مايكل يونغ

 

توماس فالاسيك | مدير مركز كارنيغي أوروبا- بروكسل

ليس ثمة رأي أوروبي "واحد"، لأن بلدان الاتحاد الأوروبي تنسج مع السعودية علاقات تتباين في مدى عمقها وطبيعتها. بيد أن معظمها يشعر بالقلق من أن سياسات هذه الأخيرة تهدّد بإطالة الأزمة في الشرق الأوسط. كما تتناب الدول الأكثر اهتماماً بهذه المسألة الخشية إزاء مصير آل سعود، واحتمال أن تنشب الفوضى في البلاد أو أن تخلف هذه الأسرة حكومة أكثر راديكالية. من هذه الزاوية بالتحديد جرت مقاربة حملات التطهير الأخيرة في السعودية، والتي طالت أمراء وشخصيات بارزة أخرى. صحيح أن ثمة أمل بأن تؤدي الإصلاحات الأوسع التي طرحها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى وضع اقتصاد البلاد على سكّة مستدامة فيتم بذلك تجنُّب الاضطرابات الاجتماعية، إلا أن الصحيح أيضاً أن الاعتقاد بأن السعودية لاتساعد على تهدئة الأمور في الشرق الأوسط، لايزال قائما.

 ميشيل دنّ | مديرة برنامج كارنيغي للشرق الأوسط في واشنطن العاصمة، وباحثة أولى في مؤسسة كارنيغي.

حتى الآن، تنقسم الآراء في واشنطن حول حملات التطهير السعودية، وما يرتبط بها من تحركات إقليمية، وفق الخطوط التالية: هل هذه خطوات ضرورية تَعدُ بتغيير حقيقي، أم أنها مجرد عملية انقضاض سيئة الإعداد على السلطة؟ كانت ردود فعل الرئيس دونالد ترامب ووزير الخارجية ريكس تيلرسون مختلفة بعض الشيء عما كانت عليه خلال أزمة قطر، فقد دعم ترامب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان من دون قيد أو شرط، في حين سلّط تيلرسون الضوء على الجوانب السلبية، وخاصة في ما يتعلق بزعزعة الاستقرار في لبنان. بيد أنه من الدقة أيضاً القول إن واشنطن الرسمية كانت في الواقع مُشتّتة الانتباه حين حدثت الاعتقالات: فترامب كان في آسيا، وأعضاء الكونغرس انشغلوا بمسألة الإصلاح الضريبي، هذا ناهيك عن أن اهتمام الرأي العام الأميركي كان منصبّاً على حادثة إطلاق النار الجماعي الأخيرة، وكذلك على الضربات المُوجعة التي انهمرت على رؤوس الجمهوريين في الانتخابات المحلية وانتخابات الولايات. وهنا كان السيناتور جون ماكين هو عضو الكونغرس الأول الذي طرح بعض التساؤلات حول هذه التطورات.

على أي حال، كان ثمة اتفاق بين المثقفين والخبراء في واشنطن على القول إن خطوات محمد بن سلمان كانت في آن جريئة وخطرة. بيد أن بعضهم (خاصة، ولكن ليس حصرياً، أولئك القريبين من اليمين السياسي) أطلّوا على المخاطر بكونها محاولة تستحق العناء، لا بل هي ضرورية، لتحقيق تحوّل اقتصادي ووقف تصدير الإيديولوجيا الوهابية. هذا في حين كان ثمة آخرون يشكّون أصلاً بأن يتحقق بالفعل مثل هذا التغيير الاقتصادي والإيديولوجي (الذي لطالما تمنّته واشنطن)، ولا يقاربون خطوات محمد بن سلمان سوى بكونها مجرد جهود لتعزيز سلطته قد تُزعزع على نحو طائش الاستقرار في المنطقة، وربما في داخل المملكة نفسها.

 ديمتري ترينين | مدير مركز كارنيغي- موسكو

الآن وقد باتت موسكو من جديد ناشطة أكثر في الشرق الأوسط، تجد نفسها في موقع يدفعها إلى بذل المزيد من الاهتمام بهذه المنطقة. لكنها أضحت كذلك أكثر حذراً، وتسعى إلى عدم استثارة عداء أي طرف، فيما هي تعزف على قيثارة مصالحها الخاصة. في هذه المرحلة، تُعتبر السعودية، وهي خصم سابق لروسيا، شريكاً محتملاً مهماً في كلٍ من مجالات الاستثمار في روسيا، والتسعير المشترك للنفط، وتجارة الأسلحة. وكان الملك سلمان قد قام مؤخراً بزيارة إلى موسكو، وأصبح بذلك أول ملك سعودي يقوم بهكذا خطوة. كما يُقال إن علاقة نجله محمد بن سلمان بالرئيس فلاديمير بوتين جيدة. وفي الوقت نفسه، تسعى موسكو إلى توسيع روابطها مع إيران: فقد عاد بوتين لتوّه من طهران، وشركة النفط الروسية "روزنفت" تتباهى بصفقة تبلغ 30 مليار دولار في إطار مشاريع مشتركة مع الإيرانيين.

الآن، وبعد قول كل ذلك، يمكن التأكيد أن روسيا تتابع التطوّرات في السعودية عن كثب وباهتمام شديد. وهي ترى أن خطوات محمد بن سلمان في الداخل والخارج شجاعة، لكنها تتضمّن مخاطر. ومع ذلك، تَعِدُ هذه الإجراءات بجعل المملكة دولة أكثر حداثة، وتدفعها إلى انتهاج سياسة أكثر استقلالية عن واشنطن، وحتى إلى ممارسة دور أكبر في المنطقة. وكل هذا يجعل الرياض لاعباً دولياً أكثر أهمية في عالم بات على نحو مطرد تعددي المركز، وهو أمر يُناسب تماماً الرؤية الروسية لتطوّر النظام العالمي. صحيح أن السياسات التي دشّنها محمد بن سلمان تفاقم التوترات مع إيران واليمن وقطر، والآن لبنان، إلا أن الكرملين مستعد كلياً للتعاطي مع العلاقات المعقّدة في هذه المنطقة، طالما أن مصالحه تؤخذ بعين الاعتبار.

 سي. راجا موهان | مدير مركز كارنيغي الهند، نيودلهي

قلّة من البلدان، عدا الولايات المتحدة والصين، تحتل أهمية محورية كالسعودية بالنسبة إلى أمن واستقرار الهند وشبه القارة الهندية عموماً، مع أنه يندر الاعتراف

بهذا. فالتوجّه الديني للمملكة، ومقاربتها للإرهاب العالمي، ودورها في اللعبة الجيوسياسية لمنطقة الخليج، وموقفها إزاء العمالة المهاجرة، كل هذا له مضاعفات جمّة على الهند.

في هذا السياق، أتت التطورات الأخيرة لترفع منسوب الأمل لدى نيودلهي بأن يحدث تطوّر إيجابي في نظام الحكم السعودي، لكنها أشعرتها في الوقت نفسه بالقلق من احتمال حدوث هزة عنيفة للاستقرار الإقليمي. ميل السعودية نحو الاعتدال الديني والتحديث السياسي، سيكون له تبعات إيجابية مهمة على أكثر من 500 مليون مسلم في شبه القارة الهندية، خاصة حين نتذكّر أن الدعم السعودي للإسلام المحافظ في شبه القارة الهندية كان في الماضي مشكلة كبرى. وفي الوقت نفسه، تعمّق الخلاف بين إيران والسعودية يمكن أن يزيد من حدة الصراعات الطائفية، ليس فقط في منطقة الخليج بل أيضاً في شبه القارة.

يتجسّد الاعتماد الاقتصادي المتبادل بين السعودية والهند في واقع أن الأولى هي المزوّد الرئيس للهند بالطاقة، كما أنها تستقبل نحو أربعة ملايين عامل هندي. ومع هبوط أسعار النفط، تقلّصت فاتورة الطاقة التي تدفعها الهند، لكن هذا يترافق مع جانب سلبي هو احتمال عودة أعداد كبيرة من العمال إلى بلادهم.

في كل العقود السابقة، كانت نيودلهي، التي اعتادت على وجود نظام سياسي ثابت ومستقر في السعودية، تركّز على التوسيع المطّرد للمجالات الإيجابية في العلاقات الثنائية، وعلى الحد دوماً من النواحي السلبية. وهي حققت نجاحات معقولة في هذا الصدد، خاصة في غضون العقد السابق، حين أضحت المملكة أكثر تجاوباً مع مخاوف الهند من الإرهاب، وانخرطت في تعاون سياسي أوسع معها. وتأمل نيودلهي الآن بألا تؤثّر الاضطرابات الأخيرة في السعودية على هذا المسار.

 مهى يحيَ | مديرة مركز كارنيغي للشرق الأوسط، بيروت

شكّل الضغط السعودي الواضح على رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري لدفعه إلى الاستقالة، تهديداً محسوساً وملموساً لاستقرار لبنان وأمنه، خاصة بعد أن أعقبت هذه الخطوة حملة إعلامية سعودية قاسية وغير معهودة تتّهم لبنان بإعلان الحرب على المملكة، وتطلب من اللبنانيين الاختيار بين السلام أو الرضوخ والامتثال لإيران وحزب الله. والواقع أن تحرُّك الحريري، على رغم بعض مشاهد ظهوره العلني، بدا خاضعاً بالفعل إلى قيود السلطات السعودية، الأمر الذي باعد مابين العديد من السنّة اللبنانيين وبين القيادة السعودية، لأنهم اعتبروا عملية احتجازه إهانة للسيادة الوطنية. هذا علاوةً على أن هذه الخطوة حملت اللبنانيين على إظهار وحدة وطنية نادرة، وإن هشّة، تجسّدت في مطالبة السياسيين، بمن فيهم زعيم حزب الله حسن نصر الله، وكذلك المواطنين العاديين، بعودة الحريري.

هذا التصعيد رفع وتائر المخاطر في منطقة مُترعة أصلاً بالتوترات، ووضع لبنان مباشرة في عين عاصفة نزاع إقليمي بين السعودية وإيران. وفي غياب أي استراتيجية واضحة لدى الرياض حول كيفية تحقيق أهدافها، يمكن تلمُّس ثلاثة سيناريوهات تُهيمن على النقاشات العامة في لبنان، وتثير جميعها مناخاً من القلق والمخاوف.

السيناريو الأول يفترض فرض حظر سعودي على لبنان وفق الطراز القطري، قد يتضمّن سحب الودائع الحالية، وتجميد التحويلات المصرفية المباشرة إلى لبنان، وطرد حوالى 160 ألف لبناني يعملون راهناً في السعودية ومعهم نحو 145 ألفاً في بلدان خليجية أخرى، وسد المنافذ أمام الصادرات اللبنانية. مثل هذه الإجراءات ستكلّف لبنان مليارات الدولارات من التحويلات وقد تقذف بالبلاد إلى شفير الإفلاس. السيناريو الثاني يتصوّر نزاعاً عسكرياً مباشراً، على رغم أن طبيعته وهوية الأطراف المشاركة فيه، سواء السعودية أو إسرائيل، لمّا تحدّدا بعد. بيد أن اللبنانيين يشعرون بالقلق من أن أي صراع عسكري لن يُسفر عن انهيار الحكومة وتدمير البلاد وحسب، بل قد يُشعل أيضاً فتيل نزاع إقليمي أوسع. أما السيناريو الثالث، فيفترض تسليح آلاف اللاجئين السوريين، من السنّة في الدرجة الأولى، ودفعهم إلى خوض غمار معارك في داخل لبنان ضد حزب الله. وبالطبع، مثل هذه التوقّعات تشعل إوار سرديات مناهضة للاجئين، خاصة في خضم حالة الغضب والحنق التي يشعر بها السوريون جراء دعم حزب الله لنظام الأسد، مايجعل مثل هذا السيناريو قابلاً للتحقّق بالنسبة إلى العديد من اللبنانيين.

بغض النظر عن أي من هذه السيناريوهات ستكون له اليد العليا، إلا أن كثرة من اللبنانيين يعربون عن القلق من دور إيران في المنطقة، لكنهم يشعرون في الوقت نفسه أن تدمير لبنان للتخلّص من حزب الله، سيكون بمثابة خلط الصالح بالطالح وتقويضهما معا. على أي حال، أي استراتيجية جديدة يجب أن تتضمّن التساؤل عما إذا ماكان بمقدور العالم تحمّل بروز دولة فاشلة عربية أخرى.

http://carnegie-mec.org

...........................

* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق