قرأتُ مرةً في مرحلة الشباب والحماسة، جملةً في إحدى المسرحيات العالمية، مفادها (نكونُ أو لا نكون)، قالها بطل المسرحية المصمِّم على الانتصار، لكن فيما بعد ظهرت جملة معاكسة لها تماما مفادها (نكون أو نكون)، بمعنى أننا في جميع الأحوال والنتائج، لا نقبل إلا بالفوز أو النجاح أو الانتصار، فهذه المفردات كلّها توحي بمفردة (نكون)، أي أننا فائزون.

في إحدى الحكايات العالمية، وتحديدا من التراث الياباني، يُحكى أن هناك رجلا سعى إلى توحيد الأمة اليابانية، وإنهاء حالة الشرذمة والضعف التي كانت تعاني منها، فقاد هذا الرجل جماعة من المقاتلين الفرسان، وكان يحمل معه قطعة معدن دائرية، أقنع مقاتليه ورجاله بأنها (سحرية)، إذ يمكنها أن تخبرهم بنتائج المعارك قبل خوضها.

أخبر القائد مقاتليه بأن القطعة المعدنية ذات وجهين، أحدهما يحتوي على كتابة، والآخر على صورة، وقال لهم: قبل أن نخوض أية معركة، لابد أن نقذف بقطعة المعدن الدائرية إلى الأعلى، وننتظرها حتى تستقر على الأرض، فإذا كان الوجه الظاهر لنا هو الوجه الذي يحمل (الصورة)، فإن انتصارنا في المعركة مضمون تماما، وإذا ظهر لنا الوجه الثاني للقطعة المعدنية الذي يحمل (الكتابة) فإننا سوف نُهزَم.

وكان القائد يُدخِل جنوده في دورات قتالية شاقة، ويحثّهم على التدريب المتواصل، ويزيد حماسهم بمعرفة نتيجة المعارك قبل حدوثها، فكان قبل خوض أية معركة، يجمع مقاتليه كلّهم، ويقذف بقطعة النقود عاليا، وينتظر هو وجنوده برغبة ورهبة وشغف على أيّ الوجهين ستستقر، وهكذا كانت معنويات الجنود تتضاعف بفعل قطعة المعدن السحرية.

ففي جميع المعارك التي خاضها هذا القائد الياباني بجنوده المدرَّبين جيدا، كان لا يدخل المعركة إلا بعد أن ينال جنوده دعمَ (قطعة المعدن السحرية)، وفي جميع معاركه أيضا، كانت القطعة المعدنية تُظهر لهم الوجه الذي يحمل الصورة، وكان هذا يعزز من معنوياتهم، ويجعلهم يؤمنون أكثر بأن نتيجة المعركة محسومة لهم.

وهكذا تصاعدت انتصارات هذا القائد وجنوده، ومع مرور السنوات أصبح لديه جيشاً من المقاتلين الأشدّاء، وقد استطاع أن يوحِّد الأمة اليابانية، ويكون إمبراطوراً لها، وبنى دولة قوية ضاهت أعظم الدول في عهده، بل وتفوقت على الكثير منها.

وحين بلغ الإمبراطور من العمر عتيّا، ووهنت قواه وصار الموت قاب قوسين أو أدنى منه، عَهَد لابنه أن يقود الدولة من بعده، حينئذ طلب الابن من أبيه أن يعطيه قطعة المعدن السحرية، حتى تنبئهُ وجنوده بالنصر قبل حدوثه في المعارك المقبلة، فوافق أبوه ومنحهُ قطعة المعدن الدائرية، لكنّ ما ظهر للابن كان غريباً، إذ أن كلا الوجهين للقطعة المعدنية كانا يحملان الصورة نفسها، ولا يوجد وجه يحمل الكتابة!!

فوجئ الابن بهذا الموقف، وصُدم بخداع أبيه لجنوده المخلصين، ولم يستطع معرفة سبب ذلك، فقال لأبيه: ماذا أفعل مع الجنود، هل أخبرهم بأنك كنت تخدعهم، وأن القطعة السحرية تحمل في وجهيْها صورتين متشابهين، ولا توجد كتابة في أحد الوجهين؟؟

فأجابه أبوه: أما أن نكون أو..... نكون، لم يكن أمامي خيارٌ آخر، فأما النجاح وأما النجاح، ليس أمامك ولا أمام جنودك سوى وجه واحد، هو وجه الصورة، أي وجه النجاح والانتصار، خذ هذه القطعة وواصل المسيرة، لا يوجد خداع في الأمر.....

إذاً ونحنُ نخوض معركة الحياة، ليس أمامنا سوى أن نهزم العقبات والمشكلات، وننتصر عليها، وإذا لم يكن أمامنا سوى خيار النجاح والانتصار، فهذا يعني بأننا ناجحون متفوقون منتصرون، هناك الكثير من البشر يستسلم في معركة الحياة، ويجرّ ذيول الهزيمة، ويفقد قدرته على أن يكون إنسانا فاعلا، ويبقى يعيش على الهامش، لأنه لم يؤمن بأن الخيار الوحيد أمامه هو النجاح، لذلك يجب أن تنافس الهزيمةُ النصرَ في معركة الحياة.

هناك من ينظر إلى هذا الكلام على أنه غير واقعي، أو أنه ضرب من الخيال، ولكن إذا عُدنا إلى السِيَر العلمية والعملية الذاتية للعظماء، فإننا نجدهم من هذا النوع الذي طرد خيار الاستسلام من حياته، ولم يُبقِ أمامه سوى نافذة النجاح والانتصار، وكلٌ منْ هؤلاء العباقرة، كان لديه (تعويذتهُ السحرية)، ربما تختلف عن بعضها بالشكل أو المادة، لكنها ساعدته على النجاح، كما ساعدت الإمبراطور وجنوده في معاركهم.

قد يقول قائل، هذه القطعة المعدنية السحرية تصلح للقادة فقط، ويمكن الاستفادة منها في الحروب فقط، لكنّ هذا القول ليس صحيحا، لأن كل إنسان بمفرده هو قائد حتى لو قاد ذاته بمفردها، فكل حياة فردية تحتاج إلى قيادة، وكلٌ منا يجب أن يتحلى بمعنويات عالية في مواجهة معركة الحياة، لذلك على الإنسان أن يؤمن بطرد خيار الهزيمة، ولا يسمح لها بمنافسة خيار الفوز في حياته الفردية والجمعية معاً.

اضف تعليق