آراء وافكار - دراسات

الحياة المرئية وغير المرئية في تقريب القرآن الى الاذهان

سورة الحاقة:39 – 40 نموذجا

بسم الله الرحمن الرحيم
فلا اقسم بما تبصرون. وما لا تبصرون [1]
صدق الله العلي العظيم

نجد في هذه الآية الحياة المرئية وغير المرئية، فالحياة هي الدنيا وتعني الدانية اي القريبة، وربما سميت هذه الحياة بالدنيا، لأنها اقرب الينا، وبهذا فهي لا قيمة لها، وحق ان توصف كذلك لان الله تعالى وصفها بالمتاع القليل، اي الذي لا قيمة له، قبل الحياة الاخرة التي وصفها بالحياة الحقيقية [2]

فهي (الحياة): (قوة ينشأ عندها الحس والحركة وانها مشروطة باعتدال المزاج والاعضاء الرئيسية التي تديم الدورة الدموية، والمراد بالمزاج التركيب يصل من تعادل قوى واجزاء بحسب ما اقتضته حالة الشيء المركب من انبثاث الروح الحيواني، فباعتدال ذلك التركيب يكون النوع معتدلا، ولكل صنف من ذلك النوع مزاج يخصه بزيادة التركيب، لكل شخص من الصنف مزاج يخصه ويتكون ذلك المزاج على النظام الخاص، تبحث الحياة في ذلك المزاح في ابان نفخ الروح فيه وهي المعبر عنها بالروح النفساني) [3]

اما المرئي وغير المرئي فهما الحواس المتمثلة بالبصر، فالحس ينقسم الى ظاهري وباطني المسمى بـ (الوجدان)، فالحس الظاهري عبارة عن جهاز يحتوي على مجموعة الات تمكن النفس من اكتشاف الخارج المادي، وكل واحدة من هذه الآلات قد ركبت بنحو يتعرف بواسطتها على نوع من الكيفيات المحسوسة المختلفة وقنواتها الجوارح الخمس، المتصلة مباشرة بالمادة، وهي: اللمس، الذوق الشم، السمع، البصر، فهذه الجوارح الخمس تشترك جميعا في كونها لا تدرك الا الكيفيات المادية (الكيف المحسوس)، حيث لاتدرك الاشياء التي لا كيفيات مادية لها، من قبيل الكيفيات النفسانية كالحزن والفرح [4]

ولعلي اجد هنا من اللطيف الاشارة الى مناقشة بين الفلاسفة المسلمين والماديين العلمانيين، حيث كتب بتاريخ 24/8/2000م عنوان هو/ سؤال للماديين بقي يتيما هل الحس محسوس؟ بنى الماديون فكرهم ودينهم على النظرية الحسية القائلة (كل شيء غير محسوس فهو غير موجود) وقد وجه بعض الفلاسفة المسلمين اليهم سؤالا فقالوا: انتم تؤمنون بوجود الحس وتجعلونه اصل نظريتكم واساسها، لكن الحس من الغيب غير المحسوس فان قلتم هو محسوس، فباي الحواس اثبتم وجود الله، بالبصر او السمع او الشم او الذوق او اللمس؟! وقد وجه هذا السؤال الى الماديين لكنه بقي يتيما بلا جواب! ومعنى ذلك اقرارهم بان النظرية المادية مبنية على امر غير مادي وغيبي!، فهم مجبرون على الايمان بالغيب ونحن نؤمن به مختارين والحمد لله [5]، ولو رجعنا الى الحواس الخمس لوجدنا انها تختلف من حيث الرتبة والشرف، فالإدراك اللمسي يعتبر ادناها رتبة، لتوقفه على الاتصال المباشرة، وبخلاف حاستي الشم والذوق فأنها ارفع منه رتبة، لكون ادراكهما اكثر تفصيلا وادق تميزا وهو مع ذلك لا يحتاج الى المماسة، كما ان الشم ارفع من الذوق، لقدرته على ادراك المحسوس من بعيد دون الذوق، اما البصر والسمع فهما ارفع من الشم، لكون ادراكهما للأشياء عن مسافة ابعد، مع انه اكثر تفصيلا، ولا يفتأ الانسان في النوم وعند الموت، ولعل هذا السبب هو الذي جعل القرآن الكريم يحتج دائما بالسمع والبصر [6]، وما يهمنا هنا البصر حيث قال تعالى: (فلا اقسم بما تبصرون. وما لا تبصرون).

اذا فالحس ليس مدخلية في التصديقات، وانما الحاكم المطلق هو العقل، نعم للحس مدخلية بالعرض في الحكم بالنسبة للقضايا الحسية، كوجود الشمس وكون النار حارة والثلج ابيض.

وبهذا كان الاعتقاد السائد في الماضي ان الابصار يحدث نتيجة خروج شعاع من العين يسقط على الجسم فتتم رؤيته، وقد ثبت خطأ هذا الاعتقاد بعد تقدم الدراسات التشريحية والوظيفية للعين، واستخدام العديد من التحليلات البصرية لفهم كيفية حدوث الابصار، وقد اثبتت هذه الدراسات حدوث الابصار نتيجة خروج شعاع من العين يسقط على الجسم، ثم ينعكس ليسقط على العين مرة اخرى، وعملية الانعكاس تتم للون واحد (طول موجى واحد) من الوان الطيف السبعة المكونة لشعاع الشمس المرئي وهي الاحمر، الازرق، الاخضر، البنفسجي، البرتقالي، الاخضر، النيلي، ومن ثم فوجود الشمس اساسي لحدوث عملية الابصار، فلا يمكن حدوث الابصار في الظلام لعدم وجود الاطوال الموجية للأشعة المرئية والتي يمكن للأجسام امتصاص بعضها وعكس الاخر لترى به عند سقوطه على شبكية العين، ومن ثم اتجه فكر العلماء للتغلب على هذه المشكلة الى محاكاة النظام الكوني الموجود بإيجاد بدائل يمكننا من خلالها توفير الاشعة الضوئية المرئية، ويمثل ذلك في مختلف وسائل الاضاءة الحديثة، وعند سقوط الشعاع الضوئي على شبكية العين تحدث اثارة لبعض البروتينات الموجودة على سطح الشبكية، تنقل هذه الاثارة للعصب البصري، ثم الى مركز الابصار بالمخ حيث يتم ترجمة الرسالة العصبية الى اوامر تصدر في صورة استجابة من جسم الانسان – الكائن الحي بوجه عام – اتجاه الجسم المرئي.

لم يستطع كشف حقيقة الابصار، واهمية وجود الشعاع الشمسي المرئي لحدوثه الا بعد تقدم الدراسات البصرية حديثا وقد اشار القرآن الكريم الى تلك الاهمية منذ اكثر من اربعة عشر قرنا من الزمان، وذلك في قوله تعالى: (وجعلنا الليل والنهار ايتين فمحونا اية الليل وجعلنا اية النهار مبصرة) [7]، والتعبير يكون النهار مبصرا في قوله تعالى (النهار مبصرا) انما المراد به الاشعة المرئية المضيئة للنهار، والتعبير باسم الفاعل مبصر يفيد بان النهار هو مصدر تلك الاشعة، وهذا لاينفي الاهمية الكبرى للعين في عملية الابصار فهي المستقبلة لتلك الاشعة الساقطة، والناقلة لها الى مركز الابصار بالمخ من خلال العصب البصري، ومن ثم كان قوله تعالى (فلا اقسم بما تبصرون. وما لا تبصرون) [8] وهذا دليل على دور واهمية العين في عملية الابصار، ودليل على قدرة العين على التعامل مع بعض الاشعة الساقطة عليها (الاشعة المرئية) فيحدث الابصار، وهو ما يعبر عنه قوله تعالى (بما تبصرون) وعدم قدرتها على التعامل مع الاشعة الاخرى (فوق المرئية وتحت المرئية) فلا يحدث الابصار [9] وهو ما يعبر عنه قوله تعالى (وما لا تبصرون).

وبهذه المقدمة المتمثلة بالحياة المرئية وغير المرئية في سورة الحاقة / 39 – 40، نلحظ الامام اية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي ذكر ذلك في تفسيره تقريب القرآن الى الاذهان، ففي هذه السورة (39، 40) وبعد استعراض احوال المؤمنين والكافرين في الاخرة يأتي السياق، ليستدل على الرسالة وينفي مزاعم القوم حول الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) (فلا اقسم بما تبصرون) [10]ايها البشر [11] فـ (لا) زائدة للتأكيد، او المراد التلميح الى القسم بدون القسم (بما تبصرون) [12] و (وما لا تبصرون) اي بالمشاهدات والمغيبات، والاتيان بـ(لا) اللطيفة، هي الحلف، وافادة ان الحلف لعظيم، فاذا اردت ان تحلف، واردت ان تبين ان الحلف لعظيم تقول (لا اقسم بحياتك ان الامر كذا) فانت لم تحلف مع الالماع الى الحلف، وعلى هذا فـ (لا) للنفي، لا انها زائدة [13]، ((وما لا تبصرون)) اي بالمخلوقات كلها، او بها وبخالقها، لان الله لا يبصر [14].

وبهذا نجد الامام السيد محمد الشيرازي (قدس سره) انه تحدث عن التفاتات جدا مهمة لاسيما (اللام والقسم والمشاهدات والمغيبات)، فتحدث عن القسم، لان القصد بالقسم تحقيق الخبر وتوكيده، وقد قيل: ما معنى القسم منه تعالى، فانه ان كان لأجل المؤمن فالمؤمن مصدق بمجرد الاخبار من غير قسم، وان كان لأجل الكفار فلا يفيده، والقرآن نزل بلغة العرب، ومن عادتها القسم اذا ارادت ان تؤكد امرا [15]

والقسم هو تحقيق الخبر وتأكيده، ودعوة المتلقي الى الايمان والتصديق والاذعان، والفات النظر الى عظمة المقسم به واهميته، وما يكمن فيه من اسرار [16]

وحيثما اقسم الله في القرآن الكريم ذاكرا فعل القسم (اقسم) جاء بـ (لا) قبله فلم يقل جل ثناؤه مرة اقسم بكذا، بل كل ما ورد لا اقسم مما شكل بنية متميزة، والعلماء في ذلك على مذاهب (فمنهم من ذهب الى ان (لا) قبل القسم زائدة تفيد التوكيد فمعنى فلا اقسم بما تبصرون – اقسم بما تبصرون، وادخال لا على فعل القسم مستفيض في كلام العرب واشعارهم وفائدتها توكيد القسم، وهي صلة مثلها في لئلا يعلم اهل الكتاب والوجه الاخر ان يقال هي للنفي، والمعنى في ذلك: انه لا يقسم بالشيء الا اعظاما له [17]

وبهذا نجد الامام الشيرازي مال الى الاتجاه الاول، وعليه مثل القسم ضغطا نفسيا على المتلقي من اجل اقناعه وافهامه عن طريق لفت انتباهه، ولا سيما في صيغة (لا اقسم) فالقارئ حينما يقرأ هذه الصيغة يفاجأ بـ (لا) التي تسبق الفعل، ويتساءل: ما سبب وجودها؟ وبمجرد تساؤله هذا فانه يلتفت الى فحوى النص ويحاول فهم مغزاه.

اما لفظ المشاهدات والمغيبات الذي اشار اليه الامام الشيرازي (قدس سره) مهم جدا لان نقف عندهما والمتمثل بالمرئي وغير المرئي، فحين نزول الانسان الى الارض، وهو يعتمد ان تعامله يقتصر فقط على ما يرى ويدرك من الكائنات الحية وغير الحية الموجودة في بيئته، والتي تؤثر فيه، ويؤثر فيها، لكنه لم يدرك ان ثمة كائنات حية اخرى تشاركه الحياة على سطح الارض، وتتأثر بنشاطه، ويتأثر هو بنشاطها، وقد تأخذ هذه العلاقة بين الاثنين علاقة النفع او علاقة الضرر وقد تكون علاقة النفع من جانب واحد، او من جانبين فتأخذ صورة تكافلية او تعايشية ورغم عدم رؤية الانسان او ادراكه لهذه الكائنات الحية الا ان هذا لم يمنع تأثيرها فيه، والذي قد يودي احيانا بحياته.

ومع التقدم الذي شهدته اجهزة الفحص الحيوي، والذي بلغت قوة تكبيرها مئات الملايين قدر الجسم الاصلي، وبدا الانسان يتعرف على هذه الكائنات الحية ويدرس تركيبها، وكيفية ادائها لوظائفها والوسائل الممكنة لتطويعها لكي يستفيد منها.

ولقد سبق القرآن الكريم كل اجهزة الفحص الدقيقة في كشف اللثام عن هذه الكائنات الحية الدقيقة وذلك ما نجده في قول الله تعالى في سورة الحاقة ((فلا اقسم بما تبصرون. وما لا تبصرون))[18]

اذا يوجد في البيئة ما يعيش معنا، ولا نبصره، ولكن قد نبصره مستقبلا، ولذا كانت دقة اللفظ القرآني ((وما لا تبصرون)) ولم يكن القول ولله المثل الاعلى ((بما لن تبصرون)، وذلك يمثل عطاء من الله للإنسان ممثلا في تلك القدرات العقلية التي منحه اياها ليستخدمها في كشف اللثام عن هذه الكائنات [19]، وهذا ما اشار اليه اية الله العظمى الامام السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره) من خلال لفظه المشاهدات فضلا عن لفظة المغيبات.

اضف الى ذلك ذكر الله جل ثناؤه اللام مرتين وتبصرون مرتين وهما بذلك ضمن المنبهات التي تلفت النظر (فالمنبهات كفيلة بإيقاظ وعي المتلقي واستنفاره لدرجة يضحى فيها هذا المتلقي واقعا تحت سلطة التأثير الناتج عن المنبهات التي تولدها الظاهرة اللغوية، التي تتحول الى شحن المتلقي شحنا عاطفيا.

فالتكرار يمنح النص القرآني قيمة ادائية وتعبيرية وفكرية في معاودة الاصوات وتكرارها، لان: (القيم الصوتية لجرس الحروف او الكلمات عند التكرار لا تفارق القيم الفكرية والشعورية المعبر عنها) [20] فالتكرار يمثل صورة جمالية للنص، تعمل على جذب انتباه المتلقي، لذلك نجد الله سبحانه في كتابه العزيز يوظف هذه الظاهرة، ويجعلها منبها يعمل على كسب انتباه المتلقي قارئا وسامعا..

................................
المصادر والمراجع
القرآن الكريم
1- الاتفاق في علوم القرآن: الحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن ابي بكر السيوطي (ت 911 هـ)، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد، المكتبة التوفيقية، القاهرة، د-ط، د-ت.
2- تبيين القرآن:- اية الله العظمى الامام السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره)، مؤسسة فاطمة (عليها السلام) الثقافية و دار العلوم، بيروت، ط 6، 1433 هـ - 2012 م
3- التطور الدلالي بين لغة الشعر الجاهلي ولغة القرآن الكريم: خليل ابو عودة، مكتبة المنار، الزرقاء – الاردن، ط1، 1985 م.
4- تقريب القرآن الى الاذهان: اية الله العظمى الامام السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره)، دار العلوم، ط2، 1432 هـ - 2011 م.
5- التكرير بين المثير والتأثير: عز الدين علي السيد، عالم الكتب، بيروت، ط2، 1986 م.
6- ثمار الافكار: علي العاملي الكوراني، دار الهدى، قم – ايران، 1425 هـ.
7- عالم الحياة بين القرآن والعلم: عبد الباسط الجمل، عالم الكتب، القاهرة – مصر، ط1، 1421 هـ - 2001 م.
8- الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الاقاويل: ابو القاسم جار الله محمود ابن عمر الزمخشري الخوارزمي (ت 538 هـ)، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت – لبنان، د- ط، د – ت
9- مفاهيم القرآن: الشيخ جعفر السبحاني، مؤسسة الامام الصادق، قم – ايران -، ط1، 1420 هـ.
10- مناهج التفكير: سعد فلاح البخاتي العابدي، اكاديمية الحكمة، قم – ايران، ط1، 1423 هـ - 2011 م
11- نفحات الهداية: اية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي (قدس سره)، مؤسسة الرسول الاكرم (ص) الثقافية، قم – ايران، ط6، 1435 هـ.

* باحث في مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث

..............................
[1] سورة الحاقة 39 – 40
[2] ينظر: نفحات الهداية: 277
[3] التطور الدلالي بين لغة الشعر الجاهلي ولغة القرآن الكريم: 343
[4] ينظر: منهاج التفكير: 38 – 39
[5] ينظر: ثمار الافكار: 370
[6] ينظر: منهاج التفكير: 39
[7] سورة الاسراء: اية 12
[8] سورة الحاقة: 39 – 40
[9] ينظر: عالم الحياة بين القرآن والعالم، 87
[10] سورة الحاقة: 39
[11] تقريب القرآن الى الاذهان: 501
[12] تبيين القرآن: 584
[13] تقريب القرآن الى الاذهان: 501
[14] تبين القرآن: 584.
[15] ينظر: الاتقان في علوم القرآن: 4/44
[16] ينظر: مفاهيم القرآن: 9/295
[17] ينظر: الكشاف: 4/189- 190.
[18] سورة الحاقة: 39 – 40
[19] ينظر: عالم الحياة بين القرآن والعالم: 85.
[20] التكدير بين المثير والتاثيرات: 84

اضف تعليق