يقول علماء السياسة إن المشاركة السياسية تعني إعطاء الحق الديمقراطي الدستوري لجميع أفراد المجتمع، البالغين العاقلين، في الاشتراك، بصورة منظمة، في صنع القرارات السياسية، وممارسة هذا الحق ممارسة فعلية. وذلك في إطار الشعور بالمسؤولية الاجتماعية، تجاه الأهداف المجتمعية العامة من جهة. وفى إطار الشعور بحرية الفكر؛ وحرية التعبير عن الرأي؛ وحرية العمل من جهة ثانية، بعيدًا عن عوامل الضغط؛ والإجبار؛ والإلزام.

مبدأ المشاركة السياسية لجميع أفراد المجتمع، رغم أنه مبدأ وطني ودولي، متفق عليه في الأعم الأغلب، إلا أن هذا المبدأ لا يجد تطبيقا ملموسا وفعالا في العديد من الدول، فيما يتعلق بالمشاركة السياسية للشباب. فمع أن الشباب من الفئة العمرية 15 إلى 25 عامًا يشكلون خمس سكان العالم، وترتفع هذه النسبة إلى نحو النصف في الدول العربية، التي تصنف من الدول الشابة، إلا أن ثمة دليل قوي على أن مشاركة الشباب في النشاطات السياسية الرسمية والمؤسسية أقل نسبيًا من مشاركة المواطنين الأكبر سنًا في جميع أنحاء العالم.

إذ يمكن القول إن الشباب عموما غير ممثلين بشكل ملائم في المؤسسات والنشاطات السياسية الرسمية مثل: البرلمانات، الأحزاب السياسية، العمليات الانتخابية، القضاء، والإدارات العامة... فعلى سبيل المثال: تدل قواعد بيانات الناخبين، في بلدان عديدة، إلى أن الناخبين الشباب هم أقل مشاركة في الانتخابات من المواطنين الأكبر سنًا. هذا فضلا عن تدني نسبة مشاركتهم في عضوية الأحزاب السياسية، والمجالس النيابية، والمناصب التنفيذية القيادية.

وقد أدى شعور معظم الشباب بالظلم السياسي والاجتماعي الذي يمارس بحقهم، وضعف ثقتهم بالعمليات السياسية الرسمية في بلدانهم، ناهيك عن تزايد مستويات الفقر والبطالة بين طائفة واسعة منهم إلى انخراط عدد كبير من الشباب في عمليات سياسية غير رسمية.

حيث إن هناك قرائن تدل على أن الشباب أكثر ميولا للمشاركة في النشاطات المدنية والاجتماعية، مثل القيام بالأعمال التطوعية، وتقديم المساعدة للآخرين، والمشاركة في الحملات التوعوية. كما أن الشباب أكثر ميولا للعمل في النشاطات السياسية غير الرسمية، مثل التظاهرات، والمسيرات، والاحتجاجات؛ وعادة ما يكون الشباب قوة دافعة للحركات الإصلاحية، بينما يفضلون عدم الانخراط في العلميات السياسية الرسمية، كالانتماء إلى الأحزاب السياسية، أو المشاركة في الانتخابات، أو تبوء مناصب تنفيذية.

نعم؛ يبقى الشباب على هامش الاتجاه السياسي والاجتماعي والاقتصادي السائد في معظم أنحاء العالم. ولا تزال العمليات السياسية والمؤسسات الرسمية تتسم بمشاركة محدودة للشباب فيها. فغالباً ما تكون الشابات والشبان مخذولين من القيادات والمؤسسات السياسية، ومستبعدين عن وضع السياسات. ونتيجة لذلك، لا يكون النشاط السياسي للشباب منظماً دائماً وفقاً لتجمعات رسمية، لكن كقوى عالمية، يزداد حلول الشباب في مركز الصدارة في مناقشات التنمية المجتمعية؛ فهم يطالبون باستمرار بإشراكهم في القرارات التي تصنع مجتمعاتهم.

فما الذي يمنع الشباب في بلدانهم من المشاركة السياسية؟ وماهي السياسات والاستراتيجيات التي ينبغي أن تتوفر في كل دولة لكي يتمكن الشباب والشابات من المشاركة السياسية الفعالة، وفي المستويات السياسية كافة؟

تتمثل المشاركة السياسية للشباب في نوعين من النشاطات:

الأولى هي النشاطات السياسية الإيجابية، وهو السلوك الذي ينتهجه الشباب عندما يكونون راضين إلى حد ما عن نظامهم السياسي وسلطاته التنفيذية، مثل التصويت في الانتخابات، والاشتراك في الندوات والمؤتمرات، والانضمام للأحزاب السياسية، والـدخول في ضـمن جماعـات المصالح، والتقدم في الترشيح للمناصب العامة، وتقلد المناصب السياسية.

والثانية هي النشاطات السلبية، وهو السلوك الذي ينتهجه الشباب عندما يكونون غير راضين عن نظامهم السياسي أو عن سلطاته التنفيذية، مثل المظاهرات، والاعتصامات، والاحتجاجات، وتخريـب الممتلكـات، والتطـرف، والاغتيال، والحروب الأهلية، والانقلابات.

إن تغليب النشاط السياسي الإيجابي للشباب على النشاط السياسي السلبي أو العكس أو تغليب النشاط السياسي الرسمي على النشاط السياسي غير الرسمي إنما هو مرهون بعوامل اجتماعية وسياسية واقتصادية مختلفة، منها شعور الشباب بالانتماء للوطن، وإحساس الشباب أن مـشاركتهم في الحياة السياسية تمثـل واجبًا تفرضه العضوية في هذا الوطن. ومنها الإيمان بجدوى المشاركة السياسية؛ فإحساس المواطن بأهمية المـشاركة، وفاعلية هذه المشاركة، وسرعة استجابة المسؤولين، يعمق مـن شعوره بجدوى مشاركته، ومردودها المباشـر علـى تحـسين حياته، وحياة الآخرين داخل المجتمع.

ومنها أهمية وجود التشريعات الوطنية التي تضمن المشاركة السياسية للمواطنين كافة، ومنهم الشباب، مع وجود برامج تدريبية لمن هم في مواقع المسؤولية، لتـدريبهم علـى مهارات الاستماع والإنصات واحترام فكر الجمـاهير، وكـذلك التدريب على أساليب استثارة اهتمام الجماهير وتنمية قـدراتهم علـى المشاركة.

هذا فضلا عن ضرورة ضمان المتطلبـات والحاجات الأساسـية للجماهير لاسيما الشباب منهم، مثل الغذاء؛ والكساء؛ والمسكن الملائم؛ والصحة؛ والتعليم؛ وفرص العمل؛ وحرية التعبير؛ وغيرها من الحاجات التـي تحقق الإشباع المادي والنفسي للإنسان، وتتيح له قـدرًا مـن الاستعداد للمشاركة السياسية الرسمية والايجابية داخل وطنه.

وإذا كان للشباب دور كبير في الإطاحة بعدد من الأنظمة السياسية، لاسيما في الدول العربية التي كانت تقودها أحزاب سياسية وشخصيات مستبدة استفردت بالحكم فترات طويلة، فإن عدم إشراك الشباب في صناعة القرارات في البلدان التي أدت فيها الاحتجاجات التي قادها الشباب إلى الإطاحة بالأنظمة الاستبدادية أو الأنظمة الفاسدة، يمكن أن ينتج عنه شعور كبير بالإحباط بين أفراد المجتمع الباحثين عن التغيير، تحديدا الشباب منهم، الأمر الذي يجعل البلاد على شفا حفرة، ويساعد على حدوث النزاعات، وقد يزعزع مبدأ إرساء الديمقراطية.

لا شك ثمة عقبات كبيرة تعترض طريق المشاركة السياسية للشباب على المستويات الثالثة للقدرات، وهي:

1. فعلى المستوى الفردي، يفتقر الشباب إلى المهارات التقنية؛ والخبرات الفنية؛ والموارد الاقتصادية، التي يمكن أن تشكل دافعا قويا لهم للمشاركة السياسية الرسمية. وهذا الأمر يتطلب التفكير الجدي ببناء شخصية الشباب من خلال التعليم الجيد، والتربية المجتمعية الواعية، التي تخول الشاب، وتمنحه فرصة القيام بمهمات تمثيلية تساعده على صقل مهاراته، واكتسابه الخبرات والمعارف التي تمكنه من النهوض بمستواه السياسي.

2. وعلى المستوى المؤسسي، عادة ما تواجه الجماعات التي يقودها الشباب صعوبات بسبب الافتقار للموارد الاقتصادية، ومحدودية المعرفة التنظيمية لديها. أما المشاركة ضمن المنظمات السياسية الرسمية، مثل الأحزاب والمجالس النيابية، فإن الآليات الداخلية والقواعد والإجراءات لا تدعم إشراك الشباب. فهم لا يؤخذوا بالاعتبار عند ملء المناصب القيادية؛ كما أن المشاركة في الأحزاب لا تقود إلى نتائج منظورة. وقد تفتقر هذه الهيئات إلى العمليات التي تجتذب الشباب. وهذا الأمر يتطلب دعم الجماعات والتنظيمات الشبابية وفسح المجال أمامها للتعبير عن نفسها كقوة سياسية رديفة أو مكلمة للقوى والفعاليات السياسية الكبيرة.

3. وعلى مستوى البيئة المواتية؛ ثمة قيود هيكلية، قد تتضمن ارتفاع سن الأهلية للترشح للانتخاب، إضافة إلى قيود ثقافية تكبح مشاركة الشباب. وعليه؛ لا يكمن الحل في مسألة إقصاء الشباب عن المشاركة السياسية في الارتقاء بالقدرات الفردية للشباب فقط، بل يجب أن تتغير البيئة الاجتماعية-السياسية، والمنظمات والشباب جميعًا لنقترب أكثر معًا من المطلوب. ومن الأهمية بمكان فهم تصورات وأصوات ومطالب الشباب بشكل أفضل، ودرجة انخراطهم من خلال هياكل سياسية رسمية، وقدرات المنظمات التي يقودها الشباب والشبكات والتجمعات غير الرسمية لدعم إشراك المجتمعات المدنية ومشاركة الشباب.

.................................
** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...
http://ademrights.org
ademrights@gmail.com
https://twitter.com/ademrights

انقر لاضافة تعليق