أسهم إنهيار المعسكر الإشتراكي وتراجع نفوذ الإتحاد السوفيتي في أوروبا الشرقية في نهاية عقد التسعينيات من القرن الماضي في تعاظم هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية على النظام الدولي الراهن وتوجيه آلياته وشروط عمله بما يخدم مصالحها وأهدافها، متخذةً من حلف شمال الأطلسي (الناتو) وسيلة وأداة لتحقيق تلك الهيمنة.

فقد جاء تأسيس حلف الناتو في 4 نيسان 1949 كجزء من سياسة الإحتواء الأمريكية التي إستهدفت الخطر والمد السوفيتي المتعاظم على الحضارة الغربية وقيمها الرأسمالية، وعليه فقد كانت وظيفة الحلف الأساسية وظيفة دفاعية مشتركة، وهو حلف تعددي طوعي إتخذ شكل المؤسسة بهياكلها المعقدة منذ نشأته، وقد ظل الحلف محافظاً على هذه الوظيفة طيلة فترة الحرب الباردة التي إنتهت عام 1991.

إلا إن إنتهاء الحرب الباردة، والتوجه الأمريكي والغربي عموماً إلى الحفاظ على حلف الناتو وتكييفه لملائمة بيئة ما بعد الحرب الباردة مثل سابقة فريدة من نوعها، إذ لأول مرة في تاريخ العلاقات الدولية يستمر حلف ما بعد إختفاء مصدر التهديد الرئيس الذي نشأ لمواجهته.

إذ أن توسيع حلف الناتو وتعديل إستراتيجيته وتطوير هياكله السياسية والعسكرية يعكس رغبة الولايات المتحدة الأمريكية في بناء الأمن عبر الأطلسي على اُسس ومعايير جديدة، وبعيداً عن تقسيمات الحرب الباردة وتداعياتها، ويعكس إستمرارية هيمنة عقلية تلك الحرب على مدركاتها ومصالحها الأمنية وغير الأمنية، وتطلعاتها للهيمنة على النظام الدولي والتحكم في سياساته وعلاقاته وفق شروطها ومصالحها.

فقد نظرت الولايات المتحدة الأمريكية إلى حلف الناتو بكونه أداتها الرئيسة للحفاظ على هيمنتها على قمة النظام العالمي، وذلك في إطار الأهداف الأمريكية الآتية:

1- يتمثل الهدف الأساسي للحلف في حماية حرية وسلامة جميع الدول الأعضاء فيه بالسبل السياسية والعسكرية.

2- إحتواء روسيا الإتحادية وتحجيمها.

3- إحتواء دول شرق أوروبا ووسطها من خلال ربطها بشبكة علاقات مع الحلف، وإبعادها عن أية روابط مستقبلية فيما بينها، أو بينها وبين روسيا.

4- توفير آلية عسكرية شبه دولية كواجهة يمكن للولايات المتحدة الأمريكية تنشيطها طبقاً لمصالحها في إطار غطاء دولي يحقق لها تفادي المعارضة الدولية في حالة عملها منفردة، لا سيما إذا أرادت من منظور مصالحها القيام بعمل عسكري خارج نطاق الشرعية الدولية، كما حدث في العدوان الأمريكي على العراق وإحتلاله عام 2003، ودور الحلف في الحرب على ليبيا في آذار 2011 حتى وإن إستند إلى قرار صادر من الأمم المتحدة.

5- إعطاء الحلف دوراً واسعاً للتدخل في مناطق الأزمات التي يمكن أن تهدد المصالح الحيوية لدول الحلف وفي مقدمتها الولايات المتحدة، وتأتي منطقة الشرق الأوسط في مقدمة هذه المناطق، إذ أن إمكانية تهديد مصادر البترول أو بروز تحديات جديدة قد تؤدي إلى حدوث خلل في ميزان القوة في المنطقة، مما يؤدي إلى تهديد المصالح الأمريكية، فضلاً عن مواجهة الحركات والتنظيمات التي تصفها الولايات المتحدة بـ(الإرهابية).

وفي ضوء ما تقدم، فقد إتجهت الولايات المتحدة الأمريكية إلى الإقرار بأن التحديات التي تواجه تطلعاتها في الهيمنة لم تعد متركزة في أوروبا وإنما في قوسين هما:

أحدهما: القوس الشرقي: الذي يضم دولاً إسلامية غير عربية مثل إيران، أفغانستان، باكستان، ودول آسيا الوسطى، ويمثل هذا القوس منطقة عدم إستقرار لوجود كثير من الأسباب الكامنة فيها لإثارة الصراعات والحروب العرقية والدينية والمذهبية والإجتماعية، فضلاً عن إنتشار أسلحة الدمار الشامل.

ثانيهما: القوس الجنوبي: الذي يشمل الدول العربية في شمال أفريقيا ومصر والسودان، وتضم معها سوريا، لبنان، الأردن، العراق، وشبه الجزيرة العربية، والتي تمثل بنظر الولايات المتحدة الأمريكية عنصر عدم إستقرار، كما إن أوضاعها الإقتصادية والسياسية والإجتماعية يمكن أن تقود إلى حروب أهلية تُنشط عملية الهجرة إلى أوروبا، أو تُصعد من عمليات الإرهاب الدولي لا سيما مع وجود الحركات الإصولية الإسلامية المتطرفة.

وعليه فقد سعت الولايات المتحدة الأمريكية للتكيف مع البيئة الأمنية الجديدة لعالم ما بعد الحرب الباردة، وذلك من خلال المفهوم الإستراتيجي الجديد للحلف الذي تم تبنيه في قمة واشنطن عام 1999، ويتمثل هذا المفهوم ببعدين رئيسين هما:

الأول: عدم تقييد تحركات الحلف بقرارات من مجلس الأمن، إذ يمكن أن يعمل في أي مكان من العالم دون الحاجة لإستصدار قرار من هذا المجلس.

أما الثاني: فيتمثل في إنتقال الحلف من مهمة الدفاع عن الجغرافية الأطلسية والفضاء الأطلسي كمجال جغرافي رئيس للحلف إلى كونه تحالف دفاعي عن مصالح شركاء وأعضاء الحلف عبر العالم، وهذا يعني تجاوز الجغرافية في عمل الحلف.

وفي إطار هذا المفهوم الإستراتيجي الجديد أعلن الحلف لأول مرة في تاريخه عن الأعمال العسكرية خارج نطاق الحلف بتوليه قيادة قوات حفظ السلام الخاصة بأفغانستان في آب 2003، فضلاً عن إقترابه من المنطقة العربية عبر مقترحات تتعلق بإرسال قوات غير قتالية لمهام تدريبية في العراق، وإستعداده للقيام بدور ما لدعم أي إتفاق لتسوية الصراع العربي ـــ الإسرائيلي.

ومما تقدم نخلص إلى إن الولايات المتحدة الأمريكية إستطاعت خلق المسوغات والمبررات لبقاء حلف الناتو وتطويره بدلاً من تفكيكه وإلغائه، كما إستطاعت أن ترسم له إستراتيجية تضمن فاعليته والحاجة إليه بما يضمن إستمراره، بل ويمكن القول إن الدور الذي يضطلع به الناتو أصبح أكثر فاعلية من دوره خلال حقبة الحرب الباردة، وفي الوقت نفسه هو أكثر تابعية للولايات المتحدة الأمريكية التي تسعى إلى جعله بالكامل في خدمة المخططات السياسية والإستراتيجية لها بما يلبي طموحاتها متذرعة بإستخدامه في حربها ضد الإرهاب كأداة طيعة للحفاظ على أهدافها ومصالحها عبر العالم.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/2001-Ⓒ2017
http://mcsr.net

اضف تعليق