حذرت منظمة اليونسكو من خطر وسائل التواصل الاجتماعي والتهديد الوجودي الذي تفرضه على وسائل الإعلام المهنية. وأشارت إلى الخلل في "نموذج أداء عمل وسائل الإعلام" مما يقوض حقنا الأساسي في الحصول على المعلومات.

جاء ذلك في تقرير جديد، نشرته الوكالة الأممية، يتناول (الاتجاهات العالميّة في حرية التعبير وتنمية وسائل الإعلام) في الفترة 2016-2021.

ويخلص التقرير إلى أن شركتي غوغل وميتا (المعروفة سابقا بفيسبوك) تستحوذان اليوم على ما يقرب من نصف إجمالي الإنفاق العالمي على الإعلانات الرقميّة، بيد أنّ إيرادات إعلانات الصحف العالميّة قد انخفضت بمقدار النصف في السنوات الخمس الماضية.

وذكر تقرير اليونسكو أن الجائحة كثّفت الاتجاهات القائمة في انخفاض ريع الإعلانات، والخسائر في الوظائف، وإغلاق غرف الأخبار.

وأورد بيانات صادرة عن المركز الدولي للصحفيين تظهر أن ثلثي الصحفيّين يشعرون بقدر أقل من الأمان في وظائفهم من جرّاء الضغوطات الاقتصادية الناجمة عن الجائحة.

وتُعتبر الصحافة، لا سيما الصحافة الاستقصائية، خدمة أساسية لإنقاذ الأرواح في خضم تفشي الأوبئة.

وفي ظل المحتوى الكاذب الذي انتشر عبر منصات التواصل الاجتماعي كالنار في الهشيم بشأن جائحة كوفيد-19، تسبب إغلاق غرف الأخبار وتقليل عدد الوظائف في "فراغ كبير" في المشهد الإعلامي، ولا سيما في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل.

وأفاد مرصد الوباء المعلوماتي، وهو مبادرة تابعة لمؤسسة برونو كيسلر، أنّ شهر أيلول/سبتمبر 2020 شهد تداول أكثر من مليون منشور عبر تويتر بمعلومات غير دقيقة وغير موثوقة، أو مضللة بما يتعلق بالجائحة.

وذكر التقرير أن هذه الأزمة الاقتصادية تأتي أيضا في وقت تتعاظم فيه التهديدات المحدقة بسلامة الصحفيين، ليس فقط من الحكومات والجماعات الإجرامية، بل كذلك من جماعات الضغط الخاصة ومن بعض أفراد المجتمع الذين تزداد جرأتهم على نشر الافتراءات وشنّ الهجمات عبر الإنترنت.

بشأن الإفلات من العقاب على عمليات القتل، أشارت اليونسكو، إلى أن الفترة الممتدة من عام 2016 إلى نهاية عام 2021، شهدت مقتل 455 صحفيا، منهم من لقي حتفه بسبب وظيفته، ومنهم من استُهدف وهو على رأس عمله.

وأوضحت أن زهاء 9 من كل 10 عمليات قتل لا تزال دون حل. "ويؤدي المعدل العالمي للإفلات من العقاب على قتل الصحفيين إلى تأجيج دائرة من العنف، ويترك تأثيرا أليما على الصحفيين كافة."

أما العنف واسع النطاق ضد الصحفيين عبر الإنترنت، فقد ذكر التقرير بأنه يُمثّل أحد التوجهات الجديدة والمتنامية، ويؤثر في الصحفيات بصورة متفاوتة في شتّى بقاع الأرض.

وأشارت اليونسكو إلى أنّ الهجمات ضد الصحفيين الذين يغطون الاحتجاجات والمظاهرات وأعمال الشغب شائعة أيضا على نحو مثير للجزع. فقد رصدت المنظمة وقوع هذا النوع من الهجمات في 60 بلدا على الأقل في الفترة الممتدة بين شهرَي كانون الأول/يناير وآب/أغسطس في عام 2021.

"وشهدنا منذ عام 2015 مقتل ما لا يقل عن 13 صحفياً أثناء تغطيتهم للاحتجاجات."

وفقا لليونسكو، لا تحمي قوانين العديد من البلدان الصحفيين بصورة كافية من هذه التهديدات. ويعرّضهم الإطار القانوني في الحقيقة إلى خطر أكبر في بعض الأحيان. تبنّت 44 دولة منذ عام 2016 أو عدّلت قوانين جديدة تحتوي على لغة مُبطّنة أو تهدد بفرض عقوبات متفاوتة على أفعال تنطوي على نشر "الأخبار الكاذبة" أو "الشائعات" أو "التشهير الإلكتروني"، الأمر الذي يؤدي إلى فرض رقابة ذاتية.

لا يزال التشهير يُعتبر جريمة جنائية في 160 بلدا. عندما يكون قانون التشهير قانونا جنائيا وليس مدنيا، يمكن الاستناد إليه كأساس للاعتقال أو الاحتجاز، وهو ما يؤدي فعلياً إلى تكميم أفواه الصحفيين، حسبما أورد التقرير.

وتُظهر بيانات صادرة عن لجنة حماية الصحفيين أن 293 صحفيا سُجنوا في عام 2021، وهو أعلى مجموع سنوي في ثلاثة عقود.

توصيات التقرير

حثت منظمة اليونسكو الحكومات على اتخاذ إجراءات سياسية في ثلاثة مجالات رئيسية لحماية وسائل الإعلام المستقلّة والذّود عن سلامة الصحفيين:

أولا، دعم الجدوى الاقتصادية لوسائل الإعلام المستقلة مع احترام الاستقلالية المهنيّة للصحفيين. وتستطيع الحكومات على سبيل المثال تقديم امتيازات ضريبية للمؤسسات الإعلاميّة المستقلة على نحو يتسم بالعدل والشفافية ولا يُخل باستقلالية التحرير.

ثانيا، الارتقاء بالدراية الإعلامية والمعلوماتية لتوعية المواطنين كافة بشأن الفرق بين المعلومات الموثوقة والمتحقق من صحتها وبين المعلومات غير المؤكدة، وتشجيع العامة على استقاء المعلومات من وسائل الإعلام المستقلة.

ثالثا، سن قانون إعلامي أو إدخال إصلاحات على القوانين القائمة لدعم الإنتاج الإعلامي الحر ومتعدّد الجوانب، بما يتماشى مع المعايير الدولية لحرية التعبير، وفي مقدّمتها المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنيّة والسياسيّة.

الاتجاهات في حرية وسائل الإعلام

إن التحولات السريعة السياسية والتكنولوجية والاقتصادية، التي حصلت خلال الفترة المشمولة بهذه الدراسة، فرضت ضغوطا جديدة على حرية وسائل الإعلام. ويمثل ظهور أشكال جديدة من الشعبوية السياسية ومما اعتُبر سياسات تسلّطية تطورات هامة في هذا الشأن. وتذكُر الحكومات مجموعة من الأسباب، بينها الأمن الوطني، في تبريرها الرصد المتزايد للمعلومات التي ترد في الإنترنت، وتطلّبها أيضا نزع هذه المعلومات، ولا يقتصر ذلك في كثير من الحالات على معلومات لها صلة بخطاب الكراهية وبمضمون يُعتبَر مشجّعا على التطرف العنيف، بل يشمل أيضا معلومات متعلقة بما يُعتبر تَمَوْضُعا سياسيا مشروعا. ثم إن تنامي الدور المركزي الذي تؤديه الإنترنت في الاتصالات، وما يواكبه من دور وتأثير لمنابر الإنترنت القوية، العاملة عبر الحدود، قد استرعى انتباه المحاكم والحكومات الساعية إلى تنظيم نشاط هؤلاء الوسطاء.

وفي حين جرى كثير من النقاش في موضوع كيف أن وسائل الإعلام الجديدة توسّع نطاق الحريات والاتصالات على أيدي جهات فاعلة تتجاوز هذه الوسائل، حصل أيضاً تزايد في حالات اقتحام الخصوصيات وانتشار الرقابة الكثيفة والتعسفية. وتُعتبَر هذه الأمور مَثارات تهديد لحماية المصادر الصحفية، ولثقة العموم بحرمة الخصوصيات، التي اعتبرتها الأمم المتحدة ممّا يمكّن قيام حرية التعبير.

وفضلاً عن ذلك، حصلت زيادة كبيرة في أفعال الحجب والترشيح لمضامين الإنترنت، كما حصل اتجاه متنامٍ إلى عمليات إغلاق على نطاق واسع لكامل مواقع الويب لوسائل التواصل الاجتماعي أو لشبكات الهواتف المحمولة أو للمنفذ الوطني إلى الإنترنت. وقد أدان مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة (في القرار A/HRC/32/13) هذه الممارسات صريح الإدانة، لأنها تمثل تقييدات مفرطة لحرية التعبير وللحق في الانتفاع بالمعلومات، ولها تأثيرات كبيرة اجتماعية وسياسية واقتصادية

وفي كل ذلك، تُفرض قيود على المسؤولية القانونية التقليدية المحدودة التي تتحملها شركات الإنترنت عن المضامين التي ينشئها زبائنها من مستعملي الإنترنت، وقد كانت هذه المسؤولية المحدودة على وجه العموم عاملاً إيجابياً لحرية تدفق المعلومات. ومع أنه يجري تسليط الضوء على الأدوار الرقابية التي تضطلع بها شركات الإنترنت، فإن هذه الشركات لا تزال متميّزة عن شركات وسائل الإعلام التي تنتج أغلبية مضامينها. فتوضع قضايا خصوصيتها ومعاييرها للتعبير، وسياساتها في انتهاج الشفافية وحتى المعالجة الخوارزمية، في جدول أعمال كثير من الجهات الفاعلة ولأسباب مختلفة. وفي بعض الحالات، تُنتقَد هذه الشركات لأنها تحدّ أحياناً من المضمون الصحفي، ولأنها - لاعتبارات «اقتصاد الانتباه» - تُحيل هذا المضمون في بعض الحالات إلى مستوى بروز يجعله في العرض مكافئاً لمعلومات أخرى لا تفي بالمعايير المهنية لقابلية التحقق. وفي حالات أخرى، تُرى هذه الشركات أهدافاً جاءت في الوقت المناسب لما يمكن اعتباره خطابة طنانة، سياسية المنحى، تلومها تبسيطيا -ومعها الإنترنت- على أمراض اجتماعية معيّنة، وتدعوها إلى أداء دور أكثر إيجابية عن طريق الحد من المضمون. وأما التناسب والضرورة في الحدود المنشود وضعها، ومخاطرها على التعبير المشروع، فيطرحها اللائمون جانباً

وتدل استطلاعات رأي حديثة، أجرتها منظمة غالوب للخدمات الإدارية في 131 بلداً في جميع مناطق العالم، على وجود إدراك عام لانخفاض حريات وسائل الإعلام في كثير من البلدان. ولكن في المقابل، تبقى حرية وسائل الإعلام معترفاً بها وتحظى بالتقدير في مختلف أنحاء العالم. وهناك تطور إيجابي آخر هو أن الحق في الوصول إلى المعلومات كسب مزيداً من الاعتراف به، عن طريق إدراج الغاية 10 من الهدف 16 - «كفالة وصول الجمهور إلى المعلومات وحماية الحريات الأساسية، وفقاً للتشريعات الوطنية والاتفاقات الدولية» - في أهداف التنمية المستدامة.

ثم إن المؤتمر العام لليونسكو الذي عُقد عام 2015 أعلن الثامن والعشرين من أيلول/سبتمبر يوماً دولياً لتعميم الانتفاع بالمعلومات (القرار 38م/57). وارتفع عدد الدول الأعضاء التي وضعت قوانين بشأن حرية تداول المعلومات إلى 112 دولة، وسُجّل فيه ارتفاع قوي بوجه خاص في منطقة أفريقيا ومنطقة آسيا والمحيط الهادي. وبالمقابل، لا يزال يتعين الاضطلاع بالكثير على المستوى العالمي من أجل تحسين الوعي بشأن هذه القوانين وإنفاذها. واعتُرف بأن إتاحة الانتفاع بالمعلومات (الذي يشمل: معقولية الأسعار، والتنوع اللغوي، ومراعاة قضايا الجنسين، والدراية الإعلامية والمعلوماتية) تمثل مكوِّنا تأسيسيا لـ عالمية الإنترنت، وهو مفهوم وضعته اليونسكو وأُقِرّ في عام 2015، يروّج لقيام شبكة إنترنت مبنية على حقوق الإنسان، ومفتوحة، ومتاحة للجميع، ومعززة بالمشاركة المتعددة الأطراف (ويشار إلى هذه المبادئ بالاسم المختصر ROAM). وفي عام 2017، انطلقت اليونسكو في مشاورة واسعة النطاق من أجل وضع مؤشرات لتقييم العمل بهذه المبادئ على المستوى الوطني.

الاتجاهات في تعددية وسائل الإعلام

واصل النفاذ إلى منابر متعددة لوسائل الإعلام توسعه خلال الفترة المشمولة بهذه الدراسة. فالآن يكاد نصف سكان العالم يتمتعون بالنفاذ إلى الإنترنت، ويُعزى هذا التطور جزئياً إلى الانتشار السريع لإمكانية الاتصال بالإنترنت عبر الأجهزة المحمولة في أفريقيا، وآسيا والمحيط الهادي، وأمريكا اللاتينية والكاريبي. ثم إن التلفزة الساتلية والانتقال إلى النظام الرقمي زادا من عدد القنوات التي ينفذ الأفراد إليها. ومنذ عام 2012، ازدادت أيضاً إتاحة مضامين وسائل الإعلام ازدياداً هائلاً، ويعزى جلّ الفضل في ذلك إلى ما يضعه المستعملون من المضامين ومشاركتها. وفي كانون الثاني/يناير 2017، أحصت موسوعة ويكيبيديا عدداً من المقالات يساوي تقريباً ضعف العدد الذي أحصي في كانون الثاني/يناير عام 2012، وهذا الاتجاه يصحبه تنوع في المضمون وزيادة في المساهمات الموضوعة بلغات غير الإنجليزية

لكن هذه الاتجاهات واكبها صعود شكل جديد مما سماه بعضهم «التعددية المستقطَبة»، أي: تتاح أنواع متعددة من المعلومات والبرامج، لكن كل مجموعة مجزَّأة لا تنفذ إلا إلى قطعة محدودة. ففي المناطق التي شهدت أوسع انتشار للإنترنت وأقوى اعتماد على مصادرها الإخبارية، أسهمت الخوارزميات التي تُستعمَل لفرز المعلومات المتعاظم سيلها، وتصنيف نتائج عمليات البحث، ووظيفة التلقيم الإخباري التي تؤديها وسائل التواصل الاجتماعي، في إيجاد ما سُمّي «غرَف الصدى» وفقاعات الترشيح التي يُرى فيها عوامل لتدعيم الآراء الفردية الموجودة وإنتاج مناقشات مغلقة، على الرغم من أن هذا التطور قد لا يكون بالضرورة قوياً بمقدار ما يوصف أحياناً.

ومع ذلك، فإن ما يحصل في المنافسات الانتخابية من سرعة تكاثر ما يسمّى «الأخبار الملفّقة»، يغذّيها جزئياً ميل منابر التواصل الاجتماعي إلى تفضيل المعلومات «الجذابة»، صار مثالاً قويّ الإيضاح على الكثير من الآثار الضارة التي يمكن أن تحدثها هذه الظاهرة في المناقشات العمومية. وفي مناطق أخرى، كالدول العربية وأفريقيا، تمثل الإذاعة الصوتية والتلفزيونية عاملاً أكثر مركزية لهذا الاتجاه نحو الاستقطاب في ومن خلال الاعلام.

وعلى نحو مماثل، أسهم الانتفاع بالإنترنت عبر الأجهزة المحمولة، وممارسة «التسعيرة صفر» - التي يسمح بفضلها مزوّدو خدمة الإنترنت أو الأجهزة المحمولة للمستعملين بالنفاذ إلى مضامين أو تطبيقات معيّنة بدون حساب الحد الأقصى لبيانات المستعمل - إسهاماً بالغاً في نشر التعددية من حيث الانتفاع بالإنترنت، على الخصوص لدى أفقر الفئات. إلا أن نمط النفاذ كثيراً ما يكون مقصوراً على تطبيقات معيّنة في الأجهزة المحمولة، وهذا ما يثير أوجه قلق من أن هذه الخدمات من شأنها أن تنشئ «حدائق مسوَّرة» خاصة، خلافاً لمبدأي انفتاح الشبكة وحيادها.

وتظل التعددية محدودة بسبب استمرار الواقع المتمثل في تدني تمثيل المرأة تدنياً بارزاً في القوة العاملة لوسائل الإعلام، وفي أدوار صنع القرارات ومضامين وسائل الإعلام، من حيث المصادر والمواضيع. وعلى سبيل الرد على استمرار تهميش النساء، قامت مجموعة من منظمات المجتمع المدني، ومنافذ وسائل الإعلام، وعدد من الأفراد بمبادرات رامية إلى تغيير المشهد، بما في ذلك العمل عبر التحالف العالمي المعني بوسائل الإعلام والمساواة بين الجنسين الذي أقامته اليونسكو، وعن طريق تطبيق المؤشرات المراعية لقضايا الجنسين في وسائل الإعلام

واستمر الاضطراب في النماذج التقليدية لأعمال وسائل الإعلام الجديدة، ما أدّى إلى زيادة التركّز العمودي والأفقي وإدخال أنماط جديدة من الملكية المتبادلة. وأثّر تقليص الملاك الوظيفي في تنوع المضمون، ولا سيما في مجال التغطية الدولية. وانخفض تداول الصحف في جميع الاقاليم، باستثناء منطقة آسيا والمحيط الهادي حيث حصل نمو كبير في بعض الاقتصادات الناشئة. وفي عدد من المناطق، لا يزال يُفتقد وجود خدمة بثّ عمومية مستقلة أو إن وُجدت فهي تحت تهديد سياسي أو مالي متجدد.

والنمو السريع في مجال الإعلان الرقمي، الذي تضاعفت تقريباً عائداته بين عامي 2012 و2016، استفادت منه منابر الإنترنت الكبيرة أكثر مما استفادت منه وسائل الإعلام التقليدية. وإزاء أشكال التعطيل هذه، اختبرت وسائل الإعلام التقليدية نماذج اقتصادية جديدة، تشتمل على إدخال حواجز دفع، تطلب هبات من القراء، وتلتمس التمويل الجماعي. واستعمل الصحفيون أيضا التكنولوجيات الجديدة، مثل الواقع الافتراضي، من أجل إجراء تجارب انغماسية في أحداث بعيدة مكانياً

الاتجاهات في استقلال وسائل الإعلام

يُبرز استقطاب الحياة العامة، الملاحظ في أنحاء من جميع المناطق التي يشملها هذه الدراسة، الحاجة إلى صحافة مستقلة ومهنية، قادرة على تقديم معلومات ممكن التحقق منها، صالحة لأن تخدم مناقشات عمومية فعّالة ومفتوحة. لكن استقلال وسائل الإعلام يخضع لمزيد من الضغط، في ظل استمرار الاتجاهات التي أبرزها التقرير عن الاتجاهات العالمية الأول، المنشور في عام 2014، وذلك بسبب ترابطات معقّدة بين السلطة السياسية والسلطات التنظيمية، ومحاولات التأثير في وسائل الإعلام وفي الصحفيين، ونزع الطابع الشرعي عنهما، وكذلك تقليص الميزانيات اللازمة لهما في المؤسسات الإعلامية.

ويتجلّى تردي حالة استقلال وسائل الإعلام، في عدد من المؤشرات. فهناك تراجع في ثقة الجمهور بوسائل الإعلام، أُخبر عنه في أغلبية المناطق. واعتُبرت اختلالات نماذج الأعمال ذات تأثير في زيادة التبعية للحكومات وإعانات الشركات في بعض الظروف، وهذا ما يثير القلق من آثار ممكنة على استقلال التحرير. وفي بعض الحالات، حصلت زيادة في النقد اللاذع، حتى من جانب القادة، تجاه وسائل الإعلام وممارسة الصحافة إذ اعتُبر هذا النقد خطرا يروج لتعبير تعصبي، وهذا ما يقوِّض مصداقية كل صحافة، بصرف النظر عن صحتها.

ولوحظ في جميع المناطق أن الاستقلال الذاتي للجهات التنظيمية المستقلة تعرّض للضغط. ففي أنحاء واسعة من أفريقيا، ومن آسيا والمحيط الهادي، ومن أمريكا اللاتينية والكاريبي، يفتقر تسريح مشغلي الإذاعات إلى الشفافية، ولا تزال تحرّكه المصالح السياسية والتجارية. وإن هيئات التنظيم الذاتي، التي تستطيع دعم تطبيق المعايير المهنية والحفاظ في الوقت نفسه على استقلال التحرير، لقيت مزيداً من الاهتمام في بلدان يتنامى فيها قطاع وسائل الإعلام. ولكنْ إضافة إلى صعوبة إقامة الاستقلال وإبقائه بصورة مستدامة، واجهت مجالس الصحافة تحديات العصر الرقمي، مثل تحقيق الاعتدال في تعليقات المستعملين.

وهناك بالمقابل تطورات إيجابية لصالح استقلال الصحفيين في قرارات التحرير. ففي مناطق أفريقيا والدول العربية وآسيا والمحيط الهادي، أفاد صحفيون أنفسهم عن نمو كبير في استقلالهم الصحفي. وقد شجّعت هذه التغيّرات قيام منافذ بديلة للصحفيين، وذات نفوذ في كثير من الأحيان، بما في ذلك وسائل الإعلام الرقمية، وكذلك قيام أشكال من التعاون الدولي في مجال الصحافة الاستقصائية. ومع استمرار تزايد غزارة المعلومات عبر الإنترنت، يتأكد بروز القيمة المميزة للصحافة المستقلة.

ثم إن تعليم الصحافة، الذي يعزز معايير الاستقلال المهني، قد شهد نموا ملحوظا في إتاحة الموارد عبر الإنترنت. إلا أن الدعم الذي تقدمه جهات مانحة إلى منظمات غير حكومية مستقلة، عاملة على تنمية وسائل الإعلام، شهد تقلبات، طارحاً تحديات كبيرة أمام الاستدامة، ولا سيما في أنحاء من أفريقيا وأوروبا الوسطى والشرقية. وتتأثر هذه المجموعات أيضاً بتنامي التشريعات التي تقيّد التمويل الخارجي.

وفي سياق الضغط المتنامي للرد على ما يشيع في وسائل التواصل الاجتماعي من مضامين تحرض على العنف أو الكراهية، أطلقت شركات الإنترنت مبادرات تنظيم ذاتي يكافح خطاب الكراهية، والتطرف العنيف، والكره للنساء، والعنصرية، وما يسمّى «أخباراً ملفقة». واعتمدت لذلك أدوات اشتملت على حملات لإشاعة الدراية الإعلامية والمعلوماتية؛ وشراكات مع منظمات تُعنى بتدقيق الوقائع وإجراء البحوث؛ وتقديم الدعم إلى الصحفيين؛ وإزالة الإعلانات من المواقع التي تولّد تلك المضامين. وتصدياً لتقارير الأخبار الملفقة والمزورة، يغتنم العديد من وسائل الإعلام الفرص لإظهار ما تتميّز به من قيمة مضافة مميزة بوصفها مصادر موثوقاً بها للمعلومات والتعليقات.

الاتجاهات في سلامة الصحفيين

بين عامي 2012 و2016 قُتل 530 صحفياً، بمعدل وفاتين أسبوعياً. ويبقى القتل في أجزاء من المنطقة العربية عالي النسبة جداً بسب استمرار النزاعات وعدم الاستقرار. وشهدت منطقة أفريقيا انخفاضاً كبيراً، بعد بلوغ ذروة عام 2012 في قتل الصحفيين. وخلال الفترة ازداد قتل الصحفيات، مرتفعا من خمس قُتلنَ في عام 2012 إلى 10 قتلن في عام 2016. وكان القتلى من الصحفيين في هذه الفترة مراسلين محليين بنسبة 92 في المائة، على الرغم من وجود نزعة إلى التركيز العالمي على قتل المراسلين الأجانب.

ويبقى الإفلات من العقاب على قتل الصحفيين هو القاعدة الغالبة، إذ لا تتجاوز نسبة المحاكمة الواحد من 10. ومع ذلك فقد أبدت الدول الأعضاء تجاوباً متزايداً مع طلب اليونيسكو معلومات عن سير التحقيقات القضائية في حالات قتل الصحفيين، إذ إن أكثر من 70 في المائة أجابوا في عام 2017 عن طلبها، وإن على درجات متفاوتة من التفصيل. وفي عام 2013، أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 2 تشرين الثاني/نوفمبر اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين، ويحتفي بهذا اليوم عدد متزايد من البلدان في مختلف أنحاء العالم.

استمرارا للاتجاهات السابقة، كان هناك ازدياد كبير في أشكال العنف التي مورست بحق الصحفيين، بما فيها الخطف والاختفاء القسري والاحتجاز التعسفي والتعذيب. وشهدت المنطقة العربية ارتفاعاً حاداً في عدد الصحفيين المأخوذين رهائن على أيدي مجموعات التطرف العنيف. ثم إن السلامة الرقمية هي أيضاً مثار قلق متزايد بالنسبة إلى الصحفيين في جميع المناطق، إذ تُرسَل التهديدات بالتخويف والمضايقة، وحملات التضليل وتشويه السمعة، وتغيير مظهر مواقع الويب، والاعتداءات التقنية، والمراقبة التعسفية أيضاً. وتعرضت الصحفياًت بوجه خاص للإساءة عبر الإنترنت، وللمطاردة والتحرش.

وعلى الرغم من صعوبة ظروف عمل كثير من الصحفيين، بُذلت مساع هامة للنهوض بالوعي ومكافحة العنف بحق الصحفيين، من خلال تنفيذ خطة عمل الأمم المتحدة المتعلقة بسلامة الصحفيين ومسألة الإفلات من العقاب. فمنذ عام 2012، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، ومجلس الأمن، واليونسكو 12 قراراً سلّطت الضوء على سلامة الصحفيين. وفي حزيران/يونيو من عام 2017، أُجريت مشاورة متعددة الأطراف المعنية في جنيف بسويسرا، بشأن استعراض تنفيذ خطة العمل المذكورة للأمم المتحدة، وأفضت إلى 30 خياراً استشرافياً للعمل المستقبلي، ستنظر فيها الأمم المتحدة، والدول الأعضاء، والمنظمات الدولية الحكومية الإقليمية، وهيئات المجتمع المدني، والجهات الفاعلة في مجال وسائل الإعلام، ووسطاء الإنترنت، والأوساط الأكاديمية.

اضف تعليق