معرفة النبي الاكرم، ليست كمعرفة قائد عسكري، او زعيم سياسي، او رجل مصلح او حتى ثائر ومنقذ، فهؤلاء يظهرون ثم يغيبون بعد أداء دورهم في الحياة، بينما امامنا نور إلهي لا يخبو، ورحمة مستدامة عابرة للحدود والى يوم القيامة، وإذن؛ فالمسألة عقدية أكثر مما هي معرفية...

{وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً}

سورة الجمعة- الآية:11

بينما كان النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، منشغلاً بإلقاء خطبة صلاة الجمعة في المسجد، وأمامه جمعٌ غفير من المسلمين والأصحاب، وإذا يحدث أمراً غريباً وصادماً من هؤلاء عندما نهضوا فجأة وغادروا المسجد لمجرد سماع تاجر دخل المدينة يريد تسويق بضاعته، وربما كان في الأمر بعض التحفيز في الاسعار.

ومعروف في الاحكام الاسلامية أن صلاة الجمعة –في حال وجوبها حسب آراء الفقهاء في الوقت الحاضر- تجزي عن صلاة الظهر بركعاتها الأربع، تكون فيها خطبتين بمنزلة ركعتين، ثم يصلي الإمام ركعتين أخريين لتكتمل الصلاة، وعليه؛ فلا يجوز للمصلي مغادرة مكانه في حال سماعه الخطبة كونها تمثل ركعة صلاة، فهي واجبة الاستماع، إلا لأمر طارئ وضروري.

بيد أن الذي حصل في تلك الايام يثير فينا اليوم، وبعد أربعة عشر قرناً، السؤال الكبير: لماذا ينتهك المسلمون هذا الحكم الواضح بحضور نبيهم، بلحمه ودمه، وهو خاتم الانبياء والمرسلين من السماء، وأشرف الخلائق أجمعين، علماً أن من بقي أمام في النبي في تلك اللحظات الحاسمة، ثمانية اشخاص: أمير المؤمنين، والحسنان، عليهما السلام، والصديقة الزهراء، وسلمان، وأباذر، والمقداد، وعمار فقط؟

وجاء في التفاسير أن لولا وجود هذا الثلّة الطيبة أمام النبي في تلك اللحظة، وفي حالة الاستهانة بأمر الله، لكانت السماء قد رجمت المدينة بالحجارة وصارت أثراً بعد عين. لكن حسبنا الرحمة الإلهية المتمثلة دائماً بأهل بيت رسول الله.

إن الذين تركوا رسول الله قائماً يخطب في ذلك الموقف المخزي، هم مسلمون، ومحبون لرسول الله، يحترمونه، ويقدسونه، ويقاتلون بين يديه طمعاً بالجنة ونعيمها التي طالما تحدث لهم عنها، صلى الله عليه وآله- كما حذرهم مما في دهاليز جهنم، ومنهم من هاجر ولاقى العذاب على يد المشركين في مكة، ومنهم من الأنصار في المدينة، ضيفوه، واستقبلوه بحفاوة وأمنوا به، وبرسالته السماوية.

ولكن!

المعرفة ومضة ولحظة

ربما نخوض غمار التعليم لنحصل على نعمة القراءة والكتابة، وهذا أمرٌ حسنٌ ومطلوب، ثم نسعى عبر مراقي التعليم الى درجات أعلى لنحظى بفهم علوم تفيدنا في حياتنا مثل؛ الكيمياء، والفيزياء، والرياضيات، والتاريخ، والجغرافيا، واللغة العربية وحتى غير العربية، ثم نصل الى مرتبة التخصص العلمي بما يضعنا على طريق محدد يضيء لنا الحقائق، ويساعدنا على فهم أمور وقضايا عدّة في حياتنا، كما هو الحال في مجال الطب، وتخصصاته المتعددة، والقانون، والإدارة، والعلوم المستجدّة مثل؛ الحاسوب، وتكنولوجيا المعلومات.

كل هذا مشوارٌ طويل يأخذ من أعمارنا الكثير، مع وجود احتمال الفشل الى جانب النجاح، فالطبيب من حيث المبدأ يُعد شخصاً مهماً في المجتمع لما يقوم به من دور حيوي في معالجة الأمراض المختلفة التي تعصف بنا، وما أكثرها في الوقت الراهن، ولكن! لدينا ايضاً طبيب، وله عيادة، وحضور في المستشفيات، بيد أنه فاشل في عمله، او كثير الخطأ في تشخيصه للمرض، وفي طريقة العلاج، وهكذا الامر ينسحب على سائر الاختصاصات.

أما المعرفة فانها لا تأتي بالضرورة بالمدارسة والمذاكرة والبحث والتجربة، بقدر ما هي ومضة تضيء قلب الانسان مرة واحدة حسب درجة صفاء هذا القلب، كلما كان أكثر، كانت الإضاءة أقوى وأعمق أثراً في النفس، فالصفاء القلبي لدى أبي ذر لحظة تأمّله ذلك الثعلب الذي تبوّل على صنمه، والذي دفعه نحو البديل الحقيقي، ثم وصوله الى النبي الأكرم، لم يكن متوفراً لدى أولئك الذي كانوا يستمعون لخطبة النبي في ظهر تلك الجمعة التاريخية، لذا فانه لمجرد سماع أصوات لعروض تجارية، او مغريات مثيرة ومختلفة اخرى، فانه يستمع الى صفحة قلبه الحقيقية بعد زوال القشرة الخفيفة من المعرفة العاطفية –ربما- او الحماسية، فيندفع بعيداً عن الساحة مهما كانت الظروف، كذلك حال ذلك الرجل الذي وقف بوجه رسول الله، صلى الله عليه وآله، عندما قبل بعرض الصلح مع المشركين في منطقة الحديبية بعد منع المسلمين من دخول مكّة للحج، فقال بلهجة استنكارية: ألم تعدنا بحج بيت الله الحرام؟! فأجابه النبي بهدوء: وهل وعدتك بالحج هذه السنة؟ فسكت.

هذا الرجل الذي يعده الكثير اليوم أنه من الصحابة، لم ينظر الى الفوائد العظيمة لتلك الاتفاقية لحاضر ومستقبل المسلمين، بل والإسلام كدين وحضارة، فقد حصل المسلمون على الاعتراف الرسمي من كفار مكّة بوجودهم ككيان مستقل في المدينة، ثم حصلوا على فترة زمنية ممتازة للتبليغ والانتشار في الجزيرة العربية، وغيرها من الفوائد التي جناها النبي للمسلمين، ولكن؛ أنّا له النظر وقد {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ}، و مردّ هذا الى عبادة الذات، والرغبات، والانتماءات الفرعية، وغيرها من العصبيات الجاهلية التي استبدلها الاسلام بالعبادة لله وحده، وتطويع الرغبات والشهوات والانتماءات الفرعية؛ من عشيرة، وقبيلة، وقومية لما فيه الصلاح والإصلاح.

لقد اختبر النبي الأكرم مستويات معرفة المسلمين به في مواقف عدّة، فوجدها دون المستوى المطلوب لأمة يفترض ان تأخذ بزمام الحضارة الانسانية الى الرقي والتقدم والرفاهية، وليس الحروب وإراقة الدماء وانتهاك الحرمات كما حصل بعد وفاته، صلى الله عليه وآله، رغم كل المواثيق والعهود التي قطعها عليهم.

ولا بأس بالإشارة الى نماذج مضيئة من إضاءات قلبية رائعة خلقت معرفة عميقة في لحظة حاسمة وتاريخية خالدة، وإن كنّا نعيش ذكرى المبعث النبوي الشريف، وهو يوم يُعد من الاعياد البهيجة والعظيمة لنا، فنحن في أمس الحاجة الى التجارب والعبر، وإن كان لها مسحة من الحزن، فمن تلك الإضاءات ما توفق اليه الحر الرياحي، الذي غلّب معرفته الحقيقية على كل ما يجري حوله، فجاء الى عمر بن سعد سائلاً: أمقاتل أنت هذا الرجل؟! فهو لم يأت لحرب الامام الحسين، عليه السلام، وبعد أن عرف بالقرار، سأل ثانية: وما رأيك بما قدمه من خصال (مكانة وشخصية الامام الحسين)، فجاءه الجواب الأخرق: "لو كان الأمر بيدي لقبلت، لكن أميرك ابن زياد يأبى ذلك"! فهو يعرف الامام الحسين، لكن معرفته قشرية لا تصمد أمام أي تحدٍ، حتى وإن كان أقل من الوعد بملك الري، وحتى إن لم تكن معركة الطف قائمة أساساً.

كيف السبيل الى معرفته، صلى الله عليه وآله وسلم؟

انسان اليوم، ليس ذلك الانسان الذي كان يجالس النبي الأكرم في المدينة، وفي غيرها من الاماكن، فالفارق كبير حيث لا مقارنة بالمرة، فقد تغيّرت الظروف، وتطورت الحياة، كما تطور فكر الانسان، واتسعت المدارك والمعارف، فاذا كان من الصعب التعرّف شخصية رسول الله في تلك الفترة، فان الأمر يسيراً في الوقت الحاضر، نظراً لتراكم التجارب التي مر بها المسلمون طيلة الفترة التي اعقبت رحيل النبي الأكرم عن دار الدنيا، فاذا كان خطأ المسلمون الأوائل في معرفتهم للنبي ضمن نطاق شخصيتهم المحدودة بالرغبات والشهوات والنزعات، فان العصر الحديث، او في العهود القريبة ظهرت نماذج لمعرفة عميقة ونادرة بالنبي والأئمة المعصومين، ما يجعلهم أسمى عند الله –تعالى- ممن عاش مع النبي ليله ونهاره، فهو الحب والإيمان دون رؤية عينية.

وما أحوجنا الى معرفة حقيقية ننطلق بها من أعماق قلوبنا لنصل الى هذه الرحمة الإلهية المهداة الى العالمين، ونحن أقرب من غيرنا بهذه الرحمة، بكل ما تحمل هذه المفردة من دلالات السعادة والخير.

نذكر طريقين من جملة طرق توصلنا الى المعرفة الحقيقية بنبينا الأكرم، صلى الله عليه وآله وسلم؛ الاولى: من عظمة شخصيته، والثاني: من عظمة أخلاقه

الطريق الأول:

معرفة النبي الاكرم، ليست كمعرفة قائد عسكري، او زعيم سياسي، او رجل مصلح او حتى ثائر ومنقذ، فهؤلاء يظهرون ثم يغيبون بعد أداء دورهم في الحياة، بينما امامنا نور إلهي لا يخبو، ورحمة مستدامة عابرة للحدود والى يوم القيامة، وإذن؛ فالمسألة عقدية أكثر مما هي معرفية، ذهنية، فالروايات الشريفة عن المعصومين تؤكد أن الله –تعالى- خلق نور نبينا الأكرم قبل ان يخلق السموات والأرض، وأنه، صلى الله عليه وآله، كان يسبّح الله ويقدسه قبل ان تكون المخلوقات، وهذا يشمل ايضاً؛ أمير المؤمنين، والصديقة الزهراء، والإمامان؛ الحسن والحسين، عليهم السلام، ثم إن "ذلك الخلق الأعظم الذي خلقه الله تعالى مجرداً من كل شائبة وتغيير، والذي بقاؤه مستمد من وجود الذات الإلهية، هذا الخلق وهبه الله للانسان وجعل نوره في قلب محمد، صلى الله عليه وآله، الذي هو حبيب الله –عزّوجل- وهذا اللقب يعني أن الله يحبه، ويكرمه، ويعظمه، وانه جعله أقرب الناس اليه".

عندما تكون معرفتنا بالنبي قائمة على هذه الحقائق تكون أكثر عمقاً، ولن تتأثر بأي شيء في الحياة مهما كان، وينسحب هذا الى معرفتنا بالأئمة المعصومين، ولذا نقرأ في الزيارة الأولى للإمام الحسين، عليه السلام، والواردة في "مفاتيح الجنان"، وهي الزيارة المروية عن الامام الصادق، وموثقة من كبار العلماء والمجتهدين، نقرّ بها بالشهادة للإمام الحسين "أنك وتر الله الموتور في السماوات والأرض"، ثم نقول: "من أراد الله بدأ بكم، بكم يبين الله الكذب وبكم يباعد الله الزمان الكَلِب، وبكم فتح الله وبكم يختم الله وبكم يمحو ما يشاء ويثبت"، "إرادة الله في مقادير أموره تهبط اليكم وتصدر من بيوتكم".

الطريق الثاني:

وهو الأخلاق والسلوك الحَسِن، والحديث عن أخلاق النبي لا تسعه هذه الأسطر، وقد كتب عنه الكثير، بيد أن ما يهمنا في الوقت الحاضر ايجاد المصاديق العملية لتلك الاخلاق النبوية، فاذا ينتشر في اوساطنا الاجتماعية شيء اسمه "الحجامة النبوية"، فمن الجدير، والواجب علينا نشر الاخلاق النبوية في سلوكنا وتعاملاتنا وفي جميع نواحي حياتنا، بدءاً من الأسرة، ثم العلاقات مع الجوار، والعلاقات في السوق والمدرسة والدائرة الحكومية، وفي كل مكان.

أبسط الأمور؛ الابتسامة، وإلقاء التحية، حتى على الصغار، وعندما يصافح أحداً لا يسحب يده، ولم يكن يرد سائلاً قط، وكان ايجابياً في كل شيء، وإلا لما صار رحمة للعالمين، أما التحذير والوعيد فهو من الله للعاصين والجاحدين والكافرين بأنعم الله.

اشتملت شخصية النبي الأكرم على كل الصفات والخصال الاخلاقية النبيلة، لذا جاء مدحه من السماء بـ { وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}، وكل ما نقرأه ونسمعه من أخلاقه، لابد ان نوجد له مكاناً في حياتنا، بما نتمكن، فالقضية تمثل تحدي كبير، وكلما فعلنا صفة معينة من صفاته الكريمة في افعالنا وسلوكنا كنّا أكثر معرفة به، وأكثر قرباً، ثم أكثر شوقاً لمزيد من عملية التطابق المرجوة مع سائر الصفات، كما العلم، كلما استوعب الانسان جزءاً وفهمه واندمج مع قلبه وروحه، راح يبحث عن المزيد من التطور والجديد في هذا العلم، والتوسع فيه، أما اذا بقيت مجرد كلمات نسمعها هنا وهناك، ونستمتع بها، كونها تلاطف القلب والروح، كأن يغفر للمسيئ، ويعطف على الصغير، ويقدّر شخصية المرأة، ويشجع الفقير على العمل والاستغناء، فانها وغيرها من المشاهد تبدو كأنها شريط ملون وجميل يمر بسرعة في اذهاننا، ولا تترك أي أثر في حياتنا المليئة بالتناقضات والمنغّصات بسبب ابتعادنا عن هذه الأخلاق الرفيعة.

هذه الدرجة من المعرفة العميقة هي التي تصنع حبّاً عميقاً وحقيقياً للنبي الأكرم، ولأهل بيته الكرام، عليهم السلام، ثم "يتحول هذا الحب الى سلوك، والسلوك الى برنامج، والبرنامج الى خط نستقيم عليه حتى الممات".

اضف تعليق