وافقت السودان على تطبيع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، ويأتي هذا الإعلان بعد أسابيع من توقيع كل من الإمارات والبحرين على اتفاقات مماثل اثار ردود افعال غاضبة في مختلف الدول العربية. وبحسب بعض المصادر فان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يسعى للفوز بولاية ثانية في انتخابات الثالث من نوفمبر تشرين الثاني، أبرم الاتفاق في اتصال هاتفي مع رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو ورئيس وزراء السودان عبد الله حمدوك ورئيس المجلس الانتقالي عبد الفتاح البرهان، ورفع اسم السودان من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب، الأمر الذي أدى إلى رفع الحظر عن المساعدات الاقتصادية والاستثمار له. وقال الرئيس الأميركي بعدما صرّح بأنّ الدولتين أقامتا "السلام" بينهما، إن خمس دول عربية أخرى على الأقل، بينها السعودية، ترغب في إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل.

وكانت مصر قد وقعت اتفاق سلام مع إسرائيل في عام 1979، تلتها الأردن في عام 1994، ثم موريتانيا في عام 2009 لكنها عادت وقطعت العلاقات بعد 10 سنوات. وكانت السودان وكما نقلت بعض المصادر، عدوة لإسرائيل منذ تأسيسها عام 1948. ومن المعروف أن السودان استضافت مؤتمر "اللاءات" الثلاثة الشهير المناهض للتطبيع مع إسرائيل عام 1967، عندما أقسمت جامعة الدول العربية، في اجتماعها في العاصمة الخرطوم، بأن "لا سلام مع إسرائيل، لا اعتراف بإسرائيل، لا مفاوضات معها".

وخاضت السودان حربا ضد إسرائيل عامي 1948 و 1967 ووفرت ملاذا لجماعات حرب العصابات الفلسطينية ويشتبه في أنها أرسلت أسلحة إيرانية لمسلحين فلسطينيين في غزة قبل عدة سنوات مما أدى إلى شن غارات جوية إسرائيلية مزعومة ضدها. ومع الإطاحة بالرئيس السوداني عمر البشير، واستبداله بمجلس عسكري مدني انتقالي. تغيرت الديناميكيات السياسية في السودان. وقد دعم جنرالات السودان، المسيطرون الحقيقيون على السلطة، إقامة علاقات مع إسرائيل كوسيلة للمساعدة في رفع العقوبات الأمريكية عن السودان وفتح الباب أمام المساعدات الاقتصادية التي تعتبر السودان في أمس الحاجة إليها.

وكان ترامب قد قال في وقت سابق، إن السودان سيُحذف من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب بمجرد أن تتلقى الولايات المتحدة 335 مليون دولار كتعويض عن الهجمات التي تعرضت لها السفارات الأمريكية في أفريقيا. ونفذ تنظيم القاعدة هجمات في كينيا وتنزانيا عام 1998 عندما كان زعيم التنظيم أسامة بن لادن يعيش في السودان.

تطبيع العلاقات

وفي هذا الشأن اتفقت إسرائيل والسودان على تطبيع العلاقات في اتفاق توسطت فيه الولايات المتحدة، ليصبح السودان ثالث بلد عربي يقيم علاقات مع إسرائيل خلال شهرين. وقال بيان مشترك أصدرته الدول الثلاث "اتفق الزعماء على تطبيع العلاقات بين السودان وإسرائيل وإنهاء حالة العداء بين البلدين". وسار السودان على نهج بدأته الإمارات والبحرين بإبرام اتفاقات لتطبيع العلاقات مع إسرائيل.

وتوسط في الاتفاق من الجانب الأمريكي، جاريد كوشنر كبير مستشاري ترامب، وآفي بيركوتس المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط وروبرت أوبراين مستشار الأمن القومي ومايك بومبيو وزير الخارجية وميجيل كوريا مسؤول الأمن الوطني. وقال كوشنر "هذه انفراجة كبيرة بوضوح". وأضاف "سيخلق هذا بوضوح انفراجة كبيرة في السلام بين إسرائيل والسودان. إبرام اتفاقات سلام ليس سهلا كما نصوره حاليا. إنه صعب للغاية". وقال مسؤولون إن من المتوقع عقد مراسم توقيع للاتفاق في البيت الأبيض في الأسابيع القادمة.

وقال البيان المشترك إن الزعماء اتفقوا على بدء علاقات اقتصادية وتجارية مع التركيز في البداية على الزراعة. وذكر البيان أن وفودا من كل بلد ستجتمع في الأسابيع القادمة للتفاوض على اتفاقات للتعاون في تلك المجالات وكذلك في مجالات التكنولوجيا الزراعية والطيران والهجرة وغيرها. وأضاف البيان أن الحكومة الانتقالية "أظهرت شجاعتها والتزامها بمكافحة الإرهاب وبناء مؤسساتها الديمقراطية وتحسين علاقاتها مع جيرانها". وقال أيضا إنه نتيجة لذلك، "وافقت الولايات المتحدة وإسرائيل على مشاركة السودان في بدايته الجديدة وضمان اندماجه التام مع المجتمع الدولي".

ووصف كوشنر اتفاقات التطبيع بأنها بداية "نقلة نوعية" في الشرق الأوسط. وقال إن قرار السودان يحمل أهمية رمزية لأن قرار الجامعة العربية بعدم الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود صدر في الخرطوم عام 1967. ووصف نتانياهو تطبيع العلاقات مع السودان بأنه "تحول استثنائي". وقال في بيان "يا له من تحوّل استثنائي! اليوم تقول الخرطوم نعم للسلام مع إسرائيل، نعم للاعتراف باسرائيل ونعم للتطبيع مع إسرائيل". بحسب رويترز.

وأشاد نتنياهو بالخطوة بصفتها بداية "لعهد جديد" في المنطقة لكن القيادات الفلسطينية التي تتابع مزيدا من الدول العربية الشقيقة تقلل من أولوية قضية الدولة الفلسطينية وصفت الخطوة بأنها "طعنة جديدة في الظهر". وسأل ترامب نتنياهو خلال المكالمة قائلا "هل تعتقد أن ’جو الناعس’ كان بمقدوره إبرام مثل هذا الاتفاق؟" في إشارة لمنافسه الديمقراطي جو بايدن. ورد نتنياهو الذي يعتمد بقوة على دعم كلا الحزبين الرئيسيين في الولايات المتحدة لبلاده بالقول "أمر واحد يمكنني أن أقوله لك وهو أننا نقدر المساعدة من أجل السلام من أي فرد في أمريكا". ويعتبر مستشارو ترامب أن نهجه السياسي الموالي لإسرائيل سيروق لقاعدة من الناخبين تعد من بين أقوى الداعمين له. وأصر ترامب على أن الفلسطينيين أيضا "يريدون أن يفعلوا شيئا" لكنه لم يقدم دليلا على ذلك.

خارج قائمة الارهاب

وأعلن البيت الأبيض قبل وقت قصير من الإعلان عن التطبيع، أنّ الرئيس الأميركي سيسحب السودان من لائحة "الدول الراعية للإرهاب". وقال البيت الأبيض إنّ الرئيس الأميركي "أبلغ الكونغرس بنيته التراجع رسمياً عن تحديد السودان كدولة راعية للإرهاب"، واصفاً الأمر بأنه "لحظة بالغة الأهمية" للسودان وللعلاقات بين الخرطوم وواشنطن. وأوضح البيت الأبيض أنّ السلطات الانتقالية في السودان سددت مبلغ 335 مليون دولار في إطار اتفاق لتعويض أميركيين، ضحايا اعتداءات وقعت خلال حكم الرئيس عمر البشير الذي استمر ثلاثين عاما. وحكم القضاء الأميركي على السودان بدفع هذه التعويضات بعدما اتهم البلد بدعم جهاديين فجروا السفارتين الأميركيتين في كينيا وتنزانيا، ما أدى إلى مقتل 224 شخصا وجرح نحو خمسة آلاف آخرين.

وقال مكتب حمدوك في بيان مكتوب إن قرار إزالة السودان عن اللائحة الأميركية للإرهاب "فتح الباب واسعا لعودة السودان المستحقة الى المجتمع الدولي والنظام المالي والمصرفي العالمي والاستثمارات الإقليمية والدولية". ومن الواضح أن الأسباب التي دفعت السودان الى القبول باتفاق لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، هو الوضع الاقتصادي المزري الذي يعاني منه والمرتبط بشكل كبير بالعقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة عليه.

لكن يخشى من أن يؤدي هذا الإعلان الى زعزعة الاتفاق السياسي الذي تحكم بموجبه الحكومة الانتقالية، إذ إن أصواتا معارضة ارتفعت منذ أن اتضح مسار التطبيع. ومن أبرز المعارضين رئيس حزب الأمة الإسلامي الصادق المهدي الذي يعتبر من أبرز داعمي الحكومة. وقد هدّد بسحب دعمه للحكومة إذا تم التطبيع. وتحكم السودان منذ أكثر من سنة حكومة انتقالية هي ثمرة اتفاق بين العسكريين الذين أطاحوا بعمر البشير في نيسان/أبريل 2019، وقادة الاحتجاج الشعبي ضده الذي تواصل لأشهر بعد سقوطه للمطالبة لحكم مدني. وحُدّدت المرحلة الانتقالية بثلاث سنوات تنتهي بتنظيم انتخابات حرة في 2022.

وتواجه الحكومة الانتقالية صعوبات اقتصادية في ظل انخفاض حاد في قيمة العملة المحلية (الجنيه السوداني)، الأمر الذي زاد من الأصوات المنادية برفع العقوبات التي فرضتها واشنطن منذ تسعينات القرن الماضي. ووصلت نسبة التضخم في السودان في آب/أغسطس الى 167 في المئة. وكان سعر الدولار في السوق السوداء يصل الى 75 جنيها إبان الإطاحة بالبشير، ووصل اليوم الى مئتين. بحسب فرانس برس.

وفي 11 أيلول/سبتمبر، أعلنت الحكومة حال الطوارىء الاقتصادية. ويقول أستاذ العلاقات الدولية في جامعة "سواس" في لندن جيلبير أشقر إن توقيع الخرطوم على اتفاق التطبيع مع إسرائيل "أهم بكثير من توقيع الإمارات العربية المتحدة والبحرين، لأن السودان لم يقم يوما علاقات مع إسرائيل، على عكس الإمارات، وعدد سكانه كبير جدا، على عكس البلدين الخليجيين الآخرين". وبالتالي، يمكن أن يحسب هذا الإنجاز انتصارا كبيرا للرئيس الأميركي دونالد ترامب قبل أيام من الانتخابات الرئاسية.

ويستعد السودان بعد الإعلان الأميركي حول الاستعداد لشطبه من قائمة الدول الراعية للإرهاب، لاتخاذ إجراءات من شأنها أن تنعش الوضع الاقتصادي المتأزم في البلاد، معولا خصوصا على إعفاء محتمل من ديون تتجاوز قيمتها ستين مليار دولار. وفي حال أصبحت واقعا، تطوي الحكومة السودانية الانتقالية عبر هذه الخطوة، صفحة عقود من مقاطعة المجتمع الدولي للبلاد في ظل حكم البشير الذي أطاح به الجيش قبل أكثر من سنة.

وقال رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك في بيان "هذا القرار يؤهل السودان للإعفاء من الديون". وأضاف "نحن اليوم ديوننا أكثر من 60 مليار دولار، بهذا القرار يُفتح المجال للإعفاء". واعتبر أيضا أن القرار "يساعد على فتح الباب أمام الاستثمارات الدولية والإقليمية والاستفادة من التكنولوجيا، إذ بقينا أكثر من عقدين محرومين من ذلك نتيجة للعقوبات". وقال وزير الخارجية المكلف عمر قمر الدين "هذه (الخطوة الأميركية) ليست حلا لإشكالاتنا ولكنها البداية".

وقالت وزيرة المالية هبة محمد علي "نحن لسنا شعبا إرهابيا ولكننا أُصبنا بنظام هو ما صبغنا بذلك (..) الان سنبدأ العودة إلى حضن العالم". وأضافت "سنحصل على حزم من جهات متعددة مثل آلية مساعدة الدول الفقيرة (..) وهذه الآلية ستمكننا من الحصول على 1,7 مليار دولار سنويا". وأشارت الوزيرة السودانية إلى أن "الاقتصاد لن يحدث له تغيير جوهري فورا"، لكنها أوضحت أن المؤسسات المالية السودانية يمكنها بعد القرار أن تسترجع العلاقات مع المؤسسات المالية الدولية. كما يمكن استئناف التحويلات من الخارج عبر المصارف. وكشفت أن ذلك لكي يتحقق "يتطلب منا تعديل سعر الصرف الرسمي".

وتشهد قيمة العملة الرسمية في السودان أمام الدولار الأميركي تفاوتا هائلا. وقالت علي "الآن بدأنا خطوات مع مصرف +سيتي بنك+ الذي كانت له مكاتب عدة سابقا في السودان". وأفادت بأن السودان يدين للولايات المتحدة بـ 700 مليون دولار "ونحتاج لجدولتها حتى نستطيع سدادها".

طعنة جديدة

في السياق ذاته ندد زعماء فلسطينيون بالتقارب الدبلوماسي العربي مع إسرائيل باعتباره خيانة لقضيتهم ورفضوا التواصل مع إدارة ترامب إذ يعتبرونها متحيزة بقوة لصالح إسرائيل. وقال الرئيس الفلسطيني محمود عباس إن الفلسطينيين يرفضون ويدينون خطوة السودان لتطبيع العلاقات مع إسرائيل بوساطة أمريكية. وقال بيان نشره مكتب عباس "لا يحق لأحد التكلم باسم الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية".

ووصف مسؤول بارز في منظمة التحرير الفلسطينية قرار السودان اتخاذ خطوات لتطبيع العلاقات مع إسرائيل بأنه "طعنة جديدة في ظهر الشعب الفلسطيني". وتابع قائلا من رام الله بالضفة الغربية المحتلة "هذه الخطوة وما سبقها من خطوات من الإمارات والبحرين لن تزعزع إيمان الشعب الفلسطيني بقضيته واستمرار نضاله حتى إقامة دولته الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس".

وفي قطاع غزة، قال فوزي برهوم المتحدث باسم حركة المقاومة الإسلامية (حماس) إن قرار الخرطوم خطوة في الاتجاه الخطأ. وكان السودان في عهد البشير حليفا لحماس. وأضاف برهوم "انضمام السودان لدول المنطقة المطبعة مع الاحتلال الإسرائيلي سيكون بمثابة تشجيع وغطاء للعدو الصهيوني لارتكاب مزيد من الجرائم والانتهاكات بحق الشعب الفلسطيني وأرضه ومقدساته".

ويقول العديد من الفلسطينيين إن الدول العربية التي انتهجت هذا النهج وجهت انتكاسة لقضية السلام من خلال التخلي عن مطلب كان راسخا لفترة طويلة ألا وهو انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة من أجل إقامة دولة فلسطينية قبل أن تتلقى اعترافا رسميا. وقال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إنه يرحب بالجهود المشتركة للسودان والولايات المتحدة وإسرائيل لتطبيع العلاقات وكتب على تويتر "أرحب بالجهود المشتركة للولايات المتحدة الأمريكية والسودان وإسرائيل حول تطبيع العلاقات بين السودان وإسرائيل وأثمن كافة الجهود الهادفة لتحقيق الاستقرار والسلام الإقليميين". ووقعت مصر معاهدة سلام مع إسرائيل عام 1979.

انقر لاضافة تعليق