آراء وافكار - وجهات نظر

أميركا قوة عظمى مصابة بالشلل

هل تستطيع الولايات المتحدة المنقسمة ردع الصين وروسيا؟
بقلم: روبرت غيتس

تحدق بالولايات المتحدة الآن أخطار أمنية تفوق وطأتها كل ما واجهته منذ عقود أو ربما في أي وقت مضى. في الواقع لم يحدث أبداً أن واجهت أميركا أربعة أعداء متحالفين في الوقت نفسه (روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران) يمكن أن تصل ترساناتهم النووية معاً في غضون بضع سنوات إلى ضعفي حجم ترسانتها النووية تقريباً. منذ الحرب الكورية، لم تضطر الولايات المتحدة إلى التعامل مع منافسين عسكريين أقوياء في أوروبا وآسيا معاً. ولا يستطيع أحد على قيد الحياة الآن أن يتذكر وجود خصم يتمتع بالمستوى نفسه من القوة الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية والعسكرية الذي تحوزه الصين اليوم.

في المقابل، ثمة مشكلة قوامها أنه في اللحظة التي تتطلب فيها الحوادث استجابة قوية ومتجانسة من الولايات المتحدة، فإنها لا تبدي رد الفعل المنتظر، إذ إن قيادتها السياسية المنقسمة، بين الجمهوريين والديمقراطيين، في البيت الأبيض والكونغرس، لم تنجح في إقناع عدد كاف من الأميركيين بأن التطورات في الصين وروسيا مهمة. كذلك، فشل الزعماء السياسيون في شرح كيف أن التهديدات التي يشكلها هذان البلدان مترابطة. لقد فشلوا في صياغة استراتيجية طويلة الأمد تضمن أن النصر سيكون حليف الولايات المتحدة والقيم الديمقراطية عموماً.

في الحقيقة، هناك قواسم مشتركة وأوجه تشابه كثيرة بين الرئيس الصيني شي جينبينغ والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ولكن هناك نوعان من القناعات يبرزان بوضوح. فأولاً، لقد اقتنعا كلاهما بأن مصيره الشخصي يتمثل في استعادة الأيام المجيدة التي عاشتها بلاده خلال ماضيها الإمبراطوري. وبالنسبة إلى شي، فهذا يعني استعادة الدور المهيمن الذي أدته الصين الإمبريالية ذات يوم في آسيا، حاملة في الوقت نفسه طموحات أكبر في ما يتعلق بالنفوذ العالمي. وبالنسبة إلى بوتين، يعني الأمر نفسه السعي إلى مزيج غريب من إحياء الإمبراطورية الروسية واستعادة الاحترام الذي حظي به الاتحاد السوفياتي. ثانياً، إن الزعيمين مقتنعان بأن الديمقراطيات المتقدمة، وعلى رأسها الولايات المتحدة، قد تجاوزت ذروتها ودخلت في مرحلة انحدار لا رجعة فيه. وكذلك يعتقدان أن هذا الانحدار واضح من خلال الانعزالية المتزايدة، والاستقطاب السياسي، والفوضى الداخلية في تلك الديمقراطيات.

وإذا نظرنا إلى قناعات شي وبوتين مجتمعة فإنها تنذر بفترة خطرة ستواجهها الولايات المتحدة في المرحلة المقبلة. ولا تكمن المشكلة في القوة العسكرية والعدوانية التي تتمتع بها الصين وروسيا فحسب، بل أيضاً في أن الزعيمين كليهما ارتكب بالفعل أخطاء جسيمة في حساباتهما وتقديراتهما المتعلقة بالداخل والخارج، ويبدو من المرجح أن يرتكبا أخطاء أكبر في المستقبل. وربما تؤدي قراراتهما إلى عواقب كارثية عليهما، إضافة إلى الولايات المتحدة. لذا، يتعين على واشنطن أن تغير حسابات الرئيسين، وتقلل فرص وقوع الكارثة. ويتطلب ذلك الجهد رؤية استراتيجية وعملاً جريئاً. لقد انتصرت الولايات المتحدة في "الحرب الباردة" بفضل استراتيجية متسقة اتبعها كلا الحزبين السياسيين أثناء تسع ولايات رئاسية متتالية. وتحتاج اليوم إلى نهج مماثل من الحزبين. وهنا تكمن الصعوبة. [امتدت الحرب الباردة بين نهاية الحرب العالمية الثانية وسقوط الاتحاد السوفياتي، وغطت معظم النصف الثاني من القرن الـ20].

وهكذا، تجد الولايات المتحدة نفسها في موقف لا مثيل له من حيث الخطورة، إذ تواجه خصوماً عدوانيين ميالين إلى ارتكاب الأخطاء في حساباتهم، لكنها غير قادرة على حشد الوحدة والقوة الضروريتين لثنيهم عن ذلك. ويعتمد النجاح في ردع قادة من نوع شي وبوتين على ضمان احترام الالتزامات وثبات الاستجابة، ولكن عوضاً من ذلك، فإن العطب الوظيفي جعل القوة الأميركية متقلبة وغير موثوقة، مما استدرج المستبدين الميالين إلى المجازفة، صوب وضع رهانات خطرة لها آثار كارثية محتملة.

طموحات شي

إن دعوة شي إلى "التجديد العظيم للأمة الصينية" ليست إلا عنواناً لتحول الصين إلى القوة العالمية المهيمنة بحلول عام 2049، عام إحياء الذكرى المئوية لانتصار الشيوعيين في الحرب الأهلية الصينية. ويتضمن هذا الهدف جعل تايوان خاضعة مجدداً لسيطرة بكين. وبحسب تعبيره، "يجب أن يتحقق التوحيد الكامل للوطن الأم، وسوف يتحقق". ومن أجل تحقيق هذه الغاية، أصدر شي تعليماته إلى المؤسسة العسكرية الصينية بأن تكون جاهزة بحلول عام 2027 لغزو تايوان بنجاح. وكذلك تعهد بتحديث المؤسسة العسكرية الصينية بحلول عام 2035 وتحويلها إلى قوة "تتمتع بمستوى عالمي". ويبدو أن شي يعتقد نجاحه في تأمين مكانة لنفسه كتلك التي حازها ماو تسي تونغ [المؤسس التاريخي للحزب الشيوعي الصيني في القرن الـ20] ضمن مجموعة الشخصيات الأسطورية في الحزب الشيوعي الصيني، لن يتحقق إلا من خلال الاستيلاء على تايوان.

في الحقيقة، إن تطلعات شي وإيمانه بأن مصيراً سامياً وعظيماً ينتظره تنطوي على خطر كبير بنشوب حرب. ومثلما أخطأ بوتين في حساباته بشكل كارثي في أوكرانيا، ثمة خطر كبير من أن يفعل شي الشيء نفسه في تايوان. لقد أخطأ بالفعل في تقديراته بشكل كبير ثلاث مرات في الأقل. أولاً، من خلال الابتعاد عن فلسفة الزعيم الصيني دينغ خسياو بينغ المتمثلة في "أخف قوتك، وانتظر الوقت المناسب"، أثار شي على وجه التحديد ردود الفعل التي كان دينغ يخشاها، إذ سخرت الولايات المتحدة قوتها الاقتصادية لإبطاء نمو الصين، وبدأت في تعزيز جيشها وتحديثه، وعززت تحالفاتها وشراكاتها العسكرية في آسيا. وجاء الخطأ الرئيس الثاني في الحسابات عبر تبديل مسار شي نحو اعتماد سياسات اقتصادية يسارية، مما يشكل تحولاً أيديولوجياً بدأ في عام 2015 ورسخه المؤتمر الوطني للحزب الشيوعي الصيني في عام 2022. والجدير بالذكر أن سياساته، من إدخال الحزب في إدارة الشركات إلى الاعتماد بشكل متزايد على الشركات المملوكة للدولة، ألحقت ضرراً شديداً بالاقتصاد الصيني. تمثل الخطأ الثالث بأن سياسة "صفر كوفيد" التي انتهجها شي، وفق ما كتبه المتخصص في الشأن الاقتصادي آدم بوسن على صفحات هذه المجلة، "جعلت السلطة التعسفية التي يمارسها الحزب الشيوعي الصيني على الأنشطة التجارية الخاصة بعموم الناس، واضحة وملموسة، بما في ذلك أنشطة أصغر الجهات الفاعلة". وبرزت حالة عدم اليقين بأثر من ذلك، ثم تفاقمت بسبب تراجعه المفاجئ عن تلك السياسة، مما تسبب في خفض الإنفاق الاستهلاكي الصيني بالتالي ألحق مزيداً من الضرر بالاقتصاد برمته.

وإذا احتل الحفاظ على قوة الحزب رأس سلم الأولويات بالنسبة إلى الرئيس شي، فإن الاستيلاء على تايوان يأتي في المرتبة الثانية. إذا اعتمدت الصين على تدابير لا تصل إلى مستوى الحرب من أجل الضغط على تايوان لحملها على الاستسلام بشكل استباقي [قبل اندلاع الصراع]، فمن المرجح أن تفشل تلك الجهود. وهكذا، سيترك شي أمام خيار المجازفة بالحرب من خلال فرض حصار بحري واسع النطاق أو حتى شن غزو شامل للاستيلاء على الجزيرة. وربما يتصور شي أنه سيحقق قدره المنشود بالمحاولة، ولكن سواء فاز أو خسر، فإن الكلفة الاقتصادية والعسكرية المترتبة على إثارة حرب ضد تايوان ستكون كارثية بالنسبة إلى الصين، إضافة إلى الأطراف المعنية الأخرى كلها. سيرتكب شي خطأً فادحاً.

وعلى رغم حساباته الخاطئة والصعوبات الداخلية المتعددة التي تواجهها بلاده، ستظل الصين تمثل تحدياً هائلاً بالنسبة إلى الولايات المتحدة، إذ إن جيشها أقوى من أي وقت مضى. وتمتلك الصين الآن سفناً حربية أكثر من الولايات المتحدة (على رغم أن نوعيتها أقل جودة). لقد أجرت تحديثاً وإعادة هيكلة لقواتها التقليدية والنووية، وتكاد تضاعف قواتها النووية الاستراتيجية المنتشرة، كذلك، طورت نظام القيادة والتحكم الخاص بها. وكذلك باتت بصدد تعزيز قدراتها في مجالي الفضاء الخارجي والفضاء الإلكتروني أيضاً.

،، إن تطلعات شي وإيمانه بأن مصيراً سامياً وعظيماً ينتظره تنطوي على خطر كبير بنشوب حرب ،،

وبعيداً من تحركاتها العسكرية، اتبعت الصين استراتيجية شاملة تهدف إلى زيادة قوتها ونفوذها على مستوى العالم، إذ تعتبر الآن أكبر شريك تجاري لأكثر من 120 دولة، بما في ذلك جميع دول أميركا الجنوبية تقريباً. وانضمت أكثر من 140 دولة للمشاركة في "مبادرة الحزام والطريق"، البرنامج الصيني الضخم الرامي إلى تطوير البنية التحتية. كذلك، تمتلك الصين الآن، أو تدير، أو تستثمر في أكثر من 100 ميناء في نحو 60 دولة.

واستطراداً، أنشأت الصين شبكة دعائية وإعلامية شاملة تعزز تلك العلاقات الاقتصادية المتوسعة. في الواقع، لا يوجد بلد على وجه الأرض لا تصل إليه محطة إذاعية أو قناة تلفزيونية أو موقع إخباري صيني واحد في الأقل. من خلال هذه المنافذ وغيرها، تهاجم بكين الإجراءات والدوافع الأميركية، وتقوض الثقة في المؤسسات الدولية التي أنشأتها الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، وتطلق مزاعم عن تفوق نموذج التنمية والحكم الذي تعتمده بكين، وتروج في الوقت نفسه لفكرة انحدار الغرب وتراجعه.

واستكمالاً، هناك مفهومان في الأقل يحتكم إليهما أولئك الذين يعتقدون أن الولايات المتحدة والصين متجهتان نحو الصراع. يتمثل الأول بـ"فخ ثوسيديديس" [ثوسيديديس مؤرخ ومنظر استراتيجي إغريقي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد، وأرخ الحروب البولينيزية التي دارت رحاها بين إسبرطة وأثينا]. ووفقاً لتلك النظرية، تصبح الحرب أمراً لا مفر منه حينما تنشأ مواجهة بين قوة صاعدة وقوة راسخة، مثلما حدث في المواجهة بين أثينا وإسبرطة في العصور القديمة أو حينما واجهت ألمانيا المملكة المتحدة قبل الحرب العالمية الأولى. وهناك نظرية أخرى تتمثل في "ذروة الصين"، تلك فكرة مفادها أن القوة الاقتصادية والعسكرية للبلاد وصلت إلى أوج قوتها أو ستكون كذلك في وقت قريب، في حين أن المبادرات الطموحة الرامية إلى تعزيز الجيش الأميركي ستستغرق سنوات كي تؤتي ثمارها. وبناء على ذلك، قد تشن بكين غزواً على تايوان قبل أن يتغير التفاوت العسكري في آسيا بطريقة لا تناسب الصين ولا تصب في مصلحتها.

في المقابل، لا تعتبر أي من النظريتين مقنعة. لم يكن هناك شيء لا مفر منه في الحرب العالمية الأولى، بل اندلعت بسبب غباء زعماء أوروبا وغطرستهم. وبحد ذاته، إن الجيش الصيني ليس جاهزاً على الإطلاق لصراع كبير. وبالتالي، فإن أي هجوم صيني مباشر أو غزو على تايوان، إذا حدث على الإطلاق، فلن يحدث قبل بضع سنوات، ما لم يخطئ شي في حساباته بشكل خطر مرة أخرى بطبيعة الحال.

رهان بوتين

وفق زبيغنيو بريجنسكي، عالم السياسة ومستشار سابق للأمن القومي الأميركي، "من دون أوكرانيا لن تكون روسيا إمبراطورية". ومن المؤكد أن بوتين يشاركه هذا الرأي. وفي سعيه إلى استعادة إمبراطورية روسيا المفقودة، شن غزواً على أوكرانيا في عام 2014 ومرة أخرى في عام 2022، وتبين أن المغامرة الأخيرة كانت عبارة عن خطأ كارثي في الحسابات سيكون له عواقب مدمرة طويلة الأمد على بلاده. وبدلاً من تقسيم حلف شمال الأطلسي وإضعافه، أدت تصرفات روسيا إلى إعطاء الحلف هدفاً جديداً (وصارت فنلندا عضواً جديداً قوياً في الناتو، وستنضم السويد إليه قريباً). ومن الناحية الاستراتيجية، أصبحت روسيا الآن في وضع أسوأ بكثير مما كانته قبل الغزو.

ومن الناحية الاقتصادية، خففت مبيعات النفط إلى الصين والهند ودول أخرى جزءاً كبيراً من التأثير المالي للعقوبات، وبطريقة موازية، حلت السلع الاستهلاكية والتكنولوجيا من الصين وتركيا ودول أخرى في آسيا الوسطى والشرق الأوسط محل تلك التي كانت تستورد في الماضي من الغرب. على رغم ذلك، ظلت روسيا خاضعة لعقوبات استثنائية فرضتها عليها كل الديمقراطيات المتقدمة تقريباً. في الواقع، سحبت شركات غربية كثيرة استثماراتها وغادرت البلاد، بما في ذلك شركات النفط والغاز التي تعتبر تقنياتها ضرورية من أجل الحفاظ على مصدر الدخل الرئيس لروسيا. واستطراداً، فر آلاف من خبراء التكنولوجيا ورجال الأعمال الشباب. وبغزو أوكرانيا، يقامر بوتين بمستقبل بلاده على ذلك الرهان.

أما بالنسبة إلى الجيش الروسي، فعلى رغم أن الحرب أدت إلى تدهور قواته التقليدية بشكل كبير، فإن موسكو تحتفظ بأكبر ترسانة نووية في العالم. وبفضل اتفاقات الحد من التسلح، لا تتضمن هذه الترسانة سوى عدد قليل من الأسلحة النووية الاستراتيجية المنتشرة أكثر من تلك التي في حوزة الولايات المتحدة، لكن، تمتلك روسيا عشرة أضعاف الأسلحة النووية التكتيكية، أي نحو 1900 [بالمقارنة مع أميركا].

وبصرف النظر عن حجم تلك الترسانة النووية الضخمة، تبدو التوقعات قاتمة بالنسبة إلى بوتين. ومع تبدد آماله في غزو سريع لأوكرانيا، يبدو أنه يعتمد على جمود عسكري يرهق الأوكرانيين، ويراهن على أنه بحلول الربيع أو الصيف المقبل، سيتعب عامة الناس في أوروبا والولايات المتحدة من دعم الأوكرانيين. وكبديل موقت لأوكرانيا المهزومة المحتلة، ربما يصبح على استعداد لتقبل فكرة أوكرانيا مشلولة، أي أن تغدو دولة عاجزة تسيطر عليها حالة من الخراب، تعاني انخفاضاً في صادراتها وتتقلص المساعدات التي تأتيها من الخارج بشكل كبير. أراد بوتين أن تكون أوكرانيا جزءاً من الإمبراطورية الروسية المعاد تشكيلها، وقد خشي من أن تصبح أوكرانيا الديمقراطية والحديثة والمزدهرة نموذجاً بديلاً للروس الموجودين في الجوار. لن يتمكن من تحقيق هدفه الأول [المتمثل في إعادة ضم أوكرانيا إلى الإمبراطورية الروسية]، لكنه قد يظن أنه قادر على منع حدوث ما خاف منه طويلاً.

وطالما أن بوتين موجود في السلطة، ستظل روسيا خصماً للولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي. ومن خلال مبيعات الأسلحة، والمساعدة الأمنية، وأسعار النفط والغاز المخفضة، يعمل على تنمية علاقات جديدة في أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا. وسوف يواصل استخدام كل الوسائل المتاحة له كي يزرع بذور الانقسام في الولايات المتحدة وأوروبا، ويقوض النفوذ الأميركي في الجنوب العالمي. وبفضل الشجاعة التي يستمدها من شراكته مع شي، وثقته في أن ترسانته النووية الحديثة ستردع أي عمل عسكري ضد روسيا، فسوف يستمر في تحدي الولايات المتحدة بعدائية. سبق أن ارتكب بوتين خطأً تاريخياً في الحسابات، ولا يمكن لأحد أن يضمن أنه لن يرتكب خطأ جديداً.

أميركا الضعيفة

في الوقت الحالي، تبدو الولايات المتحدة في موقع قوي في وجه كل من الصين وروسيا. والأهم من ذلك كله أن أداء الاقتصاد الأميركي جيد، والاستثمار التجاري في منشآت التصنيع الجديدة، التي دعم بعض منها ببرامج البنية التحتية والتكنولوجيا الحكومية الجديدة، يشهد ازدهاراً. كذلك، فإن الاستثمارات الجديدة التي وظفتها الحكومة والشركات في الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، والروبوتات، والهندسة الحيوية، تعد بتوسيع الفجوة التكنولوجية والاقتصادية بين الولايات المتحدة وكل دولة أخرى على مدى سنوات قادمة.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، منحت الحرب في أوكرانيا الولايات المتحدة فرصاً جديدة. فالتحذير المبكر الذي قدمته واشنطن لأصدقائها وحلفائها في شأن نية روسيا بغزو أوكرانيا، أعاد ثقتهم في القدرات الاستخباراتية الأميركية. واستطراداً، أتاحت المخاوف المتجددة من روسيا للولايات المتحدة تعزيز حلف شمال الأطلسي وتوسيعه. وكذلك شكلت المساعدات العسكرية التي قدمتها لأوكرانيا دليلاً واضحاً على أنه يمكن الوثوق بها من ناحية الوفاء بالتزاماتها. وبطريقة موازية، أدى التنمر الاقتصادي والدبلوماسي الذي تمارسه الصين في آسيا وأوروبا إلى نتائج عكسية، الأمر الذي مكن الولايات المتحدة من تعزيز علاقاتها في المنطقتين كلتيهما.

واستكمالاً، تلقى الجيش الأميركي تمويلاً مناسباً في السنوات الأخيرة. ويجري تنفيذ برامج التحديث في جميع الأسس الثلاثة الخاصة بثالوث الردع النووي، وهي الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، وقاذفات القنابل، والغواصات. كذلك، يشتري البنتاغون طائرات مقاتلة جديدة (طائرات أف-35، وطائرات أف-15 محدثة، ومقاتلة جديدة من الجيل السادس)، إلى جانب أسطول جديد من طائرات التزود بالوقود جواً. في المقابل، يؤمن الجيش نحو 20 منصة وأسلحة جديدة، وتبني القوات البحرية سفناً وغواصات إضافية. وبطريقة موازية، يواصل الجيش تطوير أنواع جديدة من الأسلحة، مثل الذخائر الفرط صوتية [هايبرسونيك، أي الأسرع من الصوت بكثير]، ويعزز قدراته السيبرانية الهجومية والدفاعية. وفي المحصلة، تنفق الولايات المتحدة على الدفاع أكثر من كل البلدان الـ10 الأكثر إنفاقاً من بعدها في هذا المجال، بما في ذلك روسيا والصين.

ولكن من المؤسف، على رغم ذلك، أن الخلل السياسي في أميركا وإخفاقاتها السياساتية يعرقلان نجاحها. في الحقيقة، يتعرض الاقتصاد الأميركي للتهديد بسبب الإسراف في الإنفاق الحكومي الفيدرالي من دون أي ضوابط. وقد فشل الساسة من كلا الحزبين في معالجة الكلفة المتصاعدة لمستحقات الضمان الاجتماعي، والرعاية الصحية، والمساعدات الطبية مثلاً. واستطراداً، تسببت المعارضة المستمرة لرفع سقف الدين في تقويض الثقة بالاقتصاد، الأمر الذي دفع المستثمرين إلى القلق في شأن ما قد يحدث إذا تخلفت واشنطن عن سداد ديونها فعلياً (في أغسطس 2023، خفضت وكالة "فيتش" التصنيف الائتماني للولايات المتحدة، مما أدى إلى رفع كلفة الاقتراض على الحكومة). وظلت عملية تخصيص الاعتمادات في الكونغرس معطلة طوال سنوات. وفي سياق متصل، فشل المشرعون مراراً وتكراراً في سن مشاريع قوانين الاعتمادات المالية الفردية، وأقروا قوانين "شاملة" [جامعة] ضخمة لم يقرأها أحد، وفرضوا توقف بعض وظائف الحكومة.

على الصعيد الدبلوماسي، أدى ازدراء الرئيس السابق دونالد ترمب حلفاء الولايات المتحدة، وولعه بالقادة المستبدين، واستعداده لزرع الشك حول التزام الولايات المتحدة تجاه حلفائها في الناتو، وسلوكه المضطرب بشكل عام، إلى تقويض صدقية الولايات المتحدة واحترامها في جميع أنحاء العالم، ولكن بعد مرور سبعة أشهر فحسب على إدارة الرئيس جو بايدن، أدى انسحاب الولايات المتحدة المفاجئ والكارثي من أفغانستان إلى الإضرار أكثر بثقة بقية العالم في واشنطن.

طوال سنوات، أهملت الدبلوماسية الأميركية جزءاً كبيراً من الجنوب العالمي، الذي يعتبر الجبهة المركزية للمنافسة غير العسكرية مع الصين وروسيا. تركت مناصب سفراء الولايات المتحدة شاغرة بشكل غير متكافئ في هذا الجزء من العالم. ابتداءً من عام 2022، بعد سنوات من الإهمال، سارعت الولايات المتحدة إلى إحياء علاقاتها مع دول جزر المحيط الهادئ، لكن الصين قد استغلت غياب واشنطن فعلياً في توقيع اتفاقات أمنية واقتصادية مع هذه الدول. في الواقع، هناك منافسة عالمية مع الصين وحتى روسيا على الأسواق والنفوذ، ولا تستطيع الولايات المتحدة أن تتحمل عواقب غيابها في أي مكان.

ويدفع الجيش أيضاً ثمن العجز السياسي الأميركي، خصوصاً في الكونغرس. في كل سنة منذ عام 2010، فشل الكونغرس في الموافقة على مشاريع قوانين الاعتمادات المالية المخصصة للجيش قبل بداية السنة المالية التالية. وعوضاً عن ذلك، أصدر المشرعون "قراراً مستمراً"، يسمح للبنتاغون بعدم إنفاق أموال أكثر مما أنفقه في العام السابق ويمنعه من البدء بأي شيء جديد أو زيادة الإنفاق على البرامج الموجودة بالفعل. وتنظم تلك القرارات المستمرة الإنفاق الدفاعي إلى أن يجري إقرار مشروع قانون اعتمادات مالية جديد، وهو أمر استمر من بضعة أسابيع إلى سنة مالية كاملة. والنتيجة هي أنه في كل عام، لا تصل البرامج والمبادرات الجديدة المبتكرة إلى أي نتيجة وسيستمر ذلك لفترة لا يمكن التنبؤ بها.

واستكمالاً، وضع قانون مراقبة الميزانية لعام 2011 تخفيضات تلقائية في الإنفاق، عرفت باسم "الاقتطاع"، وخفض الميزانية الفيدرالية بمقدار 1.2 تريليون دولار على مدى 10 سنوات. واضطر الجيش الذي استأثر في ذلك الوقت نحو 15 في المئة من النفقات الفيدرالية، إلى تكبد نصف هذا التخفيض، أي ما يوازي 600 مليار دولار. وباستثناء كلفة الأفراد، يجب أن يأتي الجزء الأكبر من تلك التخفيضات عبر الصيانة والعمليات والتدريب وحسابات الاستثمار. ومن ثم، حدثت عواقب وخيمة وطويلة الأمد. وعلى رغم ذلك، اعتباراً من سبتمبر (أيلول) 2023، يتجه الكونغرس نحو ارتكاب الخطأ نفسه مرة أخرى. وهناك مثل آخر على إلحاق سياسة الكونغرس ضرراً حقيقياً بالجيش، يتمثل بالسماح لأحد أعضاء مجلس الشيوخ بمنع إقرار تعيين مئات من كبار الضباط لأشهر عدة متتالية، مع ملاحظة أن هذا الأمر يؤدي إلى إضعاف الاستعداد والقيادة بشكل خطر، من خلال تسليط الضوء على الخلل الحكومي الأميركي في مثل هذا المجال الحيوي، إضافة إلى كونه أيضاً يجعل الولايات المتحدة أضحوكة بين خصومها. وكخلاصة، أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قوة عسكرية أكبر كي تتصدى للتهديدات التي تواجهها، لكن هناك عقبات كبيرة في الكونغرس والسلطة التنفيذية تحول دون تحقيق هذا الهدف.

على قدر المسؤولية

تجري على قدم وساق منافسة ملحمية بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة، والصين وروسيا ورفاقهما من جهة أخرى. ومن أجل ضمان أن تكون واشنطن في أقوى وضع ممكن لردع خصومها من ارتكاب مزيد من الحسابات الاستراتيجية الخاطئة، يجب على قادة الولايات المتحدة أولاً معالجة انهيار الاتفاق الذي انعقد بين الحزبين منذ عقود في ما يتعلق بدور الولايات المتحدة في العالم. ليس من المستغرب بعد 20 عاماً من الحرب في أفغانستان والعراق، أن يرغب كثير من الأميركيين في التقوقع، خصوصاً في ضوء المشكلات المتعددة التي تواجهها الولايات المتحدة في الداخل، ولكن من واجب الزعماء السياسيين مواجهة هذه المشاعر وشرح كيف أن مصير البلاد يرتبط بشكل وثيق بما يحدث في أماكن أخرى. ذات يوم، علق الرئيس فرانكلين روزفلت بأن "أعظم واجبات رجل الدولة هو التثقيف"، ولكن الرؤساء الجدد، ومعهم معظم أعضاء الكونغرس، فشلوا بشكل ذريع في الاضطلاع بهذه المسؤولية الأساسية.

في مسار متصل، يتعين على الأميركيين أن يفهموا لماذا تعتبر القيادة الأميركية العالمية، على رغم الكلفة المترتبة عليها، مهمة جداً في الحفاظ على السلام والازدهار. ويجب عليهم أن يعرفوا لماذا تكتسي المقاومة الأوكرانية الناجحة للغزو الروسي أهمية بالغة في ردع الصين عن غزو تايوان. إنهم يحتاجون إلى معرفة السبب الذي يجعل الهيمنة الصينية على غرب المحيط الهادئ تهدد المصالح الأميركية، والسبب وراء أهمية النفوذ الصيني والروسي في الجنوب العالمي بالنسبة إلى ميزانيتهم. كذلك، عليهم أن يعرفوا لماذا يعتبر الاعتماد على الولايات المتحدة كحليف أمراً مهماً في الحفاظ على السلام. وبطريقة موازية، من الضروري أن يعرفوا لماذا يشكل التحالف الصيني - الروسي تهديداً للولايات المتحدة. إن ما تقدم يبين أنواع الارتباطات التي يحتاج القادة السياسيون الأميركيون إلى إيضاحها كل يوم.

استطراداً، لا يتمثل ما يلزم في مجرد خطاب واحد من المكتب البيضاوي أو إلقاء كلمة في الكونغرس، بل يستلزم الأمر تكراراً متواصلاً إلى أن تترسخ الرسالة. فإلى جانب التواصل بشكل منتظم مع الشعب الأميركي مباشرة، وليس من خلال المتحدثين الرسميين، يحتاج الرئيس إلى قضاء بعض الوقت في تناول المشروبات والعشاء [أي ترتيب لقاءات ودية غير رسمية] وعقد اجتماعات صغيرة مع أعضاء الكونغرس ووسائل الإعلام من أجل تفسير الدور القيادي الذي تضطلع به الولايات المتحدة. ثم، ونظراً إلى الطبيعة المجزأة للاتصالات في العصر الحديث [أصبحت الاتصالات مشتتة ومقسمة إلى قنوات ومنصات مختلفة]، يحتاج أعضاء الكونغرس إلى إيصال الرسالة إلى ناخبيهم في جميع أنحاء البلاد.

ماذا تتضمن تلك الرسالة؟ إنها توضح أن القيادة العالمية الأميركية وفرت 75 عاماً من السلام بين القوى العظمى، وتلك أطول فترة منذ قرون. في تاريخ الأمم، لا شيء مكلفاً أكثر من الحرب، ولا شيء آخر يمثل تهديداً أكبر لأمنها وازدهارها. ولا شيء يزيد احتمال نشوب الحرب أكثر من تجاهل الحقيقة والتظاهر بأن الولايات المتحدة لا تتأثر بالحوادث في أماكن أخرى، وذلك وفق ما تعلمته هذه البلاد من تجارب ما قبل الحرب العالمية الأولى، والحرب العالمية الثانية، وحوادث الـ11 من سبتمبر. إن القوة العسكرية التي تمتلكها الولايات المتحدة، والتحالفات التي أقامتها، والمؤسسات الدولية التي صممتها، تمثل كلها أموراً ضرورية لردع العدوان ضدها وضد شركائها. ووفق ما يوضحه قرن من الزمن قدمت فيه أدلة كثيرة، فإن عدم التعامل مع المعتدين لا يؤدي إلا إلى تشجيع مزيد من العدوان. ومن السذاجة الاعتقاد أن النجاح الروسي في أوكرانيا لن يؤدي إلى مزيد من العدوان الروسي في أوروبا، أو حتى إلى حرب بين حلف شمال الأطلسي وروسيا. ومن السذاجة بالقدر نفسه الاعتقاد أن النجاح الروسي في أوكرانيا لن يزيد بشكل كبير من احتمالات العدوان الصيني على تايوان، بالتالي احتمال نشوب حرب بين الولايات المتحدة والصين.

وبالتالي، إن العالم الذي لا يحظى بقيادة أميركية موثوقة سيكون عالماً من المفترسين الاستبداديين، قد تكون فيه جميع البلدان الأخرى فريسة محتملة. وإذا أرادت أميركا حماية شعبها وأمنها وحريتها، فيتعين عليها أن تستمر في اعتناق دورها القيادي العالمي. ووفق عبارة من رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل عن الولايات المتحدة في عام 1943، "المسؤولية هي ثمن العظمة".

في الواقع، تعتبر إعادة بناء دعم محلي [داخل الولايات المتحدة] لهذه المسؤولية أمراً لا بد منه من أجل إعادة بناء الثقة بين الحلفاء وجعل الخصوم يدركون بأن الولايات المتحدة ستفي بالتزاماتها. وبسبب الانقسامات الداخلية، والرسائل المتضاربة، والتناقض لدى الزعماء السياسيين في شأن الدور الذي تؤديه الولايات المتحدة في العالم، هنالك شك كبير في الخارج حول موثوقية واشنطن، إذ يتساءل الأصدقاء والخصوم عما إذا كانت التزامات بايدن والتحالفات التي يبنيها تمثل عودة إلى الوضع الطبيعي أو إذا حمل ازدراء ترمب للحلفاء عبر شعار "أميركا أولاً" سيكون الطابع المهيمن في السياسة الأميركية في المستقبل. وحتى أقرب الحلفاء يتحوطون في رهاناتهم في شأن أميركا. وفي عالم تتربص فيه روسيا والصين الفرص المناسبة، فإن تلك الأشياء تشكل أمراً خطراً للغاية.

واستكمالاً، تتمثل الأولوية القصوى في استعادة الدعم الشعبي للقيادة العالمية الأميركية، لكن يجب على الولايات المتحدة اتخاذ خطوات أخرى لممارسة هذا الدور فعلياً.

أولاً، يتعين عليها أن تذهب إلى أبعد من "الاستدارة" نحو آسيا. وفي ذلك الإطار، إن تعزيز العلاقات مع أستراليا واليابان والفيليبين وكوريا الجنوبية ودول أخرى في المنطقة، يجسد أمراً ضرورياً لكنه غير كاف، إذ إن الصين وروسيا تعملان معاً ضد المصالح الأميركية في كل قارة. إذاً، تحتاج واشنطن إلى استراتيجية في التعامل مع العالم أجمع، خصوصاً في أفريقيا وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط، إذ يتفوق الروس والصينيون بسرعة على الولايات المتحدة في تطوير العلاقات الأمنية والاقتصادية. ليس من المفترض أن تقسم هذه الاستراتيجية العالم إلى ديمقراطيات وأنظمة استبدادية. ويتعين على الولايات المتحدة أن تناصر الديمقراطية وحقوق الإنسان دائماً في كل مكان، لكن هذا الالتزام يجب ألا يجعل واشنطن غافلة عن حقيقة أن المصالح الوطنية الأميركية تتطلب منها أحياناً العمل مع حكومات قمعية لا تمثل إرادة شعوبها.

ثانياً، يجب أن تتضمن استراتيجية الولايات المتحدة استخدام كل أدوات قوتها الوطنية. لقد أضحى الجمهوريون والديمقراطيون معادين للاتفاقات التجارية، وسادت المشاعر الحمائية في الكونغرس. وقد أدى ذلك إلى ترك المجال مفتوحاً أمام الصينيين في الجنوب العالمي الذي يقدم أسواقاً وفرصاً استثمارية ضخمة. على رغم عيوب "مبادرة الحزام والطريق"، على غرار الديون الهائلة التي تتراكم على البلدان المستفيدة، إلا أن بكين استخدمتها بنجاح لبسط نفوذ الصين وزرع شركاتها وبراثنها الاقتصادية في عشرات البلدان. إن تلك المبادرة باقية وثابتة إذ ضمنت في الدستور الصيني في عام 2017. وتحتاج الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى معرفة كيفية التنافس مع المبادرة بطرق تتناسب مع نقاط قوتهم، وقبل كل شيء، مع قدرات قطاعهم الخاص. ومقارنة مع الجهود التي تبذلها الصين، لا تمثل برامج المساعدات التنموية الأميركية إلا جزءاً صغيراً، إضافة إلى كونها مجزأة ومنفصلة عن الأهداف الجيوسياسية الأميركية الأكبر. وحتى حينما تنجح في برامج المساعدات الأميركية، فإن الولايات المتحدة تحافظ على صمت كهنوتي في شأن إنجازاتها [أي التزام الصمت المطبق أو التحفظ في شأن إنجازات هذه البرامج حتى حينما تكون فعالة أو مفيدة]. ومثلاً، لم تعلن أميركا شيئاً كثيراً عن "خطة كولومبيا"، وهي عبارة عن برنامج مساعدات مصمم لمكافحة تجارة المخدرات الكولومبية، أو خطة الرئيس الطارئة للإغاثة من مرض الأيدز، التي أنقذت الملايين من الأرواح في أفريقيا.

إن الدبلوماسية العامة والعلنية ضرورية في تعزيز المصالح الأميركية، لكن واشنطن أسهمت في تلاشي تلك الأداة المهمة منذ نهاية "الحرب الباردة". وفي الوقت نفسه تنفق الصين مليارات الدولارات في جميع أنحاء العالم لتعزيز سرديتها [جانبها من القصة]. وتبذل روسيا أيضاً جهوداً حثيثة من أجل نشر دعايتها ومعلوماتها المضللة، إضافة إلى إثارة الفتنة داخل الديمقراطيات وفي ما بينها. لذا، تحتاج الولايات المتحدة إلى استراتيجية في التأثير في القادة والشعوب الأجنبية، خصوصاً في الجنوب العالمي. ومن أجل تحقيق النجاح، تتطلب هذه الاستراتيجية من حكومة الولايات المتحدة إنفاق مزيد من الأموال، إضافة إلى بل أيضاً دمج أنشطة الاتصالات المتعددة والمتفرقة وتنفيذها بشكل متزامن ومنسق.

واستطراداً، تشكل المساعدة الأمنية للحكومات الأجنبية مجالاً آخر يحتاج إلى تغيير جذري. وعلى رغم أن الجيش الأميركي يؤدي عملاً جيداً في تدريب القوات الأجنبية، فإنه يتخذ قرارات مجزأة حول مكان وطريقة النهوض بذلك من دون مراعاة الاستراتيجيات الإقليمية بشكل كاف أو من دون النظر في كيفية تحسين الشراكة مع الحلفاء. لقد قدمت روسيا بشكل متزايد مساعدات أمنية للحكومات في أفريقيا، خصوصاً تلك التي تحمل نزعة استبدادية، في المقابل، لا تملك الولايات المتحدة استراتيجية فاعلة لمواجهة هذه الجهود. يجب على واشنطن أيضاً أن تجد طريقة لتسريع تسليم المعدات العسكرية إلى الدول المستفيدة. هناك الآن أسلحة متراكمة بقيمة 19 مليار دولار تقريباً بيعت إلى تايوان ولكن لم تسلم إليها بعد، مع تأخير يتراوح ما بين أربع إلى 10 سنوات. وعلى رغم أن هذا التعطيل نجم عن عوامل متعددة، فإن أحد الأسباب المهمة تمثل بالقدرة الإنتاجية المحدودة لصناعة الدفاع الأميركية.

ثالثاً، يتعين على الولايات المتحدة أن تعيد النظر في استراتيجيتها النووية في مواجهة التحالف الصيني الروسي. إن التعاون بين روسيا التي تعمل على تحديث قوتها النووية الاستراتيجية، والصين المنكبة على توسيع قوتها التي كانت متواضعة في السابق، يختبر صدقية الردع النووي الأميركي، وكذلك الأمر بالنسبة إلى قدرات كوريا الشمالية المتنامية في مجال الأسلحة النووية وإمكانات إيران في هذا المجال. ومن أجل تعزيز قوة الردع لديها، من شبه المؤكد أن الولايات المتحدة تحتاج إلى تكييف استراتيجيتها وربما إلى توسيع حجم قواتها النووية أيضاً، إذ تمارس القوات البحرية الصينية والروسية تدريبات مشتركة على نحو متزايد، ولن يكون من المستغرب أيضاً أنهما نسقتا بشكل أوثق قواتهما النووية الاستراتيجية المنتشرة.

ثمة اتفاق واسع النطاق في واشنطن على أن البحرية الأميركية تحتاج إلى مزيد من السفن الحربية والغواصات. ومرة أخرى، أصبح التناقض بين خطاب رجال السياسة وأفعالهم صارخاً. على مدى سنوات عدة، لم تطرأ أي تغييرات على الميزانية المخصصة للسفن بشكل أساسي. ولكن، في السنوات الأخيرة، حتى مع زيادة الميزانية بشكل كبير، حالت القرارات المستمرة والمشكلات في التنفيذ دون توسع البحرية. والجدير بالذكر أن العقبات الرئيسة التي تعرقل إنشاء قوة بحرية أكبر تتمثل في الميزانية، بمعنى الافتقار إلى تمويل أعلى مستدام للقوات البحرية نفسها، وعلى نطاق أوسع، نقص الاستثمار في أحواض بناء السفن وفي الصناعات التي تدعم بناء السفن وصيانتها. وعلى رغم ذلك، من الصعب أن نستشف أي شعور بالإلحاح بين الساسة لمعالجة هذه المشكلات في أي وقت قريب. إنه أمر غير مقبول.

وأخيراً، يتعين على الكونغرس أن يغير الطريقة التي يخصص بها الأموال لوزارة الدفاع. وبطريقة موازية، يجب على وزارة الدفاع تغيير الطريقة التي تنفق بها تلك الأموال، إذ يحتاج الكونغرس إلى التصرف بسرعة وكفاءة أكبر حينما يتعلق الأمر بالموافقة على ميزانية الدفاع. ويعني ذلك في المقام الأول إقرار مشاريع قوانين الاعتمادات المالية العسكرية قبل بداية السنة المالية، في تغيير من شأنه تمكين وزارة الدفاع من وضع رؤية عن الأشياء التي تمس الحاجة إليها.

واستطراداً، يتعين على البنتاغون، أن يعمل على إصلاح عمليات الشراء المتصلبة والضيقة الأفق والبيروقراطية، التي عفا عليها الزمن في عصر أصبحت فيه المرونة والسرعة أكثر أهمية من أي وقت مضى. وتجدر الإشارة إلى أن القادة في وزارة الدفاع ذكروا الأشياء الصحيحة حول هذه العيوب وأعلنوا عن عدد من المبادرات لتصحيحها، بيد أن التحدي يكمن في التنفيذ الفاعل والعاجل.

أقوال أقل وأفعال أكثر

تعتقد الصين وروسيا أن المستقبل حليفهما. وعلى رغم كل الخطابات الصارمة الصادرة عن الكونغرس الأميركي والسلطة التنفيذية في شأن التصدي لهؤلاء الخصوم، فمن المثير للعجب أن الأفعال قليلة. وفي كثير من الأحيان، يجري الإعلان عن مبادرات جديدة، إلا أن التمويل والتنفيذ الفعلي يتحركان ببطء أو لا يتحركان على الإطلاق. إن الكلام سهل، ولا يبدو أن أحداً في واشنطن مستعد لإجراء التغييرات العاجلة المطلوبة. وبالتالي، إن ذلك أمر محير بشكل خاص، لأنه في وقت سيطرت فيه الحزبية والاستقطاب الشديدين في واشنطن، أدت سياسات شي وبوتين إلى حشد دعم كبير، بين صناع السياسات المنتمين إلى كلا الحزبين، لمصلحة رد فعل أميركي قوي على الأفعال العدوانية التي ارتكبها الرئيسان المذكوران، حتى لو بدا ذلك الدعم هشاً. إذاً، تملك السلطة التنفيذية والكونغرس فرصة نادرة للعمل معاً في سبيل إرفاق خطاباتهما الرنانة حول مواجهة الصين وروسيا بإجراءات بعيدة المدى تجعل من الولايات المتحدة خصماً أكبر بكثير، يمكنه المساعدة في ردع الحرب.

لقد ارتكب شي وبوتين اللذان يحيط بهما أشخاص يؤيدون كل أقوالهما، ارتكبا بالفعل أخطاء جسيمة كلفت بلديهما غالياً. لقد ألحقا الضرر ببلديهما على المدى الطويل. ومع ذلك، في المستقبل المنظور، سيظلان يشكلان خطراً يجب على الولايات المتحدة التعامل معه. وحتى في أفضل الظروف، في عالم تتمتع فيه حكومة الولايات المتحدة بجمهور داعم، وقادة نشيطين، واستراتيجية متماسكة، فإن هذين الخصمين سيشكلان تحدياً هائلاً. في المقابل، إن المشهد الداخلي اليوم أبعد من أن يكون منتظماً، إذ انغلق الرأي العام الأميركي على نفسه وصب تركيزه على المسائل الداخلية، وغرق الكونغرس في المشاحنات والفظاظة وسياسة حافة الهاوية. وفي المقابل، عمل الرؤساء المتعاقبون إما على التنصل من الدور العالمي الذي تؤديه أميركا أو أنهم لم يقدموا تفسيراً جيداً له. ومن أجل الوقوف في وجه مثل هذين الخصمين القويين الميالين للمجازفة، تحتاج الولايات المتحدة إلى تعزيز جهودها من النواحي كلها. حينذاك فحسب يمكنها أن تأمل في ردع شي وبوتين عن القيام بمزيد من الرهانات السيئة. كخلاصة، إن الخطر حقيقي.

* عين روبرت أم. غيتس وزيراً للدفاع الأميركي بين عامي 2006 و2011.
المقال مترجم عن فورين أفيرز، نوفمبر (تشرين الثاني) / ديسمبر (كانون الأول) 2023
https://www.independentarabia.com/

اضف تعليق