ومن سيكون الوصي على الأوصياء؟ كيف نضمن ألا يسيء حكامنا استخدام السلطة بحيث يحققون مصالحهم الخاصة وليس مصالح الشعب؟ إن أقوى درع يقينا إساءة استخدام السلطة هو أن يملك الشعب سلطة عزل من في السلطة من خلال الانتخابات. ومعرفة الحكام بإمكانية عزلهم من مناصبهم هي أقوى قيد يمنعهم من إساءة استخدام السلطة...
نايجل أشفورد    

 

كيف نقرر ما هو «لمصلحة الشعب»؟ كيف يستطيع المرء تحديد مصالح الشعب؟

ينبغي وضع مصلحة الجميع في الاعتبار عند اتخاذ القرارات، مع أنه لن يكون بالإمكان إرضاء الجميع. ومع ذلك ينبغي أن يكون الهدف تحديد المصلحة العامة للشعب بأسره، كالسلام والرخاء مثلًا، وليس تبني سياسات تحابي جماعة بعينها في المجتمع. إحدى المشكلات تتمثل في أن كل جماعة ستحاول رعاية «مصالحها الخاصة»، التي تستحق جميعها الاهتمام. إلا أن السياسات ينبغي أن تعكس «المصلحة العامة» الأوسع والأشمل.

تمكن الديمقراطية النيابية كل الجماعات من أن تحظى بفرصتها في التعبير عن مصالحها وآرائها، لكن ينبغي ألا تكون القرارات مجرد انعكاس لهذه المصالح الخاصة. مشكلة أخرى تتمثل في كيفية تحديد المصالح حين تكون الآراء مبنية على المشاعر والأهواء. إن التحديد المتأني المدروس للمصلحة العامة أمر ضروري. ولهذا، في الديمقراطية النيابية يُشجَّع أصحاب المصالح على عرض مصالحهم وآرائهم، لكن ينبغي ألا يكونوا هم أنفسهم صناع القرار، إذ ينبغي ترك هذه المهمة للنواب المنتخبين المسئولين أمام ناخبي الشعب.

وكثيرًا ما يُساء استخدام السلطة السياسية على يد من يمارسونها. لكن الديمقراطية هي النظام الأقدر على الدفاع عن الحقوق الطبيعية للناس وعن حرياتهم، إضافة إلى منع إساءة استخدام السلطة. ردًّا على دعوة أفلاطون لوضع السلطة في يد أوصياء حكماء، وجه أرسطو السؤال التالي: «ومن سيكون الوصي على الأوصياء؟» كيف نضمن ألا يسيء حكامنا استخدام السلطة بحيث يحققون مصالحهم الخاصة وليس مصالح الشعب؟ إن أقوى درع يقينا إساءة استخدام السلطة هو أن يملك الشعب سلطة عزل من في السلطة من خلال الانتخابات. ومعرفة الحكام بإمكانية عزلهم من مناصبهم هي أقوى قيد يمنعهم من إساءة استخدام السلطة.

إلا أن الشعب نفسه قد يمثل تهديدًا للحرية. وصف المفكر الفرنسي ألكسي دي توكفيل أكبر مخاطر الديمقراطية بأنه نابع من «استبداد الأغلبية». كان الآباء المؤسسون للولايات المتحدة واعين تمامًا للخطر الذي يتهدد الحرية من طرف من يملكون السلطة. وقد كتب ألكساندر هاميلتون في «الأوراق الفيدرالية» عام 1787 يقول: «البشر يعشقون السلطة … وإذا منحت السلطة للكثرة، فسيقمعون القلة. وإذا منحت السلطة للقلة، فسيقمعون الكثرة.»

وتحدث المؤرخ البريطاني اللورد أكتون عن الخطأ عينه في الديمقراطية فقال: «الضرر الوحيد المتغلغل في الديمقراطية هو استبداد الأغلبية، أو بالأحرى استبداد حزب بعينه، لا يمثل الأغلبية دومًا، والذي ينجح في الانتخابات إما بالقوة أو بالخداع.» لهذا تعد الديمقراطية الليبرالية ديمقراطية مقيدة، تضع القيود على سلطات الحكومة حتى حين تمارَس هذه السلطات بموافقة الأغلبية. ينبغي حماية حقوق الأقليات والأفراد.

ولكن كيف لنا أن نضمن أن مصالح الشعب هي الموضوعة في الاعتبار وليس فقط مصالح الحكام؟. عن طريق الانتخابات الدورية يعرف السياسيون أنهم لو أهملوا مصالح الشعب، فسوف يعزلون من مناصبهم. ابتكر جيرمي بنتام مفهوم المنفعة العامة، الذي يعد أساس الاقتصاد الحديث. كان يريد تحقيق «السعادة العظمى لأكبر عدد من الأفراد». وقد صار من دعاة الديمقراطية حين رأى أنها السبيل الوحيد الذي يضمن خدمة مصالح الشعب. تسعى الديمقراطية إلى ضمان تحقيق القدر الأعظم من مصالح الشعب. ومع أنه يستحيل تحقيق كل المصالح، فإنها جميعًا تدرس لأن كل فرد هو ناخب محتمل يمكنه الإسهام في الفوز بمنصب انتخابي أو الاحتفاظ به. يقول جون آدامز، أحد أوائل الرؤساء الأمريكيين: «بما أن سعادة الشعب هي الغاية الوحيدة للحكومة، فإن رضا الشعب هو الأساس الوحيد الذي تقوم عليه، من ناحية المنطق، والأخلاق، والتوافق الطبيعي للأمور».

أغلب الناس غير مهتمين بالسياسة، فلديهم أمور أفضل يفعلونها في حياتهم: ككسب الرزق، أو قضاء الوقت مع أحبائهم، أو الاستمتاع بمباهج الحياة. لا تتطلب الديمقراطية أن يمنح الناس اهتمامًا للسياسة أكثر مما يرغبون. والحد الأدنى هو ممارسة عملية التصويت. ويُشجع الناخبون على متابعة النقاشات السياسية، لكنهم غير مطالبين بالانخراط فيها.

لكن بخصوص القلة المهتمة بالسياسة، أي الأفراد المتابعين لها، توجد فرص عديدة للمشاركة. توفر الديمقراطية فرصًا للمشاركة من خلال المناقشات والمناظرات العامة، وممارسة حق التصويت، وتأييد المرشحين للمناصب الحكومية. رأى جون ستيوارت ميل أن المشاركة السياسية أمر محبذ للغاية لأنها تعزز في ممارسيها التطور الفكري والفضائل الأخلاقية والفهم العملي. ويمارس السياسة من يملكون الوقت والاهتمام والطاقة التي يمكنهم تسخيرها للسياسة. إن مشكلة الديمقراطية المباشرة أو ديمقراطية المشاركة هي نفس مشكلة الاشتراكية التي عبر عنها أوسكار وايلد قائلًا: إنها تستنزف عددًا أكبر مما ينبغي من الأمسيات. ومع ذلك يمكن للناخبين العاديين الاستفادة من النقاشات الدائرة بين أصحاب الوعي السياسي حين يرغبون في ذلك وعند الانتخاب. أطرى توماس جيفرسون، الرئيس الأمريكي واضع «إعلان الاستقلال»، على قيمة التثقيف السياسي بقوله: «لا أعرف مستودعًا أكثر أمنًا لسلطة المجتمع المطلقة من الناس أنفسهم، وإذا اعتقدنا أنهم غير مستنيرين بما يكفي لممارسة سيطرتهم بتعقل كامل، فلن يكون العلاج هو سلبهم تلك السلطة، بل توجيه وعيهم من خلال التثقيف والتعليم السياسي.»

ارتكز تشكك الإغريق في الديمقراطية جزئيًّا على الخوف من أن الدهماء، أو العامة الجهلاء، كانوا غير مؤهلين على الإطلاق لاتخاذ القرارات. فالعامة يمكن توجيههم من خلال اللعب على الأهواء والمشاعر والغرائز، كالحسد والغضب، وليس المنطق والتفكير العقلاني. الديمقراطية النيابية مصممة لضمان التدبر الكامل في تداعيات وعواقب أي قرار قبل اتخاذه. فعلى العامة التفكير في القضايا بحرص وتقديم آرائهم المتعددة. ويجب أن يملك النواب المنتخبون الوقت والمعرفة والحكمة لمناقشة ودراسة القوانين والقرارات التي تُتخذ نيابة عن الشعب. ولهذا السبب ينبغي أن تكون الديمقراطية نيابية، لا مباشرة.

وهذا هو السبب أيضًا وراء ضرورة أن يكون الموظفون المنتخبون نوابًا لا مندوبين مقيدين بآراء الناخبين. عبر إدموند بيرك عن هذه الفكرة في خطابه إلى ناخبي بريستول قائلًا: «إن نائبكم مدين لكم ليس باجتهاده فقط، بل برأيه وحسن تقديره، وهو يخونكم، ولا يخدمكم، إذا ضحى بذلك لاتباع آرائكم.» ينبغي ألا يكون مجلس النواب تجمعًا فقط للسفراء الممثلين لمصالح متباينة، بل هو «تجمع تشاوري مدروس لأمة واحدة، من أجل مصلحة واحدة، هي مصلحة الكل». فكل نائب موجود هناك للتفكر في مصالح المجتمع أو الأمة كلها، وليس فقط مصالح من انتخبوه.

ويمكن القول أن النظم السياسية تحتاج إلى الاستقرار، مع القدرة على اتخاذ القرارات على المدى البعيد. ويتحقق الاستقرار على النحو الأمثل من خلال الشرعية، أي سلطة اتخاذ القرار، أو «الحق في الحكم». وتحتاج الدولة إلى أن تحظى بقبول الشعب لحكمها — حتى حين يرفض الشعب قرارًا معينًا — لا سيما قبول من هم خارج السلطة. ليس على الشعب الموافقة على كل قرار، بل على الكيفية التي تُتخذ بها القرارات، أي العملية ذاتها وليس النتيجة. وغالبًا ما توفر الديمقراطية الليبرالية الشرعية أكثر من أي نظام حكم آخر، لأن السلطة تمارس بموافقة الشعب وقبوله. فكل شخص لديه فرصة التعبير عن رأيه ومصالحه، والمشاركة في العملية، والسعي للوصول إلى السلطة. ويُمنح القبول للدولة أو الحكومة من خلال انتخابات منتظمة مفتوحة. وتحظى الديمقراطية باستقرار أكثر من أي نظام آخر لأنها تحظى بالشرعية في أعين الشعب.

وتعني الديمقراطية ما هو أكثر من حق الفرد في التصويت. إنها تستلزم سمات معينة كي تكون ديمقراطية فعالة.

ينبغي أن يكون لكل فرد تقريبًا الحق في التصويت، فهو حق عام. فإذا كنا نريد أن نضمن أن مصالح كل المواطنين موضوعة في الاعتبار، على أقل تقدير، فمن حق كل فرد أن يشارك في التصويت، وأي استثناء يجب تبريره بحجة دامغة، ككون الفرد طفلًا مثلًا.

لا بد أن تكون هناك انتخابات حرة مفتوحة دورية. حرة بمعنى أن يتمكن المصوتون من ممارسة حقهم في التصويت دون ضغوط غير مشروعة، ولهذا تكون عملية التصويت سرية عادةً. كما يجب أن تكون مفتوحة، بمعنى أن يحظى كل شخص بفرصته في الترشح للانتخابات، وأن يقدم نفسه للناخبين. كما ينبغي عقد الانتخابات كل 3 إلى 5 سنوات، وذلك لتوفير التوازن بين ضمان سرعة الاستجابة، بحيث لا تطول الفترات بين الانتخابات، وبين المسئولية، بحيث تحظى نتائج أفعال الحكومة بفرصة الظهور أمام الشعب قبل أن يصدر حكمه على أداء الحكومة.

ولا بد أن توجد تعددية حزبية. وبالرغم من مزاعم بعض الدول الشيوعية والأفريقية، فلا وجود لديمقراطية الحزب الواحد. فإذا كنا نرغب في جعل الأحزاب متجاوبة مع رغبات الناخبين، وفي تجنب الاستبداد، فمن الضروري أن يحظى الناخبون بفرصة عزل الحزب الحاكم والاستعاضة عنه بحزب آخر. تضمن التعددية الحزبية أيضًا أن تكون نقاط ضعف كل الأحزاب موضع مناقشة وأن تكون معلنة على الجمهور قبل عملية التصويت. وهنا تلعب المعارضة البناءة دورًا محوريًّا.

ولا بد من ضمان حرية التعبير والترابط. فكل شخص من حقه التعبير عن رأيه. وهل من وسيلة أخرى يستطيع بها النواب تحديد ما هو في مصلحة الشعب؟ كما ينبغي أن يتمتع كل شخص بحرية الاتحاد مع آخرين لعرض آرائهم ومصالحهم، لذا من الضروري وجود حرية تكوين الأحزاب وجماعات المصالح.

ولا بد من وجود قيود وتوازنات. فمن أجل تجنب خطر استبداد الأغلبية أو الأقلية، ينبغي ألا تركز السلطة في يد شخص واحد أو مؤسسة واحدة. لذا، في الديمقراطيات الليبرالية، توضع القيود والتوازنات لمنع تركيز السلطة، لا سيما في يد السلطة التنفيذية. ويجب على السلطة التشريعية أن تحاسب السلطة التنفيذية على أفعالها. وعادة تنقسم السلطة التشريعية إلى مجلسين تشريعيين، يُختار أعضاء كل منهما بصورة مختلفة. وينبغي فصل السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية. ويجب أن تكون مجالس الحكم المحلي قوية.

ولا بد من وجود دستور يحدد قواعد وإجراءات عمل الحكومة. وعادة يوضع الدستور في وثيقة واحدة، لكن كل نظام يقوم على مزيج من القواعد المكتوبة والفهم أو القناعات الضمنية. ولا بد من سيادة القانون، لا سيادة الأفراد، حتى يعرف الجميع القواعد التي يُحكمون بها. وعادة تتجنب الديمقراطيات الليبرالية وضع دساتير مسهبة في التفاصيل، على نحو يفتقر إلى المرونة، أو دساتير تنص على سياسات معينة قد تصبح قديمة وغير ملائمة مع مرور الوقت.

الديمقراطيات الليبرالية ليست مثالية لأنها تسعى للموازنة بين التمثيل النيابي والمسئولية، وأن تتجاوب مع رغبات الناخبين ومصالحهم، وفي الوقت ذاته تضمن اتخاذ قرارات سليمة تحقق نتائج إيجابية على المدى البعيد. وحتمًا لن يتحقق هذا التوازن بصورة كاملة. غير أنه ما من نظام سياسي آخر يسعى لتحقيق هذين الهدفين معًا. إن ثمن الديمقراطية هو جهد أبدي مبذول لضمان وجود حكومة نيابية ومسئولة في الوقت نفسه.

* نايجل أشفورد، باحث وكبير مسؤولي البرامج بمعهد الدراسات الإنسانية بجامعة جورج ماسون في آرلينجتون بولاية فيرجينيا
http://minbaralhurriyya.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق