أمضيت حياتي السياسية كلها في مكان ما يسمى "الغرب". ولكنه لم يكن "الغرب" حرفيا: فبرغم أن قلبه يتألف من أوروبا الغربية والولايات المتحدة، فإنه يضم أيضا دولا نائية مثل أستراليا واليابان. بل كان بدلا من ذلك مجتمعا آماله وقيمه مشتركة. وبما يعكس قيادة أميركا العالمية بعد الحرب العالمية الثانية، كان الغرب يحظى بحماية القوة الصارمة التي تتمتع بها الولايات المتحدة في حين يتشكل بفِعل قوتها الناعمة. وكان الغرب المكان الأكثر سلاما وازدهارا في العالم.

كان الغرب يعمل لفترة طويلة على توفير الأساس للنظام العالمي ــ والذي ربما كان الأساس الأكثر نجاحا على الإطلاق. فبقيادة الولايات المتحدة، كان الغرب يبني ويشكل ويدعم المؤسسات الدولية والترتيبات التعاونية والسبل المشتركة في التعامل مع المشاكل المشتركة. وفيما كان يساعد في الحفاظ على السلام وتعزيز الرخاء والازدهار في قسم كبير من العالم، اجتذبت طرائقه ومبادئه الملايين من الأتباع.

بيد أن انتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة يهدد هذا النظام بالكامل. فإذا نَفَّذ ترامب عندما يشغل منصبه ما وعد بالقيام به خلال حملته الانتخابية الفظة والكاذبة، فقد يعيث فسادا في هذا الكيان المتطور الذي استغرق تطوره عقودا عديدة واستفاد منه المليارات من البشر. ويتعين على أولئك من أمثالنا الذين استفادوا من هذا الكيان، شأنهم في ذلك كشأن الأميركيين، أن يكافحوا من أجله في حين لا تزال الحياة تدب في جسده.

يدور أحد الوعود التي لا ينبغي لترامب أن ينفذها أبدا حول تعزيز تدابير الحماية التجارية. كانت الحجة لصالح تمزيق اتفاقيات التجارة الحرة، وإجهاض أي مفاوضات بشأن اتفاقيات جديدة، قائمة على اعتقاد مفاده أن العولمة هي السبب وراء اتساع فجوة التفاوت في الدخول، والتي أدت إلى تقطع السبل بالطبقة العاملة الأميركية التي باتت كالمهجورة. ولكن المصادر الحقيقية للآلام الاقتصادية التي يعاني منها العمال الأميركيون هي الإبداع التكنولوجي وسياسات الضرائب والإنفاق التي تحابي الأغنياء.

إذا تخلى ترامب عن اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية مع المكسيك وكندا، على سبيل المثال، وأدار ظهره للتصديق على اتفاق الشراكة عبر المحيط الهادئ، وتحدى منظمة التجارة العالمية، فسوف يُلحِق الضرر بنفس الأشخاص الذين صوتوا لصالحه. وسوف يخسر أصدقاءه ونفوذه في الخارج.

وفي سياسة أخرى قد يلاحقها ترامب تتراجع الولايات المتحدة عن الترتيبات الأمنية مع دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية، وكذا مع منظمة حلف شمال الأطلسي. فمن منظور ترامب المشوه، لا ينبغي للولايات المتحدة أن تقدم الأمن "مجانا" لحلفائها، وينبغي لها بدلا من ذلك أن تتركهم يدافعون عن أنفسهم.

في الممارسة العملية، قد يُفضي هذا الموقف إلى زعزعة الاستقرار إلى حد كبير. فهو يعني وقوع أوروبا الشرقية ودول البلطيق تحت رحمة روسيا. وسوف تصبح آسيا والشرق الأوسط عًرضة لخطر الانتشار النووي، لأن الدول التي تفتقر إلى الحماية الأمنية التي كانت الولايات المتحدة توفرها لها قد تسعى إلى امتلاك ترسانات نووية ــ وهو النهج الذي قال ترامب إنه قد يكون مقبولا.

ويُعَد تعهد ترامب بإلغاء الاتفاق النووي مع إيران مثالا واضحا على ذلك. فهل يتصور أي شخص أن المملكة العربية السعودية قد تقف ساكنه إذا استأنفت إيران برنامج الأسلحة النووية؟ الواقع أن انتقاد الاتفاق ــ وهو إنجاز كبير لرئيس الولايات المتحدة باراك أوباما ــ ربما خدم ترامب خلال حملته الانتخابية، ولكن إلغاءه فعليا من شأنه أن يجعل العالم مكانا أشد خطورة.

ولا يقل عن هذا تعقيدا وإثارة للمشاكل نهج ترامب المعلن في التعامل مع قضية تغير المناخ. فقد أعلن أنه يعتزم الانسحاب من اتفاق باريس للمناخ، والذي يهدف إلى الحد من انبعاث الغازات المسببة للانحباس الحراري الكوكبي. وقد عين بالفعل مايرون إبيل، وهو أحد المنكرين الصريحين لتغير المناخ، للإشراف على المرحلة الانتقالية في هيئة الحماية البيئية في الولايات المتحدة.

يؤسس ترامب لنهجه على اعتقاد تافه مفاده أن تغير المناخ الناجم عن أنشطة بشرية ليس أكثر من خدعة اخترعها الصينيون لتقليص قدرة الصناعة الأميركية على المنافسة. وهذا ليس الاتهام الوحيد الذي كاله ترامب للصين. والواقع أن موقفه العدائي في عموم الأمر في التعامل مع الصين، وخاصة عندما يتعلق الأمر بالتجارة، يهدد بإلحاق المزيد من الضرر بالعلاقات الثنائية المتوترة بالفعل ــ وبالتالي يشكل خطرا يهدد الشركات الأميركية المتعددة الجنسيات وحلفاء الولايات المتحدة على حد سواء.

كما تشكل رئاسة ترامب شيئا من التهديد الوجودي. ذلك أن تعليقاته المهينة عن فئات مهمشة ــ بما في ذلك المسلمين والمكسيكيين والنساء والأشخاص من ذوي الإعاقات ــ يهدد القيم الجوهرية لهوية أميركا ومكانتها في العالم، والتي تربط دول الغرب معا برباط واحد.

يبدو أن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل واحدة من زعماء العالم الذين يدركون بأي سرعة قد يتسبب انهيار زعامة الولايات المتحدة في جلب نهاية النظام العالمي ما بعد عام 1945. فكانت استجابتها لفوز ترامب بليغة وقوية: "إن ما يربط بين ألمانيا وأميركا هو قيم الديمقراطية، والحرية، واحترام القانون وكرامة الإنسان، بصرف النظر عن الأصل، أو لون البشرة، أو الدين، أو الجنس أو التوجه الجنسي، أو الآراء السياسية". وعلى أساس هذه القيم أعلنت أنها ستعمل مع ترامب.

وهكذا على وجه التحديد لابد أن تكون استجابة كل حلفاء وأصدقاء أميركا. ومثل ميركل، ينبغي لنا جميعا أن نؤكد صراحة على دعمنا لكل ما يرمز له الغرب، وكل ما حققه من إنجازات. ويتعين علينا أن ندين أي تحرك من قِبَل ترامب لتقليص حكم القانون وقواعد المجتمع الحر. كما يتعين علينا أن نسوق الحجج لصالح التجارة الحرة، التي جلبت فوائد بعيدة المدى على الإنسانية. ويجب أن نناضل للحفاظ على الاتفاق النووي مع إيران ومنع الانتشار النووي في مختلف أنحاء العالم.

هناك أيضا ضرورة التأكيد مجددا على التزامنا بالوقوف بحزم ضد نزعة المغامرة الروسية في أوروبا الشرقية والوسطى. وعلى وجه الخصوص، يتعين علينا أن نوضح أن المادة الخامسة من معاهدة شمال الأطلسي تنطبق على ليتوانيا، ولاتفيا، وإستونيا، وبولندا ــ وجميعها دول أعضاء في التحالف العسكري الذي لا يزال تحت قيادة الولايات المتحدة. (ومن المفيد أيضا، بعد سنوات من التراجع، أن ترفع دول أوروبا الأعضاء في منظمة حلف شمال الأطلسي مساهماتها لصالح دفاعنا الجماعي).

أخيرا، ينبغي لنا أن نؤكد أنه على الرغم من عدم اتفاقنا في الغرب مع سياسات الصين التجارية والتدابير القمعية التي تتخذها في الداخل، فنحن نريد أن نعمل معها، ولا نسعى إلى تهميشها أو إذلالها.

كانت فكرة "الغرب" من أروع إنجازات أميركا (وإن كانت دول أخرى عديدة ساهمت أيضا). وإنها لكارثة حقيقية تحل على العالم إذا أقدمت أميركا، في تصرف يتسم بالتهور المدمر للذات، على القذف بهذا الكيان النبيل العملي والملهم إلى مزبلة التاريخ.

* كريس باتن، آخر حاكم بريطاني لـ هونج كونج والمفوض السابق للشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي ، يشغل حاليا منصب رئيس جامعة أكسفورد

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق