"وبذل مهجته فيك"

من زيارة الأربعين

قسّم أمير المؤمنين الناس في أعمالهم العبادية على ثلاثة اصناف: من يعبدون الله رغبةً فتلك عبادة التجار، ومن يعبدونه –تعالى- رهبةً فتلك عبادة العبيد، ومن يعبدونه شكراً فتلك عبادة الأحرار.

من الجيد ان يتّقي الانسان غضب الله، والحساب العسير يوم القيامة بأعمال عبادية، بالتقرب الى الله –تعالى- بالأدعية والصلوات المندوبة، والتوسل بالأولياء الصالحين، وايضاً بأعمال البر والاحسان، وكلها أعمال حسنة ومؤكدة من النبي الأكرم، والأئمة المعصومين، عليهم السلام، لدورها المباشر في تعزيز الأواصر الاجتماعية، وتعميق الايمان في نفوس افراد المجتمع.

الخوف والرجاء، معادلة سماوية تحكم علاقة الحب والايمان بين العبد و ربه، بيد أن النوع الثالث من العبادة ينقل صاحبه الى مرتبة أعلى من الآثار المادية الملموسة والمفهومة ذهنياً، فهي ترفعه الى مرتبة يحددها الله –تعالى- وحده، ولا يمكن للانسان توقع ما سيعطى له، بل لا تسعه مداركه تصور هذه المرتبة وهو في الحياة الدنيا، لذا فان اصحاب هذه المرتبة يعملون ويقدمون ويضحون لوجه الله وحده، لا لشيء آخر مطلقاً، وهو –تعالى- يثيبهم بحكمته.

التمحّض لله –تعالى-

جسّد الامام الحسين، عليه السلام، النوع الثالث من العبادة بأروع ما يكون، فقد كانت العلاقة مع الله –تعالى- فوق كل شيء عنده، لذا نقرأ في زيارة الأربعين: "وبذل مهجته فيك"، أما نحن فنقول راجين بأن نعمل في سبيل الله، بمعنى أننا اخترنا لانفسنا سبيلاً نراه يؤدي الى الله –تعالى- فربما نصيب بذلك، ولكن ايضاً ربما نخطئ في الاختيار، فيكون هذا السبيل في مراحل أخيرة من عمرنا يؤدي بنا الى طلب الشهرة، والجاه، والامتيازات والمناصب السياسية، بل حتى التلاعب بمصائر الناس.

ونحن في أيام ذكرى مولده الشريف، ومولد الأقمار الهاشمية من أهل البيت، عليهم السلام، نستلهم من الامام الحسين، عليه السلام، درساً عظيماً في العبودية الخالصة لله –تعالى- وكيف تكون هذه العبادة، وكلمة "فيك" الواردة في الزيارة تعني لأجلك، و"الفاء تأتي باللغة العربية بمعنى التعليل، وبمعنى اللام كما يقول ابن مالك في الألفية"، (الامام الحسين عظمة إلهية وعطاء بلاحدود- الفقيه السيد محمد رضا الشيرازي).

بهذه النفس السامية خاض الامام الحسين المواجهة ضد النظام الأموي الفاسد، فقد أعدّ العدّة للعبادة الخالصة لله –تعالى- والمشحونة بالعرفان والشكر، والحمد، قبل أن يعد العدّة لتنظيم جيش جرار، ولا جماعة سياسية معارضة، فقد عاش، عليه السلام، عشر سنوات من عمره في عهد معاوية، وهو يواجه مشكلتين سببت له أذى نفسياً؛ الاولى: وجود شخص مثل معاوية في منصب الخلافة لرسول الله، والثانية: إصرار معاوية على نشر ثقافة العداء والكراهية لأهل البيت في جميع المدن والامصار، فكان يُلزم أئمة الجمعة في كل مساجد البلاد الاسلامية بأن يبدأ وينهي خطبته بشتم ولعن أمير المؤمنين، عليه السلام، وهذه تكفي لأي شخصية دينية أخرى لأن يركز جهوده لمواجهة هذا السرطان والقضاء عليه، بيد أن الإمام الحسين حقق انتصاراً باهراً في التحدي الصامت بما لا نظير له، ولم ينقطع عن علاقته بالسماء طيلة السنوات الاخيرة من حياته الشريفة، حتى في أول شرارة للانفجار، برفضه البيعة ليزيد، كانت متمحضة لله –تعالى- وليس لشيء آخر.

لنعرّج قليلاً على وادي الطف حيث العد التنازلي لساعة الصفر وانطلاق المعركة ظهيرة اليوم العاشر من المحرم سنة61 للهجرة، فقد كان الجيش الأموي بقيادة عمر بن سعد ينوي إنهاء كل شيء يوم التاسع من المحرم، بيد أن الامام الحسين استمهل القوم ليلة العاشر "لأني أحب الصلاة وأحب قراءة القرآن"، لغايات وحكمة أرادها الامام تأجيل المواجهة الى ظهيرة العاشر من المحرم، منها؛ حبّه وذوبانه في الدعاء والتهجّد.

وهل كان الإمام الحسين وحده في هذه الحالة السامية من العبادة الخالصة؟ انه كان يحمل معه الى ساحة المواجهة مدرسة متكاملة تضم خيرة الأصحاب ممن طلعت الشمس على البشرية، فهم لم يكونوا جنوداً او فدائيين وحسب، بل كانوا في حالة استثنائية من العرفان والايمان واليقين، ولذا استحقوا وسام الإمام الحسين بأن "ما وجدت أبرّ ولا أوفى من أصحابي"، وهذه المدرسة كان لها تأثيرها المباشر والسريع على المدرسة الأخرى في الجبهة المقابلة؛ فقد كان لهم دويٌ كدوي النحل، ما بين راكع وساجد، وقائم وقاعد –تقول الروايات- وبسبب ارتفاع الاصوات بالدعاء والتهجّد وقراءة القرآن ليلة عاشوراء، تسلل عدد من جنود ابن سعد باتجاه معسكر الامام الحسين، وكانوا اثنان وثلاثون رجلاً، (لمحات من سيرة المعصومين- منال دفّار البدري).

هؤلاء الأصحاب الأجلاء قبل ان يكونوا مقاتلين وشهداء يوم عاشوراء، كانوا خير تلاميذ لإمامهم في ميدان الجهاد الأكبر، فقد سمعوا و وعوا ما كان يدعو به الله –تعالى- يوم عرفة، في السنوات الخوالي، وبأي لغة كانت؟! وبأي روح؟! "اللهم اجعلني اخشاك كأني اراك". الى أي درجة يجب ان يصل الانسان في علاقته بربه حتى يطلب منه طلباً كهذا؟

دعاء الامام الحسين يوم عرفة، يُعد من أعظم ما يجسّد شخصية الامام الحسين، عليه السلام، لما فيها من التوسّل والخشوع طلباً لمزيد من القرب الى الله، ثم الشكر والثناء عليه، لكل عطاياه ومننه التي "لو حرصت أنا والعادّون من أنامك أن نحصي مدى إنعامك سالفه وآنفه ما حصرناه عدداً ولا أحصيناه أمدا"، وهنا تحديداً نعرف سر عظمة الامام الحسين، ومنزلته الرفيعة عند الله –تعالى- وأن يكون هو وارث الانبياء والمرسلين، وأن يكون "ثار الله".

أين نحن من الامام الحسين؟!

في هذه الايام نسعى لأن نطبق حديث الامام الصادق، عليه السلام: "شيعتنا خلقوا من فاضل طينتنا يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا"، فنحن نبتهج في ذكرى مولد الامام الحسين، والسبط الثاني لرسول الله، كما فرح جدّه المصطفى، وأبوه علي المرتضى، وأمه الصديقة الزهراء، وتكتمل الفرحة والبهجة في الاقتداء به والانضمام الى مدرسته الربانية العظيمة، فهذه أيام شهر شعبان المعظم، وهو شهر رسول الله، صلى الله عليه وآله، وفرصة لتنقية القلوب وترويض النفوس لإزالة ما عليها من الشوائب وكل ما يعيق الانسان من النجاح والفلاح في الدنيا والآخرة. فالقضية ليست معنوية على طول الخط، إنما الحياة المادية، من سلوك، وتصرفات، وعلاقات، ومصالح، كلها تتأثر سريعاً بمستوى نقاوة القلب وسيطرة الانسان على نفسه ورغباته.

ولعل المرقد الطاهر للإمام الحسين، عليه السلام، يكون خير مكان لأداء الاعمال العبادية، لاسيما ليلة النصف من شعبان، وهو جديرٌ بالاعمال العبادية طول أيام السنة، ولعل من هذا نفهم سر التأكيد على زيارة الامام الحسين، عليه السلام، في معظم المناسبات الدينية، مثل ليلة القدر، وليلة النصف من شعبان، وأيام شهري رجب وشعبان، الى جانب الايام الخاصة بذكرى مصابه الأليم، عليه السلام، بل واضافة الى ليالي الجمعة طيلة السنة، كلها تمثل دروس وعبر لمن يريد النجاح في الدنيا، وأن لا يكون رزقه، وسعادته، ومكانته الاجتماعية، معتمدة على انسان مثله، وأن لا يكرر تجربة أهل الكوفة الذين نسوا الله فانساهم أنفسهم، ولجأوا في اشباع بطونهم ورغباتهم الى من هم أشدّ فقراً منهم معنوياً، وهذا النسيان لله –تعالى- هو الذي أنساهم إمامهم، وايضاً أنساهم وعودهم بالنصرة للإمام، وأنهم يبايعونه خليفة للتخلص من الأمويين، ولكن لقلقة اللسان لن تغن من أحد شيئاً، ولم ترسم خطاً في التاريخ، إنما المواقف البطولية القائمة على الايمان الخالص.

اضف تعليق