أكد المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، على أهمّية وضرورة تحلّي الإنسان والمجتمع وحتى الحكومات، بخلق العفو الذي دعا إليه القرآن الحكيم، وعمل به نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله، ووصيّه من بعد بالحقّ الإمام عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه، مبيّناً ان هذا الخلق الإسلامي والحسن الرفيع يوجب نجاح الإنسان وسعادته وخلوده في الدنيا، فضلاً عمّا له من الدرجات الرفيعة في الآخرة.

جاء ذلك في توجيهات سماحته القيّمة التي ألقاها بجمع من شيعة الكويت، الذين زاروا سماحته، ظهر يوم الخميس الموافق للتاسع من شهر ربيع الأول 1436 للهجرة (1/1/2015م)، في بيته المكرّم بمدينة قم المقدّسة. فقد قال سماحته في توجيهاته القيّمة:

قال الله عزّ وجلّ في القرآن الحكيم: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ) سورة المؤمنون: الآية96. وتعني الآية الكريمة بأنه إذا تعرّض الشخص للإساءة وصنع به السوء فعليه أن يعفو، وأن يزيد على ذلك بأن يُحسن إلى من أساء إليه، ويزيد على ذلك بأن يصنع مع من أساء إليه، بأحسن أنواع الإحسان. فهذا أمر القرآن الكريم.

وأوضح سماحته: إنّ رمز السعادة هو ما أمرت به الآية الكريمة التي مرّ ذكرها، وهو رمز الموفّقية أيضاً، وهذا أمر صعب لكنه ممكن، وفي الوقت نفسه ان الموفقية فيه هي رهينة لهذا الأمر. والإنسان الذي يعمل بهذه الآية الشريفة ويصنع هذا الصنيع، على شتّى المستويات، أي على مستوى العائلة والعشيرة والقرية والمدينة والجيران والشركاء والأرحام، سيكون موفّقاً وسعيداً في الدنيا وسعيداً في الآخرة. وحتى على مستوى الحكومات مع شعوبها، ومع باقي الحكومات أيضاً. فهذه هي النقطة المركزية للسعادة والموفّقية. وهذا النوع من الصنيع يشمل النساء والرجال، بعضهم مع بعض، والآباء والإخوة والأخوات والأولاد والعشيرة.

وبيّن سماحته: إنّ أنجح حكومة في التاريخ هي حكومة رسول الله صلى الله عليه وآله، وبعده أنجح حكومة في طول التاريخ هي حكومة أمير المؤمنين صلوات الله عليه. وأنجح حاكم في التاريخ كلّه هو رسول الله وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما وآلهما. فقد طبّقا صلوات الله عليهما وآلهما الآية الكريمة (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ) في وقت حكومتهما وفي موارد عديدة وصعبة وحسّاسة. ولرسول الله صلى الله عليه وآله العشرات والمئات من القصص في هذا المجال، ومنها في قصّة العقبة ومؤامرة اغتيال رسول الله صلى الله عليه وآله فيها.

فقد ذكرت كتب التفاسير والأحاديث والتاريخ، للشيعة ولغيرهم ولغير المسلمين، أنه بعد عودة رسول الله صلى الله عليه وآله من الغدير، تآمر على اغتياله جماعة من المنافقين، بأن يجعلوا حصيّات في دباب ويتحيّنوا الفرصة برسول الله صلى الله عليه وآله عندما يمرّ وهو راكب على البعير، فيدحرجونها في عقبة كانت شديدة، حيث من أحد جانبها كان الجبل، ومن الجانب الآخر واد سحيق، فيؤدّي ذلك إلى أن ينفر مركوب رسول الله صلى الله عليه وآله فيسقط صلى الله عليه وآله في الواد، ويموت. ولولا المعجزة الإلهية لحدث ذلك. فقد برق برق في السماء، فرآهم رسول الله صلى الله عليه وآله (أي رأى المتآمرين) ورآهم حذيفة أيضاً وعدّدهم. فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله حذيفة بأن لا يعلن عن أسمائهم، ولكن من بعد استشهاد النبيّ عرفهم الناس بواسطة حذيفة، حيث كان الأخير لا يحضر في الصلاة على من يموت من بعض الصحابة، فكان الناس يعرفون أن هذا الميت هو ممن قد شارك في مؤامرة اغتيال النبيّ صلى الله عليه وآله في العقبة، أي من الذين سمّاهم القرآن الكريم بالمنافقين، كما في قوله تعالى: (وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ) سورة التوبة: الآية 101. فهل توجد سيّئة أكبر من هذه السيّئة وهي اغتيال أشرف الأولين والآخرين؟

لكن مع ذلك لم يصنع رسول الله صلى الله عليه وآله تجاه هذه السيئة أيّ شيء، بل لم يعلن حتى عن أسماء المتآمرين. ولكن التاريخ فضحهم من بعد ذلك وعرّفهم للناس، وسمّوهم بأصحاب العقبة.

وأضاف سماحته: لقد كان لحكومة رسول الله صلى الله عليه وآله التي طالت لعشر سنوات بعد الهجرة، كان لها مشاكل، لعلّه لم تواجه بمقدارها أيةّ حكومة في العالم. وهكذا كان لحكومة أمير المؤمنين صلوات الله عليه. فقد كانت المشاكل الخارجية من المشركين واليهود والنصارى والأحزاب، وعشرات الحروب، حيث ذكر التاريخ أنه فرضت على رسول الله صلى الله عليه وآله خلال عشر سنوات أكثر من ثمانين حرب وسرية. وكانت المشاكل الداخلية من المنافقين من الأصحاب، والمشاكل في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله، وفي بيته. ومع ذلك كلّه ترى ان اسم رسول الله صلى الله عليه وآله بعد اسم الله تبارك وتعالى، أي: (أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أن محمدّاً رسول الله) يطبّق الكرة الأرضية في كل آن على مدار الشمس. والجزء الأكبر لهذا الخلود وهذه الرفعة ولنجاح رسول الله صلى الله عليه وآله هو خُلُقه صلى الله عليه وآله.

كان رسول الله صلى الله عليه وآله يزاول خلقه الرفيع في كل مكان، في بيته ومع أصحابه وأعدائه وفي الحرب والسلم. وهذا الخلق جعل من رسول الله صلى الله عليه وآله أنجح حاكم في التاريخ. ورغم مايصيب المسلمين اليوم وأصابهم من قبل، من الويلات والمشاكل والتشتّت والتبضّع والمظالم الكثيرة والمختلفة، من داخل الإطار الإسلامي ومن خارجه، والمؤامرات المختلفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية، ترى رسول الله صلى الله عليه وآله في القمّة، والإسلام في تقدّم، في كل مكان. فانظروا إلى الإحصائيات حول تقدّم الإسلام في العالم كلّه، فسترونها كثيرة، وعلى مستويات راقية وعالية، أي بين العلماء والمفكّرين والمثقّفين والأطبّاء والخبراء، وغيرها من هذه المستويات، في الغرب والشرق. وهذا كلّه بسبب خلق رسول الله صلى الله عليه وآله، والقرآن الكريم يقول: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) سورة الأحزاب: الآية21. أي تعلّموا من رسول الله صلى الله عليه وآله. وهذا كان النموذج الأول.

أما النموذج الثاني، فهو الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، على مستوى الحكومات، أي كيف تعامل الإمام صلوات الله عليه عندما كان حاكماً في حكومة امتدّت رقعتها في ذلك الزمان على أكثر من خمسين دولة من دول اليوم. فاقرأوا التاريخ لتعرفوا ذلك.

ورد في كتب التفاسير والأحاديث والتاريخ: كان ابن عطارد من الشخصيات المعروفة في زمانه، وكان عدوّاً للإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه. وهذا الشخص أساء إلى الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه عندما كان حاكماً ووجّه إليه إهانة، فجاءوا به إلى الإمام فعفى عنه، وقرأ قوله تعالى (ادفع بالتي هي أحسن السيئة). فابحثوا أنتم أيها المؤمنون والمؤمنات، بالأخصّ الشباب الأعزّة، ذكوراً وأناثاً، فهل تجدون حاكماً يعمل كما عمل الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه؟

وأردف سماحته: في الزمان نفسه، توجد المئات من القصص السلبية لمعاوية وغيره. فقد ذكرت الكتب التاريخية وغيرها أن معاوية أمر جلاوزته بأن يقتلوا على الظنّة (أي من يظنون به أنه يريد الإساءة) وعلى التهمة (أي من يُتهم بالإساءة).

انظروا ماذا صنع معاوية مع الثلّة العظيمة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، وأصحاب الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وهم حجر بن عدي وعمرو بن الحمق الخزاعي ومن كان معهما عليهم السلام. فقد مارس معاوية بحقّهم أشدّ التعذيب ثم قتلهم، وذلك لمجرّد ما يسمّى اليوم بـ(جرم سياسي). أي انهم كانوا يعتقدون بعليّ صلوات الله عليه، ولا يعتقدون بمعاوية. لهذا السبب فقط! وكان معاوية يريد من أولئك الثلّة كلمة واحدة فقط، وهي أن يسبّوا عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه، باللسان، والعياذ بالله. علماً بأن الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وحسب بعض الروايات كان قد أذن لهم بسبّه، ومنها قوله صلوات الله عليه: (أما السبّ فسبّوني فإنّه لي زكاة ولكم نجاة) وهذا أمر بعد الحظر ويفيد الرخصة، أي أُجيز لكم ذلك. ومع ذلك لم يستفد أولئك الثلّة من هذه الرخصة، ولم يغيّروا تاريخهم بهذا الترخيص. فسجنهم معاوية وعذّبهم بأشدّ أنواع التعذيب، وسجن نساء بعضهم لسنوات، ثم قتلهم، وأمر بأن يُهدى رأس المقتول إلى زوجته في السجن. فأولئك الثلّة حقيقة، كانوا عظماء، رجالاً ونساء. وهؤلاء هم الذين مهّدوا التاريخ لأن ينادى إلى هذا اليوم في كل بقاع الأرض (أشهد أن عليّاً وليّ الله).

وشدّد سماحته بقوله: إنّ الملاك هو أن يكون الشخص في نفسه يملك روح العفو، على شتى الأصعدة والمستويات. فعلى الوالدين أن يعفوان عن أولادهم، والأولاد يعفون عن آبائهم وأمهاتهم، وهكذا بالنسبة للأقرباء بعضهم تجاه بعض، والطلاّب والزملاء والمؤمنات، وحتى على مستوى الحكومات، وعلى أرفع مستوى في الحكومات، أي رؤساء الحكومات. فالمشاكل التي ترونها اليوم للمسلمين، في الخارج والداخل، ولغير المسلمين، يرجع القسم الكبير منها إلى انعدام روحية العفو أو ضعفها، مع شديد الأسف، على مستوى الحكومات والأفراد.

وختم سماحة المرجع الشيرازي دام ظله، توجيهاته القيّمة، مؤكّداً: أوصي الجميع بالآية الكريمة (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ) واُركّز وأؤكد على الجميع، بالأخصّ الشابّات والشباب، أن يجعلوا من تركيزهم وعزمهم وتصميمهم، شيئاً فشيئاً، تطبيق الآية الكريمة على سيرتهم الشخصية، في الإطارات والمستويات الضعيفة والقليلة، وفي الإطارات والمستويات القوّية والأكبر إذا وصلوا إليها.

أسأل الله تبارك وتعالى، التوفيق لي ولكم جميعاً.

 

اضف تعليق