سونر چاغاپتاي

 

يمثل الرقم القياسي المنتظر للعلويين الأتراك المتوقع دخولهم إلى البرلمان التركي - والذي ينتمي معظمهم لـ «حزب الشعب الجمهوري» المعارض - إحدى القوى المحركة الرئيسية التي نشأت في فترة ما قبل الانتخابات التركية المزمع انعقادها في 7 حزيران/يونيو. فللمرة الأولى، ربما ستمثل نسبة العلويين في المجلس التشريعي ما يقرب من نسبتهم من إجمالي عدد السكان في تركيا. وسيكون لهذا التطور وقعاً على المشهد السياسي التركي، حيث أن العلويين اليساريين ذوي الميول الليبرالية يعارضون بشدة «حزب العدالة والتنمية» المحافظ جداً وربما يبادرون بتشكيل جبهة غير رسمية مناهضة لـ «حزب العدالة والتنمية» في البرلمان. ومن جانبه، قد يرد «حزب العدالة والتنمية» برسم «حزب الشعب الجمهوري» على أنه حزب علوي موحياً أن السنة يصوتون لـ «حزب العدالة والتنمية» وأن العلويين يصوتون لـ «حزب الشعب الجمهوري». ومن شأن هذا التحرك أن يهمّش «حزب الشعب الجمهوري» ويواصل تعزيز سلطة الحزب الحاكم.

المشهد السياسي للعلويين والتمثيل المتدنّي

يدين العلويون بنسخة تركية للإسلام تتسم بالانفتاح وتستمد إلهامها من الصوفية. وعلى الرغم من ارتباط اسمهم بـ "العلويين العرب في منطقة الشام"، فإن العلويين الأناضوليين الذين يتحدثون التركية والكردية يمثلون جماعة مستقلة بذاتها. ويشكل العلويون 10-15 في المائة من سكان تركيا البالغ عددهم 77 مليون نسمة، بينما يشكل الأتراك من أصل علوي مجتمَعاً أصغر بكثير يقدر بأقل من مليون نسمة. وتمارس هذه الفئة الثانية إسلاماً باطنياً بالغ الالتزام يشترك فيه العلويون المؤيدون لنظام الأسد في سوريا. وبالرغم من اختلافاتهم، فإن العلويين الأتراك والعلويين العرب متحدون سياسياً في تركيا حيث تجمعهم الشكوك في الميول السنية لـ«حزب العدالة والتنمية»، بما فيها دعم الحزب للمتمردين السنة في سوريا. وتنتهج كلتا الجماعتين نهجاً علمانياً قوياً في تحركاتهما السياسية؛ إذ تصوتان بأعداد هائلة لصالح «حزب الشعب الجمهوري» وأحزاب يسارية أخرى.

ولطالما شكل العلويون في المجلس التشريعي التركي المكوّن من 550 مقعداً نسبة تقل بكثير عن حصتهم من إجمالي سكان البلاد عموماً والتي تمثل ما بين 3-5 في المائة. ويرجع هذا التمثيل الضعيف لعدة أسباب. أولاً، على الرغم من أن [عضوة البرلمان] نائب «حزب الشعب الجمهوري» صباحات أكيراز قد أشارت في عام 2012 إلى أن 75 في المائة من العلويين يميلون إلى تأييد حزبها في الانتخابات، فإن قيادة «حزب الشعب الجمهوري» اعتادت أن تتعامل مع هذا التأييد كأمر مفروغ منه، كما أن نسبة ضئيلة من نواب الحزب هم من العلويين.

ثانياً، على الرغم من أن ما يقدر بـ 10-20 في المائة من العلويين الأتراك يتحدثون الكردية، إلا أنهم لا يزالوا يعرّفون أنفسهم كعلويين في المقام الأول وليس أكراد. وبالتالي، فإنهم عادة لا يدعمون الأحزاب القومية الكردية اليسارية مثل «حزب ديمقراطية الشعوب» مما يحد من طريق محتمل آخر للتمثيل البرلماني (ولكن، كما مبيّن أدناه، سيستمر الحزب في إشراك عدد قليل من المرشحين العلويين).

ثالثاً، فشلت البرامج الانتخابية المتحفظة للأحزاب اليمينية في جذب الناخبين العلويين. ونتيجة لذلك فإن تمثيل النواب العلويين في الوفود البرلمانية لهذه الأحزاب يقرب إلى الصفر. على سبيل المثال، لا تضم قائمة «حزب العدالة والتنمية» في انتخابات 7 حزيران/يونيو أي مرشحين علويين، ويوجد نائب علوي واحد فقط من بين إجمالي ممثلي الحزب في البرلمان الحالي البالغ عددهم 312 نائباً. وعلى نحو مماثل، لدى «حزب العمل القومي» اليميني مرشح علوي واحد فقط في قائمة انتخابات حزيران/يونيو.

وحتى عند الأخذ بعين الاعتبار ضعف تمثيل العلويين في المشهد السياسي التركي، فإن حكم «حزب العدالة والتنمية» - الذي تولّى السلطة عام 2002 - يمثّل تهميشاً شبه تام للعلويين وفريداً من نوعه في تاريخ تركيا الحديث؛ فلا يوجد علويون في قيادة الحزب الحاكم أو في وزراء الحكومة الستة وعشرين. والأهم من ذلك، لا يوجد علويون بين واحد وثمانين حاكم بلدية أو بين واحد وثمانين قائداً للشرطة البلدية أو بين الستة وعشرين وكيل وزارة؛ إذ تتولى الحكومة المركزية عملية شغل المناصب البيروقراطية الرئيسية. وعلى خلفية الذكريات التاريخية للاضطهاد في ظل الإمبراطورية العثمانية، أدى التهميش المتواصل إلى قيام الكثير من العلويين بمعارضة «حزب العدالة والتنمية» من خلال اللجوء إلى سياسات ومظاهرات الشوارع. فعلى سبيل المثال شاركت أعداد كبيرة منهم في حركة احتجاجات "ميدان تقسيم" الليبرالية عام 2013 حيث نظموا المسيرات وأسسوا العديد من المنظمات غير الحكومية.

الانتخابات التمهيدية لـ «حزب الشعب الجمهوري» والمد العلوي

عادة ما تحدد الأحزاب التركية هوية مرشحيها للانتخابات التشريعية في إطار تنازلي - أي عملية تدار من الأعلى إلى الأسفل - يتولى خلالها رئيس الحزب بمفرده أمر اختيار من يترشح للانتخابات. مع ذلك، نظم «حزب الشعب الجمهوري» هذا العام انتخابات تمهيدية داخلية في آذار/مارس جرت في أغلب الدوائر الانتخابية في البلاد، في محاولة منه لحشد قاعدته الشعبية والسماح لمرشحين جدد بالبروز من الأوساط الشعبية.

وقد فاق هذا النهج كافة التوقعات منتجاً قائمة تتسم بتنوع كبير. على سبيل المثال، ظهر في قوائم مرشحي «حزب الشعب الجمهوري» رقماً قياسياً للسيدات بلغ ثماني وأربعين مرشحة. كما أضاف رئيس الحزب، الليبرالي كمال كيليجدار أوغلو، خمس وخمسين سيدة أخرى لإضفاء مزيد من التنوع إلى القوائم الانتخابية، وبذلك بلغ إجمالي عدد السيدات 103 سيدة. ولم يكتف بذلك بل أدرج سيدة أرمنية على رأس قائمة إحدى الدوائر الانتخابية في اسطنبول. وتشير نتائج الاقتراع أن ما بين خمس وعشرين إلى خمس وثلاثين سيدة من هؤلاء النساء قد يمثلن «حزب الشعب الجمهوري» في البرلمان في 7 حزيران/يونيو، مما يعني أن حصة نائبات الحزب سترتفع من 13.6 في المائة في المجلس التشريعي الحالي إلى نسبة قد تبلغ 25 في المائة.

أما العلويون فقد حشدوا أعداداً كبيرة على وجه التحديد للتصويت في الانتخابات التمهيدية لـ«حزب الشعب الجمهوري». وكان الصحفي التركي حسن كنبلاط قد أشار مؤخراً في إحدى مقالاته إلى أن ما لا يقل عن ثمانية وستين من المرشحين العلويين الفائزين في الانتخابات التمهيدية يحتمل أن يفوزوا بمقاعد في البرلمان المقبل. بالإضافة إلى ذلك، ربما يتم انتخاب عشرة علويين آخرين من قائمة «حزب ديمقراطية الشعوب» القومي الكردي (كما هو موضح أدناه). وهذا من شأنه أن يرفع نظرياً نسبة العلويين في المجلس التشريعي إلى ما يصل إلى 10-15 في المائة. وإذا ما حدث ذلك، سيكون تمثيلهم البرلماني مناسباً تقريباً لنسبتهم في عدد السكان - وذلك للمرة الأولى في التاريخ التركي الحديث، الأمر الذي سينهي حقبة طويلة من التهميش.

تكتل علوي؟

على الرغم من أن «حزب ديمقراطية الشعوب» لم يجري انتخابات تمهيدية، إلا أنه أدرج في النهاية عدداً غير مسبوق من العلويين في قوائمه، حيث اختار حوالي عشرة مرشحين علويين. وإذا تمكن الحزب من تخطي العتبة الانتخابية المقدرة بـ 10 في المائة المطلوبة لدخول الأحزاب للبرلمان، فسيتم انتخاب أغلب هؤلاء المرشحين. ويهدف «حزب ديمقراطية الشعوب» هذا العام إلى تجاوز تركيزه القومي الكردي التقليدي لكي يتخطى العتبة الانتخابية - ولم يتمكن الحزب من تجاوز نسبة 6.5 في المائة من الأصوات في الانتخابات العامة الماضية. ومن هذا المنطلق، تبنى الحزب برنامجاً ليبرالياً لجذب الناخبين ذوي التوجهات المدافعة عن حقوق المرأة والاشتراكيين والعلويين. وإذا نجح الحزب في تخطي العتبة الانتخابية، فمن المتوقع أن يفوز بـ 50 - 60 مقعداً في البرلمان وربما سيخصص 15-20 في المائة منها للنواب العلويين (لمعرفة المزيد عن سعي الحزب لعبور العتبة الانتخابية، انظر المرصد السياسي 2413، "الأكراد يرسمون خارطة تركيا السياسية") .

إذا جمعنا بين هذا العدد وتوقعات «حزب الشعب الجمهوري»، فربما سيضم البرلمان القادم ما بين ستين إلى سبعين نائباً علوياً أو ما بين خمسين إلى ستين إذا لم ينجح «حزب ديمقراطية الشعوب» في الوفاء بالنسبة المطلوبة للعتبة الانتخابية. وبالتالي، فإن تجمعاً علوياً غير رسمي على أعتاب الظهور في المجلس التشريعي (البرلمان التركي لا يقر نظام التكتلات الرسمية). إن معظم النواب العلويين المحتملين هم من الشباب، وعدد كبير منهم هو من النساء والمحامين والصحفيين والمدونين وناشطين في حقوق الإنسان/المنظمات غير الحكومية. بالإضافة إلى ذلك، يميل الكثير من العلويين المتحدثين باللغة الكردية المرشحين على قائمة «حزب ديمقراطية الشعوب»، إلى تعريف أنفسهم بالعلويين أولاً، وربما سيصوتون مع نظرائهم في «حزب الشعب الجمهوري» في القضايا الأساسية بما في ذلك فصل الدين عن الحكومة [الدولة]، والمساواة بين الجنسين، والتدريس الإجباري للإسلام السني لجميع الطلاب المسلمين إسمياً في المدارس الحكومية، وبصورة أكثر موضوعية، التركيز على التوجه التركي نحو الغرب.

التداعيات على السياسة التركية

ربما يُنظر إلى المد العلوي الذي يقترب من دخول المجلس التشريعي التركي على أنه جزءاً من تطور سياسي أوسع نطاقاً. وسيمثل البرلمان القادم تنوع المجتمع التركي على نحو أفضل؛ إذ ربما سيشهد رقما قياسياً في عدد النواب من النساء والغجر والأرمن واليزيديين والأرثوذكس والمسيحيين السريانيين. ومن جهتهم، قد يشكّل النواب العلويون جبهة غير رسمية لمجابهة الميول الاستبدادية والمحافظة جداً التي يتسّم بها «حزب العدالة والتنمية». وبالنظر إلى حجمها المحتمل، من غير المرجح أن تتمكن هذه الكتلة من تعطيل أي تشريع يقترحه «حزب العدالة والتنمية»، إلا أن تحركاتها [السياسية] قد تسهم في إحداث نقاش عام.

ومع ذلك، وكما ذكرنا آنفاً، من المرجح أن يستغل «حزب العدالة والتنمية» أي تشكيل لجبهة علوية ليطلق على «حزب الشعب الجمهوري» اسم "الحزب العلوي". ومن المتوقع أن يفوز «حزب الشعب الجمهوري» بـ 100 - 150 مقعداً في البرلمان، وسيحظى النواب العلويين بحصة كبيرة منها. وقبل إجراء الانتخابات الرئاسية في آب/أغسطس 2014، كان رئيس الوزراء آنذاك، رجب طيب أردوغان، قد وصف الحزب بأنه حركة علوية رغم حقيقة أن مرشحه، أكمل الدين إحسان أوغلو هو سني متدين. بيد، إن إطلاق هذه التسمية في الوقت الحالي قد يهمّش «حزب الشعب الجمهوري» ويحوّله إلى أفضل حزب أقلية من غير منازع. وبناءً على هذه المعطيات، يتمثل التحدي الذي يواجهه «حزب الشعب الجمهوري» في توسيع جاذبيته ونطاق برنامجه بحيث يتجاوز الترويج لحقوق العلويين. كما أن أولئك النواب العلويين الذين سينجحون في الفوز بمقاعد في البرلمان سيحتاجون إلى إظهار أوراق اعتماد غير طائفية من خلال مناصرتهم للحقوق والحريات العالمية، من بينها حقوق السنة المتدينين.

* سونر چاغاپتاي هو زميل "باير فاميلي" ومدير برنامج الأبحاث التركية في معهد واشنطن، ومؤلف كتاب "صعود تركيا: أول قوة مسلمة في القرن الحادي والعشرين" الذي سُمّي من قبل "جمعية السياسة الخارجية" كواحد من أهم عشرة كتب صدرت في عام 2014.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق