تبادل المواقع بين الضحية والجلاد، الأمر الذي يحتاج إلى تطوير النصوص القانونية لمنع ممارسة التعذيب بجميع صوره وأشكاله، وعدم السماح لمرتكبي التعذيب وتحت أي مبرر لـ\"الإفلات من العقاب\"، وهو أمر يحتاج إلى فتح حوارات متنوعة بين الفاعليات والأنشطة السياسية والمدنية والدينية والحقوقية بشأن مناهضة التعذيب واستنكار واستهجان هذه الممارسة...

" التعذيب محاولة خبيثة لكسر إرادة الإنسان" ذلك ما نطق به انطونيو غوتيريس الأمين العام للأمم المتحدة لمناسبة اليوم العالمي لمناهضة التعذيب، حيث يتجدد الرفض الدولي، ولاسيّما من جانب الهيئات والمنظمات الحقوقية والإنسانية والدينية لرفض جميع أنواع التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية واللّا إنسانية أو المهينة للكرامة. وكانت الاتفاقية الدولية لمنع التعذيب قد أبرمت في الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الـ39 (46) في 10 ديسمبر/ كانون الأول 1984، ودخلت حيّز التنفيذ في 26 يونيو/حزيران/1987.

جدير بالذكر أن التعذيب يعتبر "جريمة ضد الإنسانية" بموجب اتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها لعام 1977، وكذلك وفقاً للنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وهو محظور تماماً في جميع المواثيق والاتفاقيات الدولية في فترات السلم والحرب أيضاً، ولا يمكن تبريره تحت أي عنوان، كما أنه "جريمة لا تسقط بالتقادم"، ولذلك يقتضي الالتزام بحظره، سواء كانت الدولة قد انضمت إلى الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب أو لم تنضم، لأنه يعتبر قاعدة آمرة ملزمة من قواعد القانون الدولي لا يمكن مخالفتها.

وعلى الرغم من تحريم ظاهرة التعذيب إلّا أنها ما تزال متفشية في العديد من البلدان، لاسيّما في البلدان النامية ومنها البلدان العربية والإسلامية، لكن الغرب ليس بريئاً منها كذلك ، والأمر لا يتعلّق بتورّطه بممارسته للتعذيب أيام الحقبة الاستعمارية أو في حروبه الخارجية واحتلاله لبلدان أجنبية، بل باستخدامه في سجونه أيضاً، خصوصاً بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول/2001 الإرهابية، التي اتخذ منها ذريعة للتجاوز على الحقوق والحريّات، سواء في الولايات المتحدة أو في أوروبا، ولم يقتصر الأمر على بعض التشريعات والقوانين والإجراءات التي تتعارض مع المواثيق واللوائح الدولية لحقوق الإنسان، بل قام بفضائح صارخة كما حدث في سجن غوانتانامو وسجن أبو غريب والسجون السرّية الطائرة والسجون العائمة.

وإذا كان التعذيب انتهاكاً للكرامة الإنسانية، فإنه بقدر ما يستهدف اقتلاع "إنسانية الإنسان" وإجبار الضحية على الرضوخ، فإنه بالقدر نفسه ينزع أية صفة إنسانية عن الجلاد والمرتكب ذاته، لأن الحق في الأمان وعدم التعرّض للتعذيب هو حق أساسي ينبغي حمايته في جميع الظروف والأحوال، حيث وجدت تلك الثقافة الحقوقية طريقها إلى الفقه الدولي حديثاً وتجلّت بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948 واتفاقيات جنيف، وبشكل خاص بالاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب، وجميعها تشكّل منظومة من صلب قواعد القانون الإنساني الدولي، الذي يعتبر التعذيب "جريمة حرب" كذلك، الأمر الذي يتطلّب اتخاذ إجراءات وقائية للحد منه من جهة، وإجراءات حمائية لمنعه وشفائية لمعالجة آثاره من جهة أخرى، حيث يطغى على ضحايا التعذيب شعور بالإحباط والإنكسار، مما يجعل أمر التعافي من آثاره يتطلّب برامج متخصصة للمعالجة وصولاً للشفاء التام.

ولا تقتصر ممارسة التعذيب على الحكومات وحدها ضد معارضيها، بل إن المنظمات الإرهابية هي الأخرى لا تقصّر في ممارسة التعذيب حين تتاح لها الفرصة إزاء خصومها، وليس بعيداً عن ذلك أن بعض "منظمات المعارضة" وبحجة "الثورية" تمارس التعذيب أحياناً هي الأخرى، تحت عناوين محاربة الاختراقات في صفوفها، حيث يتم تبادل المواقع بين الضحية والجلاد، الأمر الذي يحتاج إلى تطوير النصوص القانونية لمنع ممارسة التعذيب بجميع صوره وأشكاله، وعدم السماح لمرتكبي التعذيب وتحت أي مبرر لـ"الإفلات من العقاب"، وهو أمر يحتاج إلى فتح حوارات متنوعة بين الفاعليات والأنشطة السياسية والمدنية والدينية والحقوقية بشأن مناهضة التعذيب واستنكار واستهجان هذه الممارسة اللّا إنسانية وتجريمها، خصوصاً بنشر وتعميم الثقافة الحقوقية والعقوبات القانونية التي تترتب على من يمارسه.

استعدت وأنا أكتب هذه المادة الندوة التي التأمت في لندن في العام 1992 ونظمتها "المنظمة العربية لحقوق الإنسان" تحدّث فيها عدد من ضحايا التعذيب في فلسطين وليبيا والعراق والسودان والبحرين من النساء والرجال واستعرضوا أعمالاً شنيعة مورست بحقهم دون اعتبار لضمير أو وجدان، واستحضرت ذلك مؤخراً وأنا أقرأ ما كتبه محمد السعدي أحد الشيوعيين الأنصار عن تعرّضه لأنواع متعدّدة من محق الكرامة الإنسانية والإذلال المعنوي والامتهان الجسدي.

ولم تكن محاولة خروجه من دائرة الإنكسار والانسحاق هيّنة، بل جاءت بعد معاناة قاسية وألم ووجع شديدين ظلّا يلازمانه مثل ظلّه، وكان لزوجته الدور الأكبر في التخفيف من معاناته، إضافة إلى تدوين تلك التجربة المريرة في كتابه الموسوم "سجين/ نزيل الشعبة الخامسة"، حيث اعترف بشجاعة عن انهياره وتنازله واضطراره لتقديم معلومات، لكنه بذكاء تمكّن من خداع الجلادين بإيهامهم الاستعداد للعمل معهم والاتفاق على لعب دور مزدوج، وحين عاد إلى الجبل أخبر رفاقه بكل ما حصل، وهو ما حاول التوقف عنده بتفاصيل رواية مذهلة ومرعبة ومخيفة عن دهاليز الشعبة الخامسة ، ومع ذلك فما تزال الكوابيس تقضّ مضجعه، فكأن ما حصل أشبه بعالم اللامعقول، فتعذيب الإنسان شرٌ لا يوصف على تعبير هنري ميللر.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق