على الرغم من نجاح بعضها، كدول مجلس التعاون الخليجي، في عبور الازمة المالية والاقتصادية التي خلفها الاغلاق الكبير عام 2020، بفضل الحيز المالي المتاح نتيجة صناديق الثروة السيادية والاحتياطات الاجنبية المتراكمة، الا ان التغيرات الهيكلية وسياسات المناخ العالمية تولد ضغوطا مضاعفة على ضرورة البدء الجاد في تنويع...

شهد الاقتصاد العالمي تحولات هيكلية عديدة بعد تفشي فايروس كورنا عالميا مطلع عام 2020. وقد تمكنت معظم الاقتصادات المتقدمة والناهضة من التكييف مع التغيرات الهيكلية الجديدة في الاقتصاد العالمي نتيجة تنوع ومرونة اقتصاداتها والدور المحوري للتنافسية والانتاجية في النمو الاقتصادي.

غير ان مخاطر ومصاعب التحول مضاعفة واكثر خطورة ومشقة بالنسبة للاقتصادات احادية الجانب، النفطية تحديدا، في التكيف مع الواقع الجديد للاقتصاد العالمي. وعلى الرغم من نجاح بعضها، كدول مجلس التعاون الخليجي، في عبور الازمة المالية والاقتصادية التي خلفها الاغلاق الكبير عام 2020، بفضل الحيز المالي المتاح نتيجة صناديق الثروة السيادية والاحتياطات الاجنبية المتراكمة، الا ان التغيرات الهيكلية وسياسات المناخ العالمية تولد ضغوطا مضاعفة على ضرورة البدء الجاد في تنويع الاقتصاد وتقليص الاعتماد على النفط في توفير التمويل وتحقيق النمو الاقتصادي.

في هذا السياق ناقش صندوق النقد الدولي ابرز التطورات الاقتصادية والمالية في دول مجلس التعاون الخليج عبر تقرير تفصيلي حمل عنوان "الآفاق الاقتصادية وتحديات السياسات لدول مجلس التعاون الخليجي عام 2021"(1) نشر في (15 كانون الاول عام 2021). وقد استعرض التقرير الآفاق الاقتصادية والمالية لدول مجلس التعاون الخليجي في إطار التطورات والتوقعات المستقبلية للاقتصاد العالمي واوليات السياسة الاقتصادية في المرحلة القادمة.

وفيما يلي عرضا لأبرز ما تضمنه التقرير من ملاحظات وتوصيات:

1- كان الدعم المالي المقدم للقطاعات والشرائح السكانية المتضررة من الجائحة بالغ الأهمية في دعم الانتعاش والاستقرار الاقتصادي، ويجب الحفاظ عليه لتجنب آثار الأزمات طويلة الأمد والتخفيف من الآثار الاجتماعية. مع اهمية مراعاة الأعباء المالية والموازنة بين القضايا الاجتماعية والاقتصادية عند رسم السياسات الاقتصادية في المستقبل.

2- مع استمرار التعافي الاقتصادي، يجب العمل على التقليص التدريجي لسياسات الازمة، وإتاحة الوقت والفرصة لبعض القطاعات والشركات للتكيف مع الاسواق. مع ضرورة استعداد صناع القرار للاستجابة لتجدد أي صدمة خارجية جراء جائحة كورونا او نتيجة تحولات قد تشهدها اسواق النفط او الاقتصاد العالمي في المستقبل.

3- تعبئة الإيرادات غير النفطية من خلال إدخال ضريبة القيمة المضافة أو توسيعها، والإلغاء التدريجي للإعفاءات الضريبية وزيادة كفاءة تحصيل الضرائب، بما في ذلك اعتماد النظم الرقمية في الجباية، والنظر في اليات تطبيق وجباية ضرائب الدخل والشركات. وقد شهدت بعض دول الخليج تقدما في هذا المضمار. على سبيل المثال، رفعت المملكة العربية السعودية معدل ضريبة القيمة المضافة في منتصف عام 2020، بينما أدخلت عُمان ضريبة القيمة المضافة في شهر ايار من العام الحالي.

4- احتواء فاتورة الأجور من خلال إجراء الإصلاحات الضرورية للأجور والتوظيف الحكومي وفقا لمعايير الانتاجية والكفاءة. اذ تمثل فواتير رواتب القطاع العام نسبة كبيرة الى اجمالي النفقات العامة مقارنة بالدول الأخرى. وغالبًا ما تكون وظائف القطاع العام اكثر جاذبية مقارنة بوظائف القطاع الخاص مما يحتم ضرورة تقليص الفجوات الكبيرة بين اجور ومزايا التوظيف في القطاعين العام والخاص.

5- يعد ضمان سلامة البنوك أمرا بالغ الأهمية لاحتواء المخاطر المالية وينبغي تشديد الرقابة على تطبيق معايير الائتمان في الشركات الصغيرة والمتوسطة والإشراف على البنوك والمؤسسات المالية الأخرى. كما يجب تشجيع البنوك على معالجة تراجع الربحية من خلال زيادة الكفاءة وخفض التكاليف، عن طريق الاستمرار في تسخير فوائد الاطر الرقمية والتكنولوجيا المالية لتوسيع الشمول المالي، لا سيما للشركات الصغيرة والمتوسطة.

6- يعد تعزيز القدرة التنافسية والتنويع الاقتصادي ضرورة قصوى لبدان الخليج لتحقيق نمو واستقرار اقتصادي مستدام. ويعد الحفاظ على التنافسية وتعزيزها باستمرار أمرا بالغ الأهمية للتنويع الاقتصادي والاستثمار، لا سيما في سياق بداية التحول العالمي إلى اقتصادات منخفضة الكربون. وعلى المدى الطويل، يعد التحرك نحو النمو المستدام بيئيا أمرا ضروريا مع انخفاض الطلب العالمي المتوقع على النفط بسبب تزايد المخاوف العالمية بشأن تغير المناخ مما يجعل التحول الاقتصادي في دول الخليج أكثر إلحاحا من السابق.

7- هناك حاجة إلى مزيد من جهود الإصلاح الهيكلي لزيادة الإنتاجية والنمو وتعزيز التنويع ورفع معدل النمو المحتمل الشامل متوسط الأجل من خلال تسهيل إعادة تخصيص الموارد داخل وعبر القطاعات، بما في ذلك اعادة هيكلة الشركات غير القادرة على البقاء ودعم القطاع الخاص ليكون قاطرة للنمو وتوليد الوظائف في المستقبل.

8- الحد من التشوهات التي تؤطر سوق العمل من خلال تقليص الفوارق بين اجور القطاع العام والقطاع الخاص، واعتماد وتنفيذ سياسات أكثر مرونة للمغتربين الذين يشكلون جزءًا مهما من القوى العاملة ومصدر للمواهب في دول مجلس التعاون الخليجي لتجنب الانخفاض المفاجئ في عرض العمالة، مع اهمية تحسين جودة التعليم والتدريب لتوفير قوى عاملة تناسب اعمال المستقبل.

9- تعزيز اللوائح والحوكمة لزيادة تعبئة اموال القطاع الخاص والاستثمار الأجنبي المباشر في القطاعات غير النفطية ورفع الإنتاجية عموما. ويشمل ذلك الحد من القيود المفروضة على الملكية الأجنبية، ومواءمة المعاملات الضريبية للشركات المحلية والأجنبية، وتحسين الشفافية والمساءلة في القطاع العام، ومواصلة تعزيز أطر مكافحة غسل الأموال.

10- تعزيز الرقمنة استعدادا للمستقبل، اذ إن التحول الرقمي الذي تسارع انتشاره نتيجة تفشي جائحة كورونا سيفيد الدول والقطاعات والشركات التي استثمرت في التكنولوجيا الرقمية قبل وأثناء أزمة COVID-19. وتعد التطورات في مجال التكنولوجيا المالية والتحرك الشامل للأنشطة من المتاجر التقليدية إلى الإنترنت مهمة جدا لدول مجلس التعاون الخليجي في المرحلة القادمة.

11- يجب أن تكون السياسة المالية موجهة نحو تحقيق النمو الاقتصادي مع ضمان الاستدامة المالية طويلة الأجل. كما ينبغي إعطاء الأولوية لتعزيز أطر المالية العامة، وزيادة تعبئة الإيرادات غير النفطية، وزيادة كفاءة الإنفاق. مع تجنب سياسة الإنفاق المساير للتقلبات الدورية، واستخدام الوفرة المالية في بناء الاحتياطات الاجنبية لتعزيز الحيز المالي لدول الخليج وضمان حقوق الاجيال المستقبلية.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2021
www.fcdrs.com

..........................................
[1] - Economic Prospects and Policy Challenges for the GCC Countries - 2021, Prepared by Staff of the International Monetary Fund, 15 December 2021.

اضف تعليق