تابعت مسار الملف النووي الكوري الشمالي منذ العام 2006م من خلال عدد من المقالات والدراسات كمقال الزجاجة التي كسرت عنقها كوريا الشمالية والذي نشر في شهر يونيو 2006 بصحيفة الوطن العمانية، ومقال ماذا تغير؟ كوريا الشمالية 2006 - 2010م، والذي نشر في شهر نوفمبر من العام 2010م، ومقال رؤية مقارنة في مسار الملف النووي لكوريا الشمالية 2006-2013م المنشور بتاريخ 11/3/2013م، لذا فإني وفي هذا الطرح سأقوم بمقارنة موجزة ومختصرة جديدة في نفس الملف، وذلك من خلال البحث في مسار التغيير وردود الأفعال وتطور المواقف حول التجربة النووية الكورية الشمالية منذ تجربتها النووية الأولى في العام 2006م حتى تجاربها الأخيرة في العام 2016م.

وسأبدأ بطرح بعض الأسئلة الشبيهة بما طرح في ما سبق تناوله من دراسات حول هذا الملف خلال السنوات الماضية والتي ستكون الإجابة عليها هي النتائج النهائية للنظرة الاستشرافية، كماذا فعلت القوى النووية الكبرى لاحتواء البرنامج النووي العسكري لكوريا الشمالية منذ إعلانها عن تجربتها النووية الأولى في العام 2006م؟ وماذا يعني استمرار كوريا الشمالية في هذا البرنامج بالرغم من التهديدات والعقوبات الدولية المستمرة حتى العام 2016م؟ وأين الخلل في عملية المفاوضات التي تقوم بها الولايات المتحدة الأميركية وغيرها من القوى المعنية باحتواء البرنامج النووي الكوري الشمالي بعد مضى عقد كامل عليه؟

بداية سنتناول باختصار بعض ابرز واهم التطورات التي استجدت على الملف النووي الكوري الشمالي خلال الفترة 2014- 2016م وهي الفترة التي لم نتناولها منذ المقال الأخير الذي تناول الملف النووي الكوري الشمالي في العام 2013م، حيث وبتاريخ 26 يونيو 2014م: هددت كوريا الشمالية الولايات المتحدة بالحرب، وذلك بسبب فيلم "سيث روغين الجديد"، لأنه كان يسيء لزعيم كوريا الشمالية كيم جونغ - أون، وفي سبتمبر من نفس العام هددتها كذلك بتفجير البيت الأبيض ردًا على صناعة فيلم "المقابلة" الذي يروي قصة خيالية عن مؤامرة لوكالة الاستخبارات الأمريكية "سي آي إيه" لاغتيال زعيم كوريا الشمالية،، وهذه الأحداث ليست سوى دليل على الضغط النفسي والسياسي الذي يحيط بهذا الملف المضطرب والمقلق من الناحية العسكرية، والذي بات يشكل اشد أنواع التهديد الدولي في بقة من ابرز البقاع اضطراب سياسي وعسكري على رقعة الشطرنج الدولية بعد الشرق الأوسط.

حيث استمرت في الفترة من 2013م – 2016م موجة التهديدات المقلقة التي طالما وجهتها كوريا الشمالية لكل من اليابان وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة الأميركية، وكذلك العقوبات الدولية وضغوط المجتمع الدولي ضد كوريا الشمالية، إلا انه وبالرغم من كل ذلك رفعت كوريا الشمالية من سقف تحديها في العام 2016م، والذي نعتبره العام الحاسم لتطور البرنامج النووي الكوري الشمالي، حيث وبتاريخ 7 فبراير 2016م: أطلقت كوريا الشمالية صاروخا بعيد المدى، يعتقد بأنه غطاء لاختبار صاروخ بالستي عابر للقارات، ثم وفي 3 مارس 2016م قامت بإطلاق ستة صواريخ قصيرة المدى في البحر بعد ساعات من تصويت الأمم المتحدة بفرض عقوبات جديدة عليها، وباختصار يمكن التأكيد في جانب الشق العسكري الاستراتيجي ان كوريا الشمالية لم تتراجع ولن تتراجع عن فكرة البرنامج العسكري النووي الذي انطلق بكل صراحة كورية منذ العام 2006م وأنها تسير وفق منهج مدروس لا رجعة عنه مهما تصاعدت الضغوط السياسية الدولية أو ارتفعت العقوبات الاقتصادية أو السياسية عليها.

وما يؤكد استمرار النهج الدولي المضطرب حيال هذا الملف هو استقراء المسار الإعلامي وردود الأفعال الدولية المقارنة حيال تلك التجارب النووية لكوريا الشمالية التي لم تختلف منذ العام 2006م وحتى آخر تجاربها في العام 2016م، حيث ان المتتبع لتلك الردود سالفة الذكر من قبل الاطراف الرئيسية للملف النووي الكوري الشمالي –الولايات المتحدة الأميركية وروسيا والصين واليابان– يجد ويلاحظ استمرار نفس سياق اللهجة السياسية خلال العشرة أعوام، فهي لازالت تصف التجارب النووية الكورية وإطلاقها للصواريخ البالستية بأنها تصرفات استفزازية تضر باستقرار المنطقة وتصف البرنامج النووي بأنه تهديد للأمن الدولي، ولكن دون أي تحرك جدي حيال هذا البرنامج.

المهم في الأمر ان ملخص مسار الأزمة النووية الكورية الشمالية منذ تجربتها الأولى في العام 2006م والثانية في العام 2009م والثالثة في العام 2013م وتجاربها الاستثنائية في العام 2016م يمكن اختصاره في النقاط التالية:

(1) على مستوى المسار الإعلامي والدبلوماسي هناك نوعا من التصعيد الواضح منذ الفترة من 2006م -2016م ولكن ذلك التصعيد لم يثمر -للأسف الشديد- عن كبح جماح الطموحات النووية الكورية الشمالية.

(2) الفشل الواضح في العقوبات الاقتصادية والسياسية والعسكرية المفروضة على كوريا الشمالية تحت الفصل السابع منذ العام 2006م وحتى العام 2016م، وهو ما يؤكد نجاح كوريا الشمالية في الحصول على بدائل داخلية وخارجية لتعويض تلك العقوبات المفروضة عليها.

(3) الإصرار الواضح لكوريا الشمالية في أهدافها –نقصد– حصولها على سلاح نووي.

(4) ان وقوف روسيا والصين كحلفاء استراتيجيين لكوريا الشمالية في وجه المجتمع الدولي، ساعد كثيرا في توسع وقوة البرنامج النووي الكوري الشمالي، وباعتقادي هو الحائل دون توسع العقوبات الدولية عليها، وهو أبرز الأسباب التي يمكن ان يعود إليها استمرار كوريا الشمالية في برنامجها النووي.

(5) ان عدم تعامل المجتمع الدولي مع كوريا الشمالية وخصوصا الدول الغربية وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأميركية كما تم التعامل مع البرنامج النووي الإيراني يرفع من سقف احتمال امتلاك كوريا الشمالية لأسلحة نووية وخصوصا مع تمكنها من صناعة صواريخ بالسنية يمكنها إصابة أهداف غربية.

وبوجه عام فان تطورات مسار الملف النووي لكوريا الشمالية منذ العام 2006م وحتى العام 2016م، يؤكد وبما لا يدع مجالا للشك على نقاط خطيرة جدا على مستوى احتواء البرامج النووية الدولية، يمكن اختصارها بالنقاط التالية:

(1) أن معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية وحسب الإجراءات القانونية المعمول بها في هذا الجانب قد أثبتت عدم جدواها في الحد من سعي بعض الدول لامتلاك الأسلحة النووية.

(2) استمرار هشاشة وتناقض ردود الأفعال الناتجة عن هذه التجارب والمحاولات الساعية لامتلاك الأسلحة النووية من قبل المجتمع الدولي وخصوصا الدول الكبرى.

(3) كشفت هذه التجارب الانفلات الكبير في سياسات الاحتواء والردع، والتي هي نتاج واضح لسياسة الكيل بأكثر من مكيال في مجال السياسة النووية.

(4) ان احتكار التجارب والمعارف النووية الذي تسعى لتحقيقه الولايات المتحدة الأميركية والقوى الكبرى في العالم يتناقض موضوعيا مع الثورة العلمية والمعلوماتية التي يعيشها عالمنا، مع تصميم الشعوب على التمسك بحقها في استعمال المعرفة والانجازات العلمية والتكنولوجية. وإيجاد الوسائل للدفاع عن حقوقها وكرامتها في وجه العدوانية الامبريالية المنفلتة من عقالها وبتهديدها النووي.

وكما أوضحنا في أطروحاتنا ومقالاتنا السابقة حول رؤيتنا الى البرنامج النووي الكوري الشمالي، فإننا نعيد التأكيد على ان كوريا الشمالية اليوم لا تختلف عن كوريا الشمالية في الفترة من 2006م – 2013 م فهي كما هي دائمة الإصرار على الاستمرار في أهدافها كلما تم ضاق الخناق عليها، او على مشاريعها، كما ان رؤية الدول الكبرى الى الأهداف النووية الكورية الشمالية وطريقة تعاملها مع ذلك الملف او أمثاله لم تتغير كذلك رغم محاولات التصعيد الشفهي او العقوبات الاقتصادية، ومن خلال الملاحظات السابقة ووجهة النظر المقارنة، فإن النتيجة النهائية تؤكد وبما لا يدع مجالا للشك، بأن كوريا الشمالية لم ولن ترضخ للقوى الكبرى سوى بشروطها ومرئياتها هي فقط، وأن الجهود الدولية السياسية والدبلوماسية ستفشل بكل معنى الكلمة في احتواء البرنامج النووي الكوري الشمالي، وان مسار الأزمة يسير في اتجاه تصعيدي خطير قد يؤدي في نهاية المطاف الى مواجهة نووية في شبه الجزيرة الكورية أو الاعتراف بدولة نووية جديدة تضاف إلى قائمة الدول النووية القائمة بالفعل خلال الفترة القريبة القادمة والتي نتصور بأنها لن تتجاوز العام 2020م.

* باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق