البيئة الإعلامية العراقية مشوشة ومتخبطة وغير ناضجة، تابعة للسياسيين والممولين، وأغلب المؤسسات الإعلامية هي أذرع سياسية تابعة للأحزاب والتيارات المتنفذة في الدولة العراقية، الصحفيون لا يملكون القرار وليست لهم سيطرة على النشر (وهذا ليس عيباً عراقياً إنما هو واقع يجري في كل أنحاء العالم)، لكن الفرق أن غير المختصين والموالين هم من يتسنمون المناصب العليا في المؤسسات الإعلامية العراقية ما يجعل المشكلة مركبة.

فالصحفي بحاجة إلى التعامل مع قرارات الرفض التي تأتيه من الإدارة بشأن ما ينتجه من عمل إعلامي مكتوب أو مرئي، في اتجاهين:

الاتجاه الأول: إنه يريد تحقيق أقصى قدر من الاستقلالية بينما تريد الإدارة تحقيق أقصى قدر من السيطرة والتحكم، ويختلف هذا الوضع حسب نوع الإدارة ونوع الصحفي نفسه.

الاتجاه الثاني: بعض الإدارات لا تملك رؤية واضحة لرسالتها الإعلامية، هي ترفض النشر لمجرد أن لديها تصوراً بضرورة منع النشر، وهو ما يثير غضب الصحفي، ويقلص فرص نشاطه واهتمامه بتطوير عمله.

والمؤسسات الإعلامية تكون عبارة عن جناح سياسي رسمي للحزب (وهذا ما يحدث غالباً)، وحتى ان وصل الصحفي لهذه اللحظة ما زالت الأمور تحت السيطرة، الأخطر عندما يجد الصحفي مؤسسات إعلامية لا تختلف كثيراً عن المعسكرات المعادية للبلد، كل ما تقوم به هو التدمير لكل ما هو عراقي ووطني، رسالتها هي التدمير.

في بعض الأحيان يجد الصحفي مؤسسات إعلامية لا تتقصد التدمير لكن سوء إدارتها يسهم بالتدمير، تماما مثل قائد الطائرة المدنية الذي لا يجيد القيادة فتسقط بالركاب وتخسر الدولة مواطنيها واقتصادها واسطولها الجوي.

هل على الصحفي الخضوع لهذه الإدارات سواء كانت السيئة منها أو الإدارة التي تجيد التخطيط للتدمير؟

ليس بالضرورة أن يتبع الصحفي كل ما تقوله الإدارة، ولكن لو عارض كل ما تقوله سيطرد من العمل، أو يزداد معدل الرفض لمنتجاته الإعلامية التي تخدم المجتمع، فما الحل؟ سأوضح الحلول عبر تصنيف الصحفيين حسب الحلول التي يتبعونها:

النوع الأول: بعض الصحفيين يجدون الاستقالة النهائية في العمل الصحفي باعتبارها الحل الأفضل، وأنا أجد هذا هزيمة من المعركة الأولى، ولستُ مع هذا النوع من القرارات التي تسبب الضرر بالبلد أكثر من النفع.

النوع الثاني: هناك نوع ثانٍ من الصحفيين العراقيين، عبر بيع مهارته بشكل كامل للمؤسسة الإعلامية، فيذوب وتضيع شخصيته، ويصبح عبداً لكل ما يطلب منه، وهذا النوع هو أسوأ أنواع الصحفيين وأكثرهم وفرة في المؤسسات الإعلامية العراقية.

النوع الثالث: ذلك الصحفي الذي يرفض الاستقالة من عمله، لكنه يعمل بكل طاقته وجهده من أجل رسالة اجتماعية ووطنية لخدمة بلده بكل الطرق المتاحة.

هذا النوع من الصحفيين قليل لكنهم موجودين ويعملون ليلاً ونهاراً من داخل المؤسسات الإعلامية الحزبية لخدمة وطنهم ومجتمعهم، هؤلاء يحاولون تغيير مسار العجلة من الداخل، عبر التغلغل وسط ماكنة التوجيه، فينجحون قليلاً لتحقيق رسالتهم ويفشلون كثيراً لكنهم لا يكلون ولا يملون في العمل، لأن صاحب الرسالة لا تهمه المغريات بقدر ما تهمه رسالته، هو يشعر أنه صاحب أمانة عليه إيصالها إلى مكانها الصحيح وبالموعد المحدد قبل أن تحل الكارثة في مجتمعه.

لكن هذا الصحفي يتعرض للكثير من سوء الفهم، سواء من زملائه أو من مجتمعه، فالزملاء والمجتمع يقيسون الأمور بظواهرها وليس بالتفاصيل الدقيقة، فما دمت تعمل بمؤسسة حزبية يراك الكثير أنك صرت منهم، وهذا تصور خاطئ.

الصحفي العراقي الوطني يعاني كثيراً قبل أن يحقق أهدافه وكله أمل بتغيير الفوضى ومنع سيطرة الإدارات السيئة على المؤسسات الإعلامية عندما تكون هناك حماية قانونية للصحفي الحر، وحماية أكبر لكل صحفي يريد نشر رسالة البناء الاجتماعي والوطني.

اضف تعليق