آراء وافكار - وجهات نظر

عام العمل الحقيقي

العولمة لم تجعل العالَم أرضا مستوية، بل جعلته عامرا بالجبال والتضاريس الوعرة. وأكثر من أي وقت مضى، أصبح الرمز البريدي للمكان الذي يعيش فيه المرء يحدد منظوره، ومصيره. وبدلا من الاستعاضة عن المثل الوطنية بالقيم المشتركة، أدت العولمة إلى منافسة جشعة ضارية، وانحدار دولة الرفاهة...
إيان غولدين/روبرت موغاه

أكسفورد - ينبغي لنا أن نأمل أن يكون 2019 العام الذي يتحول فيه المد التاريخي. في عام 2018، تزايد عمق الانقسامات داخل البلدان وبين بعضها بعضا. وفي حين أفضت التوترات الجيوسياسية والقَبَلية السياسية إلى تحول العلاقات الدولية والسياسة الوطنية، تأتي تكنولوجيات جديدة لكي تهدم افتراضات قديمة حول الأمن والسياسة والاقتصاد. وما يزيد الأمور تعقيدا تزايد عمق الترابط المتبادل الذي بات يميز مجتمعاتنا. فقد أصبحنا جميعنا خاضعين على نحو متزايد لقوى خارجة عن سيطرة أي كيان منفرد سواء كان دولة أو مدينة أو فردا، وخاصة عندما يتعلق الأمر بتغير المناخ.

يا له من فارق ذلك الذي أحدثته ثلاثة عقود من الزمن. في عام 1989، بدا الأمر وكأن انهيار الكتلة السوفييتية يبشر بانتصار مبادئ الديمقراطية الليبرالية وقيمها. كما وَعَد تطوير شبكة الإنترنت العالمية في ذلك العام بعصر جديد من الازدهار الإنساني والتعاون العالمي. وحتى في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، انتشرت عبارات شهيرة مثل "موت المسافات" و"العالم مكان مستو".

لكن العولمة لم تجعل العالَم أرضا مستوية، بل جعلته عامرا بالجبال والتضاريس الوعرة. وأكثر من أي وقت مضى، أصبح الرمز البريدي للمكان الذي يعيش فيه المرء يحدد منظوره، ودورة حياته، ومصيره. وبدلا من الاستعاضة عن المثل الوطنية بالقيم المشتركة، أدت العولمة إلى منافسة جشعة ضارية، وانحدار دولة الرفاهة الاجتماعية، وتآكل المؤسسات الدولية. وعلى الرغم من وجود عدد أكبر من الديمقراطيات اليوم من الناحية الفنية مقارنة بعام 1989، فإن العديد منها أصبحت ديمقراطيات أقل ليبرالية.

ليس من المستغرب أن يتضاءل الدعم العام للعولمة. ومن المؤكد أن هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 و"الحرب على الإرهاب" التي تجاوزت تكاليفها حتى الآن 5.6 تريليون دولار أميركي لم تكن من العوامل المساعدة. كما أدت الأزمة المالية في عام 2008 إلى تفاقم الأمور سوءا، بعد أن كشفت عن فشل الخبراء والمؤسسات في إدارة الترابط المتبادل والتغير التكنولوجي. وأدى الانقسام المتزايد الحِدة بين النخب وكل من "تخلفوا عن الركب" إلى تسميم السياسة لجيل كامل.

ومع ذلك، لم تكن خيبة الأمل في العولمة محصورة في الأغلب في دول أميركا الشمالية وأوروبا الغربية. ففي نهاية المطاف، ارتفعت ثروات القوى الناشئة في شرق وجنوب شرق آسيا، وأصبح معظم الناس في مختلف أنحاء العالَم في حال أفضل موضوعيا في الإجمال مقارنة بما كانت عليه أحوالهم قبل ثلاثين عاما. وخارج الغرب، تضاعف متوسط الدخل منذ سقوط سور برلين ــ وتضاعف إلى ثلاثة أمثاله في الصين. وزاد متوسط العمر المتوقع في العديد من الدول النامية بنحو خمسة عشر عاما، وتعلم ثلاثة مليارات شخص آخرين حول العالَم القراءة والكتابة.

ولكن على الرغم من كل هذا، ليس هناك ما يضمن استمرار هذا "التنوير الجديد" كما أسماه ستيفن بينكر من جامعة هارفارد في تحقيق التقدم. جاء عصر التنوير في القرنين السابع عشر والثامن عشر في أعقاب عصر النهضة، التي لم تكن مجرد فترة من الثورة العلمية والفنية فحسب، بل كانت أيضا فترة شهدت قدرا متصاعدا من عدم التسامح والتعصب، والحروب الدينية، واضطهاد العلماء والمفكرين.

كان العنف الرجعي أثناء وبعد عصر النهضة راجعا إلى حد كبير إلى فشل النخب في إدارة التغير السريع واتساع فجوات التفاوت الناجمة عن ثورة الطباعة. وينبغي للنخب اليوم أن تنتبه إلى هذه الحقيقة. كانت التداعيات المذهلة الناجمة عن غزو العراق بقيادة الولايات المتحدة والأزمة المالية في عام 2008 من الأسباب التي أدت إلى إلحاق الضرر العميق بالثقة في السلطات والخبراء. وما يوحد الشعبوية اليمينية واليسارية اليوم هو فكرة مفادها أن الحرس القديم خذلوا الناس في حين أحاطوا أنفسهم بشرنقة من الامتياز والحصانة.

وهم محقون. فقد خذلتنا السياسات المعيبة التي كان الهدف منها تشجيع العولمة وساهمت في اتساع فجوات التفاوت بين الناس. والآن، يهدد الذكاء الاصطناعي والتشغيل الآلي (الأتمتة) بإزاحة الوظائف الروتينية وزيادة حدة الانقسامات الاجتماعية. تُرى هل يتمكن القادة السياسيون والمواطنون من حشد القدر اللازم من الإرادة للتصدي للتهديدات المشتركة، أو أننا نتجه إلى المزيد من التفتت والتشظي؟ سوف يتوقف قسم كبير من الأمر على الخطوات التي ستتخذ في عام 2019. فالآن، أكثر من أي وقت مضى، يتعين علينا أن نتصارع مع محركات التغيير المتسارعة والمتزايدة الترابط.

لتحقيق هذه الغاية، يتعين على صناع السياسات أن يتخذوا خطوات حقيقية لحماية الفئات الأكثر ضعفا. الآن يجري خفض وتقليص شبكات الأمان الاجتماعي في وقت حيث أصبح الناس في مسيس الحاجة إليها. فبعد أن استنزفت الأزمة المالية موارد الحكومات وأنتجت ديونا مُعَوِّقَة، تسببت حكومات مثل حكومة الولايات المتحدة في تفاقم الأمور سوءا على سوء من خلال خفض الضرائب.

على نطاق أوسع، نحن في احتياج جميعا إلى التشمير عن السواعد والسيطرة على العولمة. وهذا يعني التخلي عن نموذج القرن العشرين الذي عفا عليه الزمن والذي يقسم كل السياسة إلى يسار ويمين، اشتراكية ورأسمالية. إن سياسة عام 2019 تستند إلى القيم، ولهذا السبب تنجح الأحزاب التي تستهوي المشاعر الوطنية وخيالات الحنين إلى الماضي في تطويق الأحزاب السياسية التقليدية.

كانت مشاعر الغضب والإحباط من العلامات الفارقة التي ميزت ثورة اليوم السياسية حتى الآن. لكن هذه المشاعر يمكن تسخيرها، بل يجب تسخيرها، لخدمة هدف التغيير البنّاء. ولتحقيق العولمة الشاملة، يتعين علينا أن نعالج فجوة التفاوت المتزايدة الاتساع، وأن نحتضن التنوع ونعمل على إنقاذ التعاون الدولي من شبح الأحادية.

الحق أن المخاطر في عام 2019 ستكون بالغة الجسامة. فعندما تكون السياسة مدفوعة بالتطرف، والخوارزميات، والأخبار الكاذبة، والتلاعب الخارجي، تصبح الديمقراطية ذاتها مهددة. وفي غياب مشاركة أكثر فعالية من جاب صناع السياسات والقادة السياسيين، يصبح الأمل في المستقبل ضئيلا للغاية. والواقع أن وتيرة التغيير المتسارعة، جنبا إلى جنب مع تزايد الترابط الدولي عمقا، تجعل التوصل إلى حلول مشتركة أمرا أشد صعوبة، وليس أكثر سهولة.

من المغري أن نحاول إيقاف الزمن والتراجع في مواجهة الاختيارات الصعبة. لكن التغييرات الجارية ستؤثر علينا جميعا، بصرف النظر عن كوننا مشاركين في المحادثة أو لم نكن. وعلى هذا فإن السبيل الوحيد إلى الأمام هو تحسين معارفنا وتوسيع مداركنا والتعامل مع أفكار معقدة. أما القيام بخلاف ذلك ولعب دور الضحية فهو دعوة صريحة للكارثة. فمن خلال تشكيل المستقبل بأنفسنا نصبح أقل خوفا من المستقبل. وما لم يتحرك الشجعان من البشر، فلن ينحني قوس التاريخ نحو العدالة أو النتائج المحسنة.

بعد مرور ثلاثة عقود من الزمن منذ سقط سور برلين، نعود مرة أخرى إلى مفترق الطرق، وتستعر نيران معركة الأفكار. وتفرض الجدران والأسوار الجديدة التي تبنى داخل وبين المجتمعات تهديدا بالغ الخطورة لمستقبلنا الجمعي. ولابد أن يكون عامنا هذا وقت إسقاط كل هذه الأسوار.

* إيان غولدين، أستاذ العولمة والتنمية ومدير برنامج أكسفورد مارتن للتغير التكنولوجي والاقتصادي بجامعة أكسفورد/روبرت موغاه، المؤسس المشارك للمعهد Igarapé ومجموعة SecDev
https://www.project-syndicate.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق


التعليقات

الكاتب الأديب جمال بركات
مصر
أحبائي
العولمة التي أرادها الغرب هي اعادة تبعية الدول التي كان يحتلها الإستعمار
وأن تتحرك هذه الدول وحكوماتها وشعوبها وفق ما يتخذه الغرب من قرار
بعض الدول سلمت بالأمر بالفعل وبعضها عارض فتم تدميره بقوة الأشرار
وهناك من تتربص به قوى الشر وتحيك المؤامرات ضده بعد أن قاوم الإنهيار
أحبائي
دعوة محبة
أدعو سيادتكم الى حسن التعليق وآدابه....واحترام بعضنا البعض
ونشر ثقافة الحب والخير والجمال والتسامح والعطاء بيننا في الأرض
جمال بركات....مركز ثقافة الألفية الثالث2019-01-08