بدأت تفشل خطة رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا مي، لإخراج بلدها من الاتحاد الأوروبي بطريقة منظمة. ورغم أنها نجت من تصويت عدم الثقة، فمن المؤكد أن مجلس العموم البريطاني سيرفض، في يناير المقبل، اتفاق الانسحاب الذي ناقشته مع قادة الاتحاد الأوروبي. ومن أجل تفادي انسحاب عشوائي...
جاسيك روستوفسكي

لندن- بدأت تفشل خطة رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا مي، لإخراج بلدها من الاتحاد الأوروبي بطريقة منظمة. ورغم أنها نجت من تصويت عدم الثقة، فمن المؤكد أن مجلس العموم البريطاني سيرفض، في يناير المقبل، اتفاق الانسحاب الذي ناقشته مع قادة الاتحاد الأوروبي. ومن أجل تفادي انسحاب عشوائي "بدون اتفاق" لبريطانيا، ستضطر حكومتها لطلب تمديد تاريخ خروج بلدها، أو سحب إعلان "نيتها بالمغادرة"، على الأقل بشكل مؤقت.

وفي كلتا الحالتين، ستكون الخطوة التالية هي تنظيم استفتاء للمرة الثانية، يضم خيارا يسمى الخروج من البريكسيت، الذي من شأنه أن يعكس قرار 2016 بالخروج. ولازال بإمكان المصوتين دعم اتفاق مي، واختيار اتفاق "على طريقة النرويج"، أو الخروج من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق. لكن الانتخابات الأخيرة تظهر أن اختيار البقاء في الاتحاد الاوروبي هو من سيفوز الحصة الكبرى من الأصوات.

كيف وصلت دولة لها 400 عام من الحكامة الدستورية ومن ثقافة التسوية السياسية إلى هذا المستوى؟

يشير معظم المُعَلِّقين إلى مشكل الحدود الايرلندية الذي يبدو أنه غير قابل للتسوية. وبموجب اتفاق الجمعة العظيمة لعام 1998، التي وضعت حدا لعقود من الاشتباكات العنيفة بين البروتستانت والكاثوليكيين في شمال إيرلندا، وافقت بريطانيا على التنقل الحر للأشخاص، وللبضائع ولبعض الخدمات عبر الحدود مع جمهورية إيرلندا. وتم التوقيع على اتفاق الجمعة العظيمة، وهي معاهدة مُلزِمة لا تنص على أي حكم بالانسحاب، بناء على اعتقاد أن بريطانيا وإيرلندا سيظلان معا في الاتحاد الأوروبي إلا ما لا نهاية.

ويضم اتفاق مي مع الاتحاد الأوروبي "حاجزا" من شأنه أن يمنع إعادة وضع حدود متينة بين إيرلندا الشمالية والجمهورية الايرلندية في غياب اتفاق تجاري رسمي لما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي. والمشكل هو أن ما يزيد عن 100 عضو في حزب مي رفضوا الحاجز بشكل كلي، وسيصوتون ضد اتفاقها فقط بسبب هذا الحاجز، مما سيؤدي إلى فشله في مرحلة مبكرة.

لكن الحقيقة هي أن الحاجز الايرلندي مسألة جانبية. فحتى لو لم يكن هناك أي مشكل ايرلندي، فسيكون انسحاب بريطانيا بشكل منظم أمرا مستحيلا في غضون مهلة السنتين التي منحت للمملكة المتحدة بموجب المادة 50 لمعاهدة لشبونة. وكما أشرت إليه في أكتوبر/تشرين الأول، فإن سلسلة الإمداد الصناعية مندمجة بعمق مع أوروبا القارية، إلى درجة أنها لن تستحمل الرسوم الجمركية المفاجئة وإجراءات المراقبة الأخرى على الحدود البريطانية. كما أن صناعات بريطانيا في مجال السيارات والطائرات وأدوات الدقة ستتعرض لضرر هائل.

ومن المؤكد أن العديد من الدول خارج أوروبا تصَدر كميات كبيرة من البضائع الصناعية إلى الاتحاد الأوروبي. ولكن على خلاف البضائع البريطانية، تَعبر تلك البضائع حدود الاتحاد الاوروبي مرة واحدة. وسيسري نفس القانون على البضائع البريطانية بعد فصل بريطانيا من شبكة سلاسل الإمداد الأوروبية. ويمكن مقارنة هذه المهمة وحدها بإعادة بناء الدول في الفترة ما بعد الشيوعية بعد انهيار مجلس التعاون الاقتصادي (منطقة التجارة في العهد السوفياتي). وإتمامها قد يستغرق خمس سنوات أو أكثر.

وكان من المفروض أن تعقد حكومة مي، بعد استفتاء 2016، جلسة نقاش بشأن الحُلة التي سيأخذها انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، بدلا من الاكتفاء بالقول أن "البريكسيت يعني البريكسيت". وكانت سيناريوهات إمكانية بقاء بريطانيا في السوق الموحدة وفي الاتحاد الجمركي أو كليهما، اقتراحا من الاتحاد الأوروبي. وكان ينبغي على الحكومة أيضا أن تفعل المزيد لإخبار مجتمعات الأعمال ببرامجها.

وعلاوة على هذا، إذا كانت نية بريطانيا دائما هي الخروج من السوق الموحدة واتحاد الجمارك، والإبقاء فقط على اتفاقية التجارة الحرة مع أوروبا، فكان من المفروض أن توضح الحكومة أنها ستحتاج إلى "فترة تطبيق" لمدة خمس سنوات على الأقل للقيام بهذا بشكل منظم. وخلال هذه الفترة ستكون ملتزمة بالقوانين الأوروبية- بما في ذلك التزامها بدفع 13 مليار € (16.4 مليار دولار) سنويا للميزانية الأوروبية. ولم يكن على مي استحضار المادة 50 قبل اتخاذ كل هذه القرارات، ومناقشتها مع جميع الأحزاب ذات صلة والموافقة عليها على الأقل، بشكل عام.

والسبب الوحيد وراء اتخاذ حكومة مي أسلوبا معاكسا هو أن كبراء السياسيين والبيروقراطيين لم يدركوا مدى ارتباط الاقتصاد البريطاني بأوروبا. كما أنهم غير مكترثين إن كان خروج سريع لبريطانيا وعقد اتفاقية التجارة الحرة أمران مستحيلان من الجانب اللوجستيكي.

لكن المشكل الأكبر هو أن اعتبارا متوازنا للخيارات الممكنة كان سيكشف الكذبة التي بُنيت عليها حملة "الانسحاب". وكانت فكرة أن بريطانيا يمكنها تأمين "اتفاق موصى عليه" والحفاظ على دخولها إلى السوق الموحدة "دون احتكاك" ومواصلة عقد اتفاقيات التجارة في مكان آخر، حلما يراودها.

وخوفا من العواقب السياسية التي ستنجم عن الاعتراف بهذه الحقيقة، اعتمدت مي استراتيجية تفاوضية غير واقعية بشكل كلي، في أمل أن يتم " البريكسيت" قبل اكتشاف البريطانيين أنها مبادرة مغشوشة. واليوم، قبل ثلاثة أشهر فقط من تاريخ الانسحاب، بدأت هذه الخطوة الخادعة تنهار أمام أعين مي - وهذا شيء منطقي.

* جاسيك روستوفسكي، وزير المالية ونائب رئيس وزراء بولندا من عام 2007 إلى عام 2013
https://www.project-syndicate.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق


التعليقات

الكاتب الأديب جمال بركات
مصر
الإنجليز يواجهون ورطة كبيرة ويحاولون الخروج منها لكن دون انكسار
الغالبية منهم أدركوا أن الإستفتاء عندما جاء وقت تنفيذه وضعهم في مأزق جبار
والحكومة والمعارضة والبرلمان يبحثون الآن عن مايجعلهم يتراجعون عن الخروج بأفضل خيار
الوضع الحالى بالنسبة لرئيسة الوزراء وضعها في ليل مظلم تحاول بكل جهدها البحث له عن أى نهار
أحبائي
دعوة محبة
أدعو سيادتكم الى حسن الحديث وآدابه...واحترام بعضنا البعض
ونشر ثقافة الحب والخير والجمال والتسامح والحياة بيننا في الأرض
جمال بركات...مركز ثقافة الألفية الثالثة2018-12-28