قبل عدة شهور برز سيل من العناوين الرئيسية تفيد بان الامم المتحدة جعلت الدخول الى الانترنيت حقا من حقوق الانسان. غير ان هذا الادّعاء ثبت انه انطباع خاطئ. ما قامت به الامم المتحدة كان مجرد تمرير قرار يؤكد على اهمية الدخول الى الانترنيت كوسيلة لإنجاز العديد من حقوق الانسان. القرار دعا الدول الى اتخاذ اجراءات للعمل باتجاه دخول عالمي للانترنيت، وانه أقر بان القيود الثقيلة على الانترنيت بمثابة انتهاك لحقوق الانسان.

غير ان ذلك لا يعني الآن وجود حق انساني في الانترنيت. بل ان شيء ما يمكن ان ينجز حقوق الانسان بدون ان يكون هو ذاته حق انساني. فمثلا، امتلاك حذاء معين يساعد في بلوغ عدد من حقوق الانسان، مثل حق الحرية في الحركة والحق بالحصول على مستوى كافي من المعيشة، ولكن سيكون من الغريب جدا القول ان هناك حق انساني بالحذاء. التدخّل في استمتاع الناس ببعض الاشياء يمكن ان يشكل انتهاكا لحقوقهم دون ان تكون تلك الاشياء ذاتها حقا من حقوق الانسان. فمثلا، سيكون انتهاكا لحق الخصوصية لو ان الحكومة تقرأ فاتورة ديون الناس دون موافقتهم، لكن ليس هناك حق انساني معين بعدم قراءة فاتورة ديون شخص ما. مع ذلك، اذا كان الدخول للانترنيت هو بالفعل هام جدا مثلما يقترح قرار الامم المتحدة، فهو ربما يُعتبر حق انساني. الرأي الشعبي يبدو داعما لهذه النظرة. طبقا لإستبيان قامت به جمعية الانترنيت عام 2012، وُجد ان 83% من بين اكثر من عشرة آلاف مشارك من 20 دولة وافقوا بان "الدخول للانترنيت يجب اعتباره حق اساسي من حقوق الانسان".

وبالرغم من الرأي الشعبي، فهناك شك كبير بان الدخول للانترنيت يمكن تمييزه كحق انساني. لنرى لماذا سنحتاج للنظر بماهية حقوق الانسان وكيف يمكن تبريرها.

الحقوق الطبيعية والحقوق القانونية

يمكننا البدء بتوضيح الغموض في استعمال مصطلح "حقوق الانسان". احيانا عندما يتحدث الناس عن حقوق الانسان فهم يشيرون عادة الى الحقوق القانونية وشبه القانونية المعبّر عنها بالوثائق الدولية لحقوق الانسان مثل الإعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر عن الامم المتحدة، والاتفاقية الدولية للحقوق السياسية والمدنية، والاتفاقية الدولية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. دعنا نسمي هذه بـ "حقوق انسان قانونية". في اوقات اخرى عندما يتحدث الناس حول حقوق الانسان فهم انما يشيرون الى الحقوق الطبيعية وهي الحقوق الاخلاقية العالمية التي يتمسك بها كل الناس بمقتضى كونهم اناسا. في معظم الاوقات التي يتحدث بها الناس عن حقوق الانسان نراهم في الحقيقة يخلطون بين هذين المفهومين المتميزين. من المهم تجنّب هذا الالتباس لأن حقوق الانسان القانونية والحقوق الطبيعية هما نوعان مختلفان من المفاهيم الاخلاقية ولكل منهما دور مختلف. لذا نستطيع ان نسأل كلا السؤالين حول ما اذا كان هناك حق طبيعي في الدخول للانترنيت ام ان هناك حق قانوني.

ان الحقوق الطبيعية هي حقوق اخلاقية عالمية يتمتع بها كل الناس بمقتضى كونهم بشرا. وبهذا، فان تلك الحقوق يجب ان تتأسس على سمات اخلاقية ملائمة لما هو انسان. رغم ان هناك اجماع على ماهية هذه السمات، لكن الرؤية السائدة والاكثر مقبولية هي ان الحقوق الطبيعية تتأسس على المصالح الاساسية التي يتقاسمها الجميع، او على الاقل غالبية البشر. وفق هذه الرؤية سيكون هناك حق طبيعي بعدم القتل العشوائي لأن كل شخص لديه مصلحة هامة بان لا يُقتل، وهناك حق طبيعي بعدم التعذيب لأن كل شخص له مصلحة هامة بان لا يُعذّب، وهناك حق طبيعي بعدم فرض العبودية لان كل فرد له مصلحة هامة بان لا يُستعبد وهكذا.

وفق هذه الرؤية يكون من الصعب اعتبار الدخول للانترنيت حق طبيعي لأن المصلحة بالدخول للانترنيت ليست اساسية بما يكفي. كيف يمكن ان تكون كذلك في ظل صدفيتها التاريخية؟ قبل الاف السنين كانت للإنسان مصلحة بان لا يُقتل او يُعذّب او ييُستعبد، ومن المعقول الافتراض ان الناس ستكون لديهم نفس المصلحة بهذا بعد عدة الاف من السنين من الآن (بافتراض استمرار وجود البشر). ولكن لا يمكن تصديق القول ان الاغريق القدماء كان لديهم اهتمام بالدخول للانترنيت باعتبار انهم لم يكن لديهم تصور عن هذه التكنلوجيا. ونحن لا يمكننا معرفة ما اذا كان الناس في المستقبل سيكون لديهم مثل هذا الاهتمام: قد لا يحصل لهم ذلك لو استُبدل الانترنيت بنوع اخر من التكنلوجيا اكثر قوة. الحقوق الطبيعية يُفترض ان يتمتع بها جميع الناس عالميا باعتبارهم بشرا. ولذلك لا معنى للقول ان هناك حق طبيعي بالدخول للانترنيت.

ومما تجدر ملاحظته ان ذلك يجب ان لا يقود الى عدم وجود حق قانوني في الانترنيت. خلافا للحقوق الطبيعية، الحقوق القانونية هي هياكل اجتماعية، هي اما ان توجد او لا توجد. لا معنى هناك للسؤال ما اذا كانت هناك ضرورة لوجود حقوق طبيعية معينة طالما ان هذه ليست من خياراتنا ولا يمكننا ان نقررها. الحقوق الطبيعية لها واقع اخلاقي يتجاوز قدرتنا في التأثير عليها. بالمقابل، محتوى الحقوق القانونية هو خيار يعود لنا. بالطبع، ليس جميعنا لديه امكانية القول الفصل حول ماهية الحقوق القانونية لكن محتواها يتقرر من جانب الناس ولا يُكتشف. لذا حتى عندما لا يندرج حق الدخول للانترنيت حاليا ضمن حقوق الانسان الدولية، مع ذلك يبقى هناك معنى للسؤال حول وجوب ان يكون كذلك. ولكي نتأكد من امكانية ان يكون هناك حق قانوني للانسان بالدخول للانترنيت سنحتاج للنظر بالطريقة التي يُبرر بها محتوى حقوق الانسان القانونية.

الحقوق القانونية ليست حقوق طبيعية

يُفترض احيانا ان الحقوق القانونية هي فقط تعبيرات قانونية عن الحقوق الطبيعية، وان السؤال عن احتمال وجود حق قانوني في بعض الاشياء يعتمد كليا على ما اذا كان هناك حق طبيعي بها. وفق هذه الرؤية، حقيقة عدم وجود حق طبيعي في الدخول للانترنيت يُنهي التساؤل حول ضرورة وجود حق قانوني مطابق. نحن يجب ان نرفض هذه الرؤية. اولا، عندما ننظر في المحتوى الحقيقي لتشريعات حقوق الانسان العالمية، نجد انها اوسع واكثر تحديدا من الحقوق الطبيعية. فمثلا، الاعلان العالمي لحقوق الانسان يتضمن الحق في التجنس بالاضافة الى الحق في الانتماء الى النقابات. تاريخيا التجنس والنقابات كلاهما طارئان ولذلك لا يمكن ان يكونا موضوعا للحقوق الطبيعية. ربما يرى البعض ان هذه الحقوق يجب ان لا يتم ادراجها ضمن حقوق الانسان القانونية. ولكن لماذا يجب الاعتقاد بهذا في ظل غياب سبب جيد للايمان بان حقوق الانسان القانونية هي مجرد تعبيرات قانونية عن الحقوق الطبيعية؟

كذلك، حقوق الانسان القانونية لها دور مختلف جدا عن الحقوق الطبيعية، ولذا ليس من الواضح لماذا يجب علينا الاعتقاد ان لها محتوى مطابق. الحقوق الطبيعية هي ادّعاءات اخلاقية لدى كل البشر. بالمقابل، الحقوق القانونية هي ادّعاءات قانونية يمتلكها الافراد بالذات تجاه الدول التي هم عرضة لسلطاتها، وهي تعمل كقيود على سيادة تلك الدول. القول بان حقوق الانسان القانونية هي فقط تعبيرات قانونية عن الحقوق الطبيعية يعني ان الحقوق الطبيعية وحدها يمكنها خدمة هذه الوظائف. ولكن لماذا علينا القبول بهذا الرأي؟ لا يبدو من المثير للجدل الافتراض ان جميع الافراد يجب ان يمتلكوا حقوقا قانونية امام حكوماتهم بعدم تجريدهم من جنسياتهم او عدم منعهم من تشكيل الاتحادات اوالانتساب لها. لكننا وجدنا سلفا ان مثل هذه الحقوق لا يمكن ان تكون حقوق طبيعية.

ورغم ان حقوق الانسان القانونية هي ليست مجرد تعبيرات قانونية عن الحقوق الطبيعية، لكن هناك ارتباط هام بينهما: كل من الحقوق الطبيعية والقانونية يتأسسان على المصالح الاساسية لكل الناس. الفرق هو ان حقوق الانسان القانونية يمكن ان تشمل الحقوق المشتقة من حقوق اكثر اهمية ضمن سياق تاريخي واجتماعي معين. الحقوق القانونية بالجنسية مثلا، لا تقوم على مصلحة جوهرية في الجنسية لكل الناس، طالما لم تكن هناك دائما دول. بدلا من ذلك، للناس مصلحة في امتلاك جنسية لانه في العالم المعاصر امتلاك جنسية هو شيء هام في انجاز مصالح اساسية اخرى، بعضها يبرر حقوقا طبيعية. بدون جنسية بلد ما لا يمكن للمرء الحصول على جواز سفر، وبدون جواز سفر تصبح حرية المرء بالحركة مقيدة جدا. ان حرية الحركة هي مصلحة اساسية لكل الناس، ولذلك فان هذه المصلحة الاساسية تبرر الحق الطبيعي بحرية الحركة. هذه المصلحة ايضا توفر اساس لحق قانوني اساسي بحرية الحركة، منه يمكن اشتقاق حق قانوني معين بالجنسية.

حقوق الدخول للانترنيت

هل يمكن بهذه الطريقة تبربر حق الانسان القانوني بالدخول للانترنيت؟ الفائدة من امتلاك الانترنيت هي بالتأكيد تقوم على مصالح اكثر اهمية، بعضها من ذلك النوع الذي يبرر حقوقا طبيعية، كما في المصلحة في حرية التعبير وحرية الانتماء. الانترنيت الآن هو من اكثر المنصات اهمية في التعبير عن الآراء ونشر المعلومات وتوفير حجم هائل من الفرص لمختلف اشكال المؤسسات.

ربما يقال انه حتى بدون الدخول الى الانترنيت يبقى الناس يتمتعون بحرية الانتماء والتعبير عن انفسهم، بافتراض انهم لايزالون يتجمعون في اماكن عامة وينشرون افكارهم في الصحف وهكذا. غير ان حق حرية التعبير وحرية الانتماء لايتطلبان مجرد ان يكون مالكو الحق لديهم اقل فرصة للتعبير عن انفسهم والانتماء وانما، هما يتحققان فقط حينما يكون لدى الناس فرص كافية للانتماء والتعبير عن انفسهم. لكي نمنع الناس بشكل استبدادي من نشر افكارهم في جميع الصحف عدى واحدة سيشكل انتهاكا لحقهم في الحرية رغم احتفاظهم ببعض الفرص للتعبير عن انفسهم.

وبالمثل، المنع العشوائي للناس في الانتساب لجميع المؤسسات عدى منظمة واحدة او حزب واحد او نادي واحد يعد انتهاكا لحقهم في التعبير عن حرية الانتماء رغم احتفاظهم ببعض الفرص للالتحاق ببعض المؤسسات الاخرى. السؤال حول ما الذي يشكل فرصة او قدرة كافية لممارسة المرء لحرية التعبير والانتماء هو سؤال هام وصعب، ولكن بالنظر للاهمية الكبرى للانترنيت يبدو من المعقول الايمان بانه لكي نمنع شخص ما من الدخول الى الانترنيت يعني حرمانه من الفرص الكافية لممارسة حريته في التعبير والانتماء. انه يبدو كما لو ان حق الانسان القانوني في الانترنيت يُشتق من الحقوق الطبيعية الاساسية الاكثر اهمية في حرية التعبير وحرية الانتماء، وبنفس الطريقة ان الحق الانساني القانوني بالجنسية يمكن اشتقاقه من الحقوق الطبيعية الاكثر جوهرية في حرية الحركة.

غير ان هناك فرق هام بين الحق في الجنسية والحق في الانترنيت. ليس من العملي امتلاك قوانين دولية هي بحاجة الى تحديث مستمر. ولهذا، فان حقوق الانسان القانونية لا تحتاج فقط لتكون ذات اهمية عظيمة الان، وانما ايضا في المستقبل المنظور. لذا فان التقدم السريع في التكنلوجيا يجعل الانتنريت ومن ثم الحق القانوني به، اكثر راهنية وهشاشة. ان عدم وجود حق طبيعي بالانترنيت لا يمنع من امكانية وجود حق قانوني انساني فيه، لأن الانترنيت حاليا هام جدا في انجاز حقوق الانسان الاخرى. ولكن مع احتمال ان يصبح الانترنيت متقادما ليس في المستقبل البعيد، فالاحتمال يبقى كبير جدا بان الدخول اليه لا يضمن جيدا مكانة حقوق الانسان القانونية الدولية.

* للكاتبة Dr.Jesse Tomalty بروفيسور الفلسفة في جامعة Bergen بالنرويج، تدرّس حاليا في مجال الاخلاق والفلسفة السياسية

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق