بعد انسحاب واشنطن من معاهدة إزالة الصواريخ النووية القصيرة والمتوسطة المدى والمعروفة بـ(معاهدة القوات النووية متوسطة المدى-INF) والتي تم توقيعها مع الاتحاد السوفيتي السابق أبان الحرب الباردة في العام (1987)، دخلت القوى الكبرى وبحسب بعض المصادر، عهدا جديدا في سباق التسلح النووي وهو ما اثار قلق ومخاوف المجتمع الدولي. فهذا الانسحاب سيفتح الباب أمام حقبة جديدة من سباق التسلح قد لا تقتصر على الغريمين التقليديين (الولايات المتحدة وروسيا) فحسب، وانما قد تلتحق في ركبه دولاً جديدة كالصين وغيرها، كما ان الانسحاب من هذه المعاهدة ربما يتبعه انسحابات من معاهدات أخرى، قد تُدخل العالم في اجواء حرب باردة جديدة في فترة زمنية متخمة أصلاً بالأزمات والصراعات.

وسبب الانسحاب كما تقول الإدارة الأميركية هو انتهاك موسكو لبنود الاتفاق لأعوام لكنها تشدد في الوقت نفسه على أن مشكلة أخرى كانت تشوب المعاهدة وهي انخراط الصين أيضا في التسلح بما في ذلك السلاح النووي هناك الكثير من المخاوف في البنتاغون بشأن الصين وأنها غير مشمولة في هذه المعاهدة ولذلك فإن البنتاغون يريد أن تكون لديه خيارات من أجل الرد على الصين دون خرق الاتفاق هناك سببان على المدى الطويل للانسحاب فخلال الأعوام الثلاثين الماضية ومنذ توقيع المعاهدة كان هناك المزيد من الدول التي حصلت على هذه الصواريخ والصين في المقام الأول قبيل الإعلان عن الانسحاب من المعاهدة.

ونقلت شبكة سي أن أن عن مسؤول أميركي قوله إن الولايات المتحدة تستعد لاختبار صاروخ كروز غير نووي في تحد مباشر لموسكو ما عزز المخاوف من تداعيات هذه الخطوة التي تؤكد واشنطن أنها ضرورية للحفاظ على مصالحها الأمنية التداعيات هي أنه على الأغلب أن معاهدة الحد من التسلح الأكثر نجاحا في التاريخ والتي قضت على نظام كامل من الصواريخ النووية انتهت هذا يزيل الضوابط على سباق جديد للتسلح فالولايات المتحدة وروسيا كل منهما تطور أنظمة جديدة وبالإمكان نشرها والنتيجة عالم أقل أمنا وتقول واشنطن إن عهد المعاهدات الثنائية انتهى وإن جهود الحد من التسلح يجب أن تشمل إطار عمل ونقاشا أوسع يشمل الصين أيضا.

حرب نووية

وفي هذا الشأن قالت خبيرة أمنية كبيرة بالأمم المتحدة إن الخطر من استخدام الأسلحة النووية بات الآن في أعلى مستوياته منذ الحرب العالمية الثانية واصفة ذلك بالمسألة ”العاجلة“ التي يتعين على المجتمع الدولي التعامل معها على نحو أكثر جدية. وقالت ريناتا دوان مديرة معهد الأمم المتحدة لبحوث نزع السلاح إن كل الدول التي تملك أسلحة نووية لديها حاليا برامج للتحديث النووي وإن المشهد الخاص بالرقابة على الأسلحة يشهد تغيرا لعدة أسباب منها التنافس الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة.

وقالت للصحفيين في جنيف إن الترتيبات الخاصة بالرقابة على الأسلحة التقليدية تتلاشى أيضا نتيجة ظهور أساليب جديدة للقتال مع تزايد انتشار الجماعات المسلحة والوسائل التكنولوجية الجديدة التي طمست الخط الفاصل بين الهجوم والدفاع. وأضافت أنه مع تعثر محادثات نزع السلاح على مدى العقدين الماضيين وقعت 122 دولة على معاهدة لحظر السلاح النووي لأسباب تتعلق بالإحباط وأخرى من منطلق إدراك المخاطر.

وقالت ”أعتقد أنها دعوة حقيقية للإدراك، وهذا شيء مفقود في التغطية الإعلامية للقضايا، بأن مخاطر اندلاع حرب نووية أصبحت كبيرة الآن على وجه الخصوص وإن خطر استخدام الأسلحة النووية فيما يتعلق ببعض العناصر التي أشرت إليها بات أكبر من أي وقت مضى منذ الحرب العالمية الثانية“.

ولاقت معاهدة الحظر النووي التي تعرف رسميا باسم معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية تأييدا من الحملة الدولية لإلغاء الأسلحة النووية التي فازت بجائزة نوبل للسلام عام 2017. وصدق على المعاهدة حتى الآن 23 دولة من الدول الموقعة عليها. وتحتاج إلى تصديق 50 دولة كي تدخل حيز التنفيذ. ومن الدول التي وقعت وصدقت عليها جنوب أفريقيا والنمسا وتايلاند وفيتنام والمكسيك. ولاقت المعاهدة معارضة قوية من الولايات المتحدة وروسيا ودول أخرى لديها أسلحة نووية. بحسب رويترز.

وصدقت كوبا على المعاهدة في 2018 أي بعد 56 عاما من أزمة الصواريخ الكوبية التي استمرت 13 يوما إبان الحرب الباردة بين موسكو وواشنطن ووصفت بأنها أقرب نقطة وصل فيها العالم إلى شفا حرب نووية. وقالت دوان إنه يجب على المجتمع الدولي ألا يتجاهل خطر الأسلحة النووية. وأضافت ”كيف نفكر بشأن ذلك وكيف نتصرف تجاه ذلك الخطر والتعامل مع ذلك الخطر يعني بالنسبة له أهمية كبيرة ومسألة ملحة لم يتم التعامل معها بشكل كامل في مجلس الأمن (التابع للأمم المتحدة)“.

انسحاب رسمي

من جانب اخر انسحبت الولايات المتحدة رسميا من معاهدة مهمة للصواريخ النووية كانت قد أبرمتها مع روسيا، وذلك بعد أن رأت أن موسكو تنتهك المعاهدة وهو أمر نفاه الكرملين مرارا. كانت واشنطن ألمحت إلى عزمها الانسحاب من معاهدة القوى النووية المتوسطة المدى قبل ستة أشهر ما لم تلتزم موسكو بها، لكن روسيا قالت إنها ذريعة للانسحاب من معاهدة تعتقد أن الولايات المتحدة تريد أن تتخلى عنها على أي حال بغية تطوير صواريخ جديدة.

وأبلغ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الصحفيين بأنه يود إبرام اتفاقية جديدة للأسلحة مع روسيا للحد مع جميع القوى النووية، وربما كذلك مع الصين. وقال ترامب ”إذا تمكنا من إبرام اتفاقية يقلصون هم ونحن بموجبها (الأسلحة) النووية فإن ذلك سيكون شيئا جيدا للعالم. أعتقد جازما بأن ذلك سيحدث“. وتفاوض على المعاهدة المبرمة عام 1987 رونالد ريجان الرئيس الأمريكي حينها مع الزعيم السوفيتي ميخائيل جورباتشوف. وتحظر المعاهدة على الجانبين وضع صواريخ قصيرة أو متوسطة المدى تطلق من البر في أوروبا ويتراوح مداها بين 500 و5500 كيلومتر، مما يقلل من قدرتهما على توجيه ضربات نووية مباغتة. ويزيد هذا الخلاف من حدة أسوأ أزمة بين الولايات المتحدة وروسيا منذ انتهاء الحرب الباردة عام 1991.

ويعتقد بعض الخبراء بأن انهيار المعاهدة قد يقوض اتفاقيات الحد من الأسلحة الأخرى ويعجل بتآكل النظام العالمي الذي يهدف إلى منع انتشار الأسلحة النووية. وقال وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو في بيان ”لن تبقى الولايات المتحدة جزءا من معاهدة تنتهكها روسيا عمدا“. وتابع قائلا ”عدم امتثال روسيا للمعاهدة يهدد المصالح العليا للولايات المتحدة لأن تطوير روسيا ونشرها لنظام صاروخي ينتهك المعاهدة يمثل تهديدا مباشرا للولايات المتحدة وحلفائنا وشركائنا“.

وقال مسؤولون كبار بالإدارة الأمريكية طلبوا عدم نشر أسمائهم، إن روسيا نشرت في جميع أنحاء البلاد ”وحدات متعددة“ من صاروخ كروز ”له القدرة على ضرب أهداف أوروبية غاية في الأهمية“ في انتهاك للمعاهدة. وتنفي روسيا هذه المزاعم وتقول إن مدى الصاروخ يجعله خارج المعاهدة. كما رفضت طلبا أمريكيا بتدمير الصاروخ الجديد (نوفاتور 9إم729) والمعروف أيضا باسم (إس.إس.سي-8). وأبلغت موسكو واشنطن بأن قرارها الانسحاب من المعاهدة يقوض الأمن العالمي ويهدم ركيزة أساسية من ركائز الحد من التسلح.

وقال سفير الصين الجديد لدى الأمم المتحدة تشانغ جون إن الصين تأسف لانسحاب الولايات المتحدة من المعاهدة وعبر عن شكوكه إزاء انضمام بكين إلى واشنطن وموسكو في معاهدة نووية. وأضاف ”الولايات المتحدة تقول إن الصين يجب أن تكون طرفا في معاهدة نزع الأسلحة هذه، لكنني أعتقد بأن الجميع يعرف أن الصين ليست على نفس مستوى الولايات المتحدة والاتحاد الروسي (فيما يتعلق بالأسلحة النووية)“.

وقالت روسيا إنها طلبت من الولايات المتحدة تعليق نشر صواريخ نووية قصيرة ومتوسطة المدى. وقالت وزارة الخارجية الروسية في بيان ”ارتُكب خطأ فادح في واشنطن“. وأضافت ”ننفذ بالفعل وقفا أحاديا ولن ننشر صواريخ قصيرة أو متوسط المدى تطلق من البر في مناطق تنشر فيها الولايات المتحدة مثل هذه الصواريخ“. ويقول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن روسيا لا تريد سباق تسلح وتعهد بعدم نشر صواريخ روسية إلا إذا أقدمت الولايات المتحدة على هذه الخطوة أولا. ومع ذلك يقول بوتين إن واشنطن إذا اتخذت مثل هذه الخطوة، فسيضطر إلى نشر صواريخ نووية روسية تفوق سرعة الصوت على متن سفن أو غواصات بالقرب من المياه الأمريكية.

ورفض الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرج طلب روسيا تعليق نشر الصواريخ قائلا إنه عديم المصداقية لأن موسكو نشرت بالفعل مثل هذه الرؤوس الحربية. وأضاف ستولتنبرج ”هذا ليس عرضا يتسم بالمصداقية لأن روسيا تنشر صواريخ منذ سنوات. ليست هناك مصداقية في عرض لوقف نشر صواريخ ينشرونها بالفعل“. ومضى يقول ”لا توجد صواريخ أمريكية جديدة ولا صواريخ جديدة للحلف في أوروبا لكن هناك المزيد والمزيد من الصواريخ الروسية الجديدة“. بحسب رويترز.

وقال وزير الخارجية البريطاني دومينيك راب إن روسيا هي التي تتحمل مسؤولية انسحاب الولايات المتحدة من المعاهدة وإن لندن تؤيد بالكامل أي تحرك من جانب حلف شمال الأطلسي ردا على ذلك. وكتب راب على تويتر ”تسببت روسيا في انهيار معاهدة القوى النووية المتوسطة المدى عن طريق تطويرها ونشرها سرا لنظام صاروخي ينتهك المعاهدة يمكنه استهداف عواصم أوروبا. وفي وراسو، قالت وزارة الخارجية البولندية إن روسيا تتحمل المسؤولية الكاملة عن انهيار المعاهدة. وكتبت الوزارة على تويتر ”عدم استعداد روسيا للعودة إلى الامتثال لمعاهدة القوى النووية المتوسطة المدى لم يترك للولايات المتحدة أي خيار“.

اسلحة اكثر تطور

في السياق ذاته أكد معهد أبحاث السلام في ستوكهولم في تقرير أن عدد الرؤوس النووية في العالم سجل انخفاضا من جديد خلال السنة المنصرمة، لكن الدول التي تمتلك السلاح الذري تولي "أهمية متزايدة" لهذه الأسلحة وتقوم بتحديث ترسانتها. وتفيد التقديرات الأخيرة للمعهد إنه في بداية 2019 كانت الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا وفرنسا والصين والهند وباكستان واسرائيل وكوريا الشمالية تمتلك حوالى 13 ألفا و865 راسا نوويا، أي أقل بحوالى 600 عما كان بحوزتها في بداية 2018. لكن في الوقت نفسه تقوم هذه الدول بتحديث ترسانتها، بينها تزيد الصين والهند وباكستان حجمها أيضا. وقال شانون كايل مدير برنامج مراقبة الأسلحة النووية في المعهد، الذي ساهم في إعداد التقرير، إن "العالم بات لديه عدد أقل من الأسلحة (النووية)، لكنها أحدث".

وسجل الانخفاض في السنوات الأخيرة خصوصا في الولايات المتحدة وروسيا اللتين تشكل ترسانتيهما أكثر من تسعين بالمئة من الأسلحة النووية في العالم. وينفذ البلدان بذلك التزاماتهما بموجب اتفاقية ستارت (معاهدة خفض الأسلحة الاستراتيجية) الجديدة التي وقعاها في 2010 وتنص على سقف لعدد الرؤوس العملانية وإتلاف الرؤوس القديمة التي تعود إلى زمن الحرب الباردة. وصرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في بداية حزيران/يونيو أنه في غياب معاهدة جديدة "لن تكون هناك أي أداة تحد من السابق إلى التسلح، مع إرسال أسلحة إلى الفضاء مثلا". وحذر من أنه "فوق رأس كل منا ستنتصب أسلحة نووية"، مشيرا إلى أنه "حتى الآن لا أحد يتفاوض معنا".

ويثير غياب المفاوضات أيضا قلق الخصوم الديموقراطيين للرئيس الأميركي دونالد ترامب أيضا. وقد دعا ثمانية من أعضاء الكونغرس ترامب في رسالة مطلع حزيران/يونيو إلى "عدم ارتكاب خطأ فادح للاستقرار الاستراتيجي وأمن" البلاد، لأنه إذا انتهت الاتفاقية "فستكون روسيا قادرة على زيادة حجم ترسانتها النووية بسرعة، ما سيضطر الولايات المتحدة لتوسيع مكلف وغير مجد" لترسانتها النووية. وقال مركز الأبحاث "منظمة مراقبة الأسلحة" (ارم كونترول اسوسييشن) إن الولايات المتحدة تمتلك 6550 رأسا نووية وروسيا 6850. قال الخبير الكسندر خرامتشيكين من المعهد الروسي للتحليل السياسي والعسكري "في الواقع الحالي، ليس هناك أي أمل في التوصل إلى أي اتفاق جديد".

وتراجع عدد الأسلحة النووية بشكل كبير منذ أن بلغ ذروته (70 الفا) في منتصف ثمانينات القرن الماضي. لكن كايل أشار إلى وجود توجهات كثيرة مقلقة مثل تكدس الأسلحة النووية على جانبي الحدود بين الهند وباكستان ما يزيد من خطر تحول أي نزاع بأسلحة تقليدية إلى حرب نووية. وأضاف أن هناك أيضا توجها إلى إعطاء "أولوية متزايدة" إلى الأسلحة النووية مع تبدل المبادىء الاستراتيجية وخصوصا في الولايات المتحدة التي تولي دورا أكبر لهذه الأسلحة في عملياتها العسكرية والمناقشات حول الأمن القومي. وقال كايل "أعتقد أن التوجه يبتعد عما كنا عليه قبل خمس سنوات عندما كانت الأسلحة النووية تهمش في العالم". بحسب فرانس برس.

ودعا الأمين العام السابق للأمم المتحدة بان كي مون مؤخرا القوى النووية إلى "الجدية" في نزع الأسلحة، مشيرا إلى "خطر حقيقي جدا" لوصول عقود من العمل للمراقبة الدولية لهذه الأسلحة إلى طريق مسدود، بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني. وواجهت الجهود الجديدة لانتكاسة أخرى هذا العام عندما علقت روسيا والولايات المتحدة مشاركتها في معاهدة الحد من الأسلحة النووية التي تتعلق بالأسلحة المتوسطة المدى (بين 500 و5500 كلم) الموقعة خلال الحرب الباردة، وتبادلتا الاتهامات بانتهاكها.

انقر لاضافة تعليق