إسلاميات - المرجع الشيرازي

العراق التعددي والإدارة الصالحة

قبسات من فكر المرجع الشيرازي

من الامور المتَّفق عليها، أن جميع المستلزمات والعناصر المادية التي يحتاجها، يحتاجها العراق لكي يكون دولة متقدمة موجودة، أو متوافرة عند أصحاب القرار، ليس اليوم فقط، بل منذ أن نشأ العراق، كانت أرضه متخمة بالخيرات والثروات، والطاقات التي فيما لو تم استثمارها واستخدامها بالطرق الصحيحة، لكان العراق من الدول الأوائل في العالم التي ترتقي عرش التطور والاستقرار، ولكن مشكلة العراق والعراقيين، أن مقومات ومستلزمات التطور لم يتم إدارتها بصورة سليمة، وقد انعكس هذا على اوضاع البلد بصورة مباشرة، وبدلا من يصطف العراق الى جانب الدول المتقدمة، كنتيجة طبيعية لثرواته وخيراته وموارده الهائلة، تحوَّل الى بلد ضعيف، شعبه يعاني منى الفقر ويكافح من اجل القضاء على الاضطراب والاستبداد والارهاب الذي يعاني منه حاليا.

إذاً فالأمر يتعلق بطبيعة ادارة موارد البلاد، فضلا عن طبيعة العلاقات السياسية المتبادَلة بين الأحزاب والكتل والشخصيات الناشطة سياسيا في العراق، وما ينعكس من هذه العلاقات على صناعة القرار بصورة سليمة، لاسيما في مجال التنمية الاستراتيجية، وتقديم الخدمات الآنية للشعب، من اجل حياة أكثر رفاهية وحرية، على أن يكون مبدأ التعددية حاضرا على الدوام، من اجل التعايش السلمي بين الجميع، وكل هذه الامور تحتاج الى إدارة ماهرة خبيرة ومدرَّبة وتحمل سمات القيادة النزيهة في نفس الوقت، لذا يحتاج العراق الى إدارة تحمل الصفات المذكورة، يُطلَق عليها (الإدارة الصالحة)، تعتمد الحرية والتعددية ومعالجة قضية المساحات الهائلة من الارض، واستثمارها (شعبيا وطوعيا)، بدلا من تركها بلا فائدة ولا انتاج.

من هنا يحثنا سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله)، في احدى كلماته التوجيهية القيّمة، على أولوية تبنّي هذه المبادئ، إذ يقول سماحته في هذا المجال: (الإدارة الصالحة في العراق ينبغي أن تقوم على مبدأ الحرية الإسلامية، والتعدديّة القرآنية، وإحياء الأرض لمن عمّرها). ويربط سماحته سعادة العراقيين بالإدارة والقيادة التي تتمسك بهذه المبادئ وتعمل في ضوئها، كي تخدم الشعب، وتبني الدولة المزدهرة في آن واحد، كما نقرأ ذلك في قول سماحته: (لو قيّض الله للعراق من يعمل بالمبادئ -التي سبق ذكرها أعلاه- فسوف يسعد الشعب العراقي ويصل إلى مدارج الرقي والازدهار) .

العراق ومستلزمات التقدّم

اذا كانت العلّة التي يعاني منها العراق هي سوء الادارة، بسبب سياسيين فاشلين، وإداريين لا خبرة لديهم ولا كفاءة، فالمطلوب لتصحيح هذا الخلل واضح، يتمثل باختيار القادة الذين يمتلكون مؤهلات الادارة السياسة الناجحة، وصناعة القرار السليم، والكفاءات المتميزة في التخطيط السليم، على ان تتم وتقوم كل هذه الأنشطة العملية التنفيذية على منهج واضح، يعتمد الرشاد والدقة والعلمية والعدالة، وهو لاشك موجود في منهج أهل البيت عليهم السلام، فعندما يباشر السياسي والاقتصادي والاداري عمله، لابد أن يكون له نموذج يتعلم منه ويقتفي آثاره وخطواته، والقدوة والنموذج هنا هم أهل البيت عليهم السلام، وكيف تعاملوا مع هذه القضايا الجوهرية في حياة الامة، فصاحب القرار الذي يسير على منهج الأئمة الابرار، لابد أن ينجح في مسعاه.

وهذا ما أكده سماحة المرجع الشيرازي في قوله: (العراق لا يحتاج إلاّ إلى إدارة رشيدة تقوم على منهج أهل البيت عليهم السلام). وبطبيعة الحال ليس المطلوب هنا، أن يؤمن أصحاب القرار شكليا بمبادئ أهل البيت، فالإيمان الشكلي قد يكون غطاءً للجهل السياسي والاقتصادي والاداري، بمعنى، ربما يتسلق بعضهم نحو مناصب مهمة في الدولة استنادا الى ايمانه الشكلي المذكور، وقد يكون بلا كفاءة ولا مؤهلات، هذا النوع من الساسة لسنا بحاجة لهم، لأن العراقيين يحتاجون السياسي المؤمن قولا وفعلا بمنهج أئمة اهل البيت عليهم السلام، أي أنه مؤمن ويملك المؤهلات القيادية المطلوبة والكفاءة التي تساعده على تطبيق المنهج الصحيح في صناعة القرار وتنفيذه ايضا، لاسيما اذا عرفنا أن العراق لا ينقصه شيء مما يسهم في بناء الدولة القوية الراسخة، فيما لو امتلكت ادارته السياسية والاقتصادية، الكفاءة والقدرة على السمو به الى آفاق الدول المتقدمة، كونه بلد يمتلك عناصر السعادة كلها.

وهذا ما يؤكده تحديدا سماحة المرجع الشيرازي عندما يقول في كلمته المذكورة نفسها عندما يؤكد على: إن (كل ما يغذّي عصب التقدّم والحياة السعيدة موجود في العراق). وعندما تتوافر جميع المقومات لبناء الحياة السعيدة، ولم يهنأ بها شعب العراق، فإن الخلل في هذه الحالة واضح تماما، فالمطلوب قيادة سياسية تمتلك القدرة والخبرة الادارية المتميزة، والمدعومة بالخبرة والكفاءة اللازمة، مع أهمية جودة التخطيط والمنهج الذي تسير عليه في ادارة الدولة وشؤون المجتمع.

آن الأوان لينعم العراقيون بخيراتهم

ليس الشعب العراقي وحده، بل التاريخ والعالم كله، يُجمع على أن هذا الشعب ذاق الأمرّين من حكوماته، وقادته، فكانت الاخطاء السياسية والادارية كارثية دائما، أما الضحية لهذه الكوارث وما ينعكس من اضرار فادحة نتيجة عدم كفاءة الحكومات، فإن العراقيين من عامة الناس هم الذين يتحملون عبء تلك الاخطاء القاتلة، فلا عدالة ولا مساواة ولا تكافؤ فرص، ولا استثمار صحيح للثروات، مع أن هذا البلد يحمل في تربته وارضه موارد هائلة، لكن شرائح واسعة تعاني من العوز والفقر، والسبب دائما جهل القادة واستئثارهم، وتفضيلهم لمصالحهم الشخصية والعائلة على حساب حقوق الشعب.

إن فشل الساسة والمخططين والإداريين يعود في حقيقة الامر، لأنهم لم يستحضروا قادتنا العظماء في تاريخنا، وكيف تعاملوا مع الدولة ومواردها، وكيف كان منهجهم في القيادة والادارة واستثمار الموارد والاموال، فلو كان اولئك القادة على اطلاع وايمان بسيرة الامام علي عليه السلام، ولو انهم جعلوا منه نموذجا لهم، لاختلفت احوال العراقيين حتما، عما عليها من أذى، ولا تزال الفرصة سانحة لهم جميعا، إذ يمكنهم استذكار هذا النموذج العظيم، واعتماد سيرته في القيادة منهجا فكريا وعمليا، من اجل النجاح في إدارة البلاد.

يقول سماحة المرجع الشيرازي في هذا الصدد: (ينبغي التذكير - دائماً- بالفترة الذهبية من تاريخ العراق الذي تنعّم فيه بحكم الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، مستحضرين نماذج من عدله حتى مع أعدائه). إذن قضية العدل في القرار، وفي توزيع الثروات، والتعامل مع الآخرين، ينبغي ان تكون منهجا لا يحيد عنه القائد السياسي، حتى مع اعدائه.

لذلك يحتاج العراقيون الى مثل هذه القيادة، وهذه الادارة الناجحة، لاسيما أن الظروف الراهنة كلها تصب في هذا الاتجاه، وتساعد على تحقيق هذا الهدف، فالشعب العراقي في الحقيقة متلهّف للقيادة الناجحة، وهو يتطلع الى تعويضه عن عقود بل حقب الحرمان والعوز التي عانى منها اشدّ المعاناة، فقد آن الأوان فعلا لتحقيق ما يتطلع له العراقيون في هذا المجال، علما أن قيام الادارة الناجحة ليس محالا، ولا يدخل في خانة المستحيل، ولعل الشرط الاول لتحقيق هذا الهدف، هو أن تتوافر الإرادة القوية الصادقة، لتأسيس وصناعة إدارة دستورية قوية وخبيرة وقادرة على تحقيق تطلعات العراقيين في هذا الجانب.

كما نقرأ ذلك في قول سماحة المرجع الشيرازي بوضوح تام: إن (الإدارة الصالحة التي يطمح إليها الشعب العراقي ويتوقُ لها منذ عدّة قرون قد جاء الوقت لأن ينعم بها).

اضف تعليق


التعليقات

باقر حميد جاسم
بغداد
فعلا نحن نحتاج الى الحكومة الصالحة التي ترعى حقوق الناس قبل مصالحها، ولكن كل الحكومات التي مرت بحياتنا لك تهتنم بالشعب، نحن نطالب بحكومة عادلة وشريفة...2015-04-09