يغلب في توصيف نزول القرآن – مفرقا بوصفه منجما عند العلماء المسلمين المختصين بعلوم القرآن، ورغم انهم لم يستندوا الى دليل واضح من القرآن الكريم في تداول كلمة او لفظ منجما، بل ان القرآن نص على كلمة او لفظ فرقناه صريحا في توصيف نزول القرآن في قوله تعالى "وقرآنا فرقناه لتقرأه للناس على مكث ونزلناه تنزيلا" الفرقان، آية 32، الا ان توصيف منجما هو السائد الشائع عند هؤلاء العلماء، واحيانا يضيفون اليه مفرقا للتوضيح والتبيين، فقد ذكر السيوطي جلال الدين عبد الرحمن بن ابي بكر المتوفي سنة 911هجرية في كتابه "الاتقان في علوم القرآن" قائلا "نزل الى السماء الدنيا ليلة القدر ثم نزل بعد ذلك منجما في عشرين او ثلاث وعشرين سنة او خمس وعشرين سنة على حساب الخلاف في مدة إقامته صلى الله عليه واله وسلم بعد البعثة" - ج1، ص114- وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: أنزل القرآن في ليلة القدر الى سماء الدنيا جملة ثم أنزل نجوما – م ن، ج1، ص 115- وكان موضع هذا الكلام هو تبيان عدم نزوله دفعة او جملة واحدة مثل التوراة والانجيل وانما نزل مفرقا ومتواليا في نزوله.

لكن هناك رواية عن ابن عباس تحيل في مضمونها معنى منجما الى مواقع النجوم وليس الى معنى مفرقا في نزوله، فقد روى السيوطي انه قال: انزل في رمضان في ليلة القدر جملة واحدة ثم أنزل على مواقع النجوم رسلا في الشهور والايام – م ن، ج1، ص115- ورغم إفادة هذه الرواية عن ابن عباس أن القرآن نزل متتاليا رسلا ومتتابعا في الشهور والايام أي مفرقا، الا انه لم يتداول كلمة او وصف منجما، مما يحيلنا ذلك الى اعتبارها أي كلمة منجما من استعمالات المتأخرين من العلماء المختصين بعلوم القرآن الكريم، ويؤكد ذلك أيضا ماورد في روايات المؤرخ والمفسر ابي جعفر محمد بن جرير الطبري المتوفي سنة 310 هجرية في كتابه المعروف "جامع البيان عن تأويل القرآن" عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى "وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا " قال: كان الله ينزل عليه الآية فإذا علمها نبي الله نزلت أية أخرى " –ج 19، ص 15- 16- وكذلك روى عن ابن جريح في تفسير هذه الاية قوله: "كان القرآن ينزل عليه جوابا لقومه.......وقوله (ورتلناه ترتيلا) يقول: وشيئا بعد شيء علمناكه حتى تحفظه" ويروي المفسر الطبري ايضا عن إبراهيم في قوله تعالى "ورتلناه ترتيلا" قال: نزل متفرقا وكذلك روى عن الحسن في هذه الآية قوله: كان ينزل آية وآيتين وآيات جوابا لهم اذا سألوا عن شيء ---م ن، ج19، ص15-16 – بل ان المؤرخ والمفسر الطبري وقد عاش في القرن الثالث الهجري لم يتداول كلمة أو لفظ منجما في تفسير آية جملة واحدة بل قال " تنزيله عليك الآية بعد الآية والشيء بعد الشيء "– م ن، ج19، ص 15- لكنه نقل عن عكرمة وأخرين لم يسمهم كلمة منجما في توصيف نزول القرآن وسنمر على روايته في ذلك.

لكن الطبراني أخرج عن ابن عباس قوله: أنزل القرآن في ليلة القدر الى سماء الدنيا جملة ثم أنزل منجما – الاتقان في علوم القرآن، م س، ج1، ص115- الا أن الطبراني لم يعول كثيرا على حديث ابن عباس هذا في سنده إذ يقول فيه "سنده لابأس به" أما أبي حاتم فقد أخرج حديثا أخر عن ابن عباس خلاف الروايتين الاولى والثانية الآنفتين عن ابن عباس فقد روى حديثه "قال: نزل القرآن جملة واحدة من عند الله من اللوح المحفوظ الى السفرة الكرام الكاتبين في السماء الدنيا فنجمته السفرة على جبرائيل عشرين ليلة ونجمه جبرائيل على النبي محمد صلى الله عليه واله وسلم عشرين سنة " م ن، ج1، ص166-.

مما يحيلنا الى الشك في تداول ابن عباس كلمة أو لفظ منجما في توصيف نزول القرآن مفرقا وهو صريح قوله تعالى "وقرآنا فرقناه لتقرأه للناس" الاسراء، آية 15، بل اننا لا نجد ذلك التوصيف للقرآن مفرقا في نزول آياته بأنه منجما لدى عالم مفسر متأخر عن زمن الائمة والصحابة والتابعين هو أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي، وهو من أكابر علماء القرن السادس الهجري فهو يكتفي في تفسير آية "وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة " بقوله: "معناه وقال الكفار لرسول الله هلا أتيتنا بالقرآن جملة واحدة كما أنزلت التوراة والانجيل والزبور جملة واحدة قال الله تعالى" كذلك "أي نزلناه كذلك متفرقا" – مجمع البيان في تفسير القرآن، أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي،ج7، ص265- مما يكشف لنا عن عدم إجماع على تداولها في النصوص التفسيرية لآيات القرآن حتى هذا العصر من القرن السادس الهجري، لكنها وردت أيضا لدى عالم ومفسر كبير في هذا العصر وهو فخر الدين محمد بن ابي بكر الرازي المتوفي سنة 604 هجرية فهو من علماء القرن السادس الهجري أيضا فهو بعد أن يبين أسباب عدم نزوله جملة واحدة يبادر الى القول "أما لما نزل مفرقا منجما لا جرم نزلت التكاليف قليلا قليلا فكان تحملها أسهل" – التفسير الكبير، فخر الدين محمد بن عمر الرازي، ج 24، ص69- وهنا نشهد تحولا دلاليا مهما في توصيف آيات القرآن في تنزلها أو في توصيفها هي ذاتها بالنجوم..

تحولات الدلالة في توصيف النزول والآيات

لقد استعان المفسر الرازي بدلالة لفظ منجما في اللغة على معنى مفرقا رغم انه لم يرد في لسان العرب لابن منظور المتوفي سنة 711 هجرية صراحة دلالة "منجما" على "مفرقا" الا انه ذكر قول العرب "ونجم عليه الدية: قطعها عليه نجما نجما....وقد جعل فلان ماله على فلان نجوما معدودة يؤدي عند انقضاء كل شهر منها نجما وقد نجمها عليه تنجيما" - لسان العرب، أبن منظور، مادة نجم – أي بمعنى أن الدين – المال يرد متفرقا شهرا شهرا وليس دفعة أو جملة واحدة وهذا التأول في "نجما نجما" بمعنى متفرقا هو الذي قاد المفسرين الى اعتماده في توصيف نزول القرآن وتحول دلالته مباشرة الى "مفرقا "، قال ابن منظور " جاء في التفسير أيضا أن النجوم نزول القرآن نجما بعد نجم وكان تنزل منه الآية والآيتين".

بل ذهب المفسرون أكثر من ذلك في تحول دلالة النجوم لفظا ومعنى الى معنى الآيات فقد جاء في التفسير في قوله تعالى "فلا أقسم بمواقع النجوم" عنى نجوم القرآن، لأن القرآن أنزل الى سماء الدنيا جملة واحدة ثم أنزل على النبي آية آية " – م ن، مادة نجم – لكن المفسر الرازي كان قبل ذلك قد أشار الى دلالة النجوم على آيات القرآن بقوله "أن القرآن لما نزل منجما مفرقا..... فكأنه تحداهم بكل واحد من نجوم القرآن" وهو يعني كل واحدة من آيات القرآن – التفسير الكبير، م س، ج24، ص69 - وتذهب دلالة مواقع النجوم في قوله تعالى "فلا أقسم بمواقع النجوم" عند المفسر الرازي الى قلوب المؤمنين من عباده وملائكته ورسله وصالحي المؤمنين، ويتوسع الرازي في دلالتها الى إشارة مواقع النجوم الى معاني الآيات وأحكامها التي وردت فيها– م ن، ج29، ص163 – وفق قوله، وحديث الرازي هنا عن مواقع النجوم وليس عن النجوم ذاتها التي تعني لديه في وجه من وجوهها آيات القرآن.

وينقل المفسر الطبرسي عن غيره في تفسير آية مواقع النجوم إنها مواقع نزول القرآن نجوما على النبي محمد "صلى الله عليه وآله وسلم" - مجمع البيان، م س، ج9، ص339 – لكنه لم يتبن هذا القول أو يؤيده، ورغم ان المفسر الطبري لم يتداول في نصه كلمة أو لفظ منجما في توصيف نزول القرآن مفرقا، إلا إنه نقل عن بعضهم في تفسير قوله تعالى "فلا أقسم بمواقع النجوم" قولهم "معناه: فلا أقسم بمنازل النجوم، وقالوا: أنزل القرآن على رسول الله نجوما متفرقة" - جامع البيان عن تأويل القرآن، م س، ج 27، ص 238 – لكنه نقل عن الاعمش عن مجاهد أن مواقع النجوم التي أقسم الله تعالى بها هي محكم القرآن وعن أبن عباس هي مستقر الكتاب أوله وأخره، وعن آخرين أقسم بمساقط النجوم – م ن، ج27، ص 238 –.

وهكذا لانجد إجماعا لدى علماء التفسير المتقدمين على دلالة النجوم أو نجوما على معنى متفرقا أو مفرقا أو تداولهم كلمة أو لفظ منجما للدلالة على مفرقا، لكن تحول دلالتها الى متفرقا أو مفرقا جاءت عند المفسرين المتأخرين لاسيما مع إستخدامهم كلمة أو لفظ منجما بمعنى مفرقا، كثيرا في نصوصهم التفسيرية وكذلك كلمة أو لفظ نجوما، وقد صرح الشيخ محمد باقر المجلسي المتوفي سنة 1111 هجرية، أن مواقع النجوم هي مساقطها ومغاربها أو منازلها ومجاريها وأضاف وقيل: النجوم نجوم القرآن، ومواقعها أوقات نزولها – بحار الانوار، محمد باقر المجلسي، مج 22، ص268- ويفهم من هذا القول أن نجوم القرآن هي آياته، ومواقعها هي أوقات نزولها مما يعكس توسعا أخر في دلالة مواقعها أي النجوم.

ونجد هذا التوسع في الدلالة أو التحول في هذه الدلالة عند السيوطي فقد نقل عن أبن أشته في حديث أخرجه في كتاب المصاحف عن عكرمة قال: أنزل الله القرآن نجوما ثلاث آيات واربع آيات وخمس آيات – الاتقان، م س، ج1، ص120- لكن ما يلفت نظر الباحث أن المفسرين المتأخرين اعتمدوا الرواية عن عكرمة من المتقدمين في دلالة منجما أو نجوما على مفرقا أو متفرقا، ومنحوها توثيقا أكبر باعتمادهم أيضا رواية إبن عباس، لكن الرواية عن ابن عباس كانت قد اختلفت في تداوله أو استخدامه كلمة أو لفظ منجما بمعنى مفرقا مثلما مر معنا في البحث...

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق