يرى البعض أن الحل هو إلغاء حق المواطنين في حمل السلاح، فإن آخرين يؤيدون تخفيف بعض القيود على حمل السلاح. في حين أن معظم الأمريكيين يؤيدون الحلول الوسطى. لكن ماذا سيحدث لو اختفت الأسلحة النارية فجأة وبلا رجعة من الوجود؟ صحيح أن هذه الفكرة قد...
بقلم: راشيل نوير

في مارس/أذار 2018 انطلقت مظاهرات في مختلف أنحاء الولايات المتحدة شارك فيها أكثر من مليوني شخص، احتجاجا على العنف المسلح. ورغم ذلك تباينت آراء الأمريكيين إزاء حق المواطنين في حيازة الأسلحة النارية.

وبينما يرى البعض أن الحل هو إلغاء حق المواطنين في حمل السلاح، فإن آخرين يؤيدون تخفيف بعض القيود على حمل السلاح. في حين أن معظم الأمريكيين يؤيدون الحلول الوسطى.

لكن ماذا سيحدث لو اختفت الأسلحة النارية فجأة وبلا رجعة من الوجود؟ صحيح أن هذه الفكرة قد تبدو مستحيلة، إلا أنها تجعلنا نسقط السياسة من المعادلة ونفكر بموضوعية في الانعكاسات المحتملة لقرار الحد من الأسلحة النارية في العالم.

لعل النتيجة المباشرة لاختفاء الأسلحة ستكون ببساطة انخفاض عدد ضحايا الأعيرة النارية. إذ يبلغ عدد ضحايا أحداث العنف باستخدام الأسلحة النارية نحو 500 ألف شخص سنويا حول العالم. ويسجل أكبر عدد من خسائر الأرواح جراء العنف المسلح في الولايات المتحدة الأمريكية، التي يمتلك مواطنوها ما يتراوح بين 300 و350 مليون قطعة سلاح ناري، فضلا عن أن معدلات جرائم القتل باستخدام الأسلحة النارية في الولايات المتحدة أعلى بنحو 25 مرة منها في سائر البلدان مرتفعة الدخل مجتمعة.

يقول جيفري سوانسون، أستاذ علم النفس والعلوم السلوكية بكلية الطب بجامعة ديوك في ولاية نورث كارولينا، إن حوادث إطلاق النار في الولايات المتحدة تحصد أروح نحو 100 شخص يوميا في الولايات المتحدة. وقد يسهم حظر الأسلحة في إنقاذ آلاف الأرواح.

وتشير الإحصاءات إلى أن حوادث الانتحار تمثل نحو 60 في المئة من حوادث القتل باستخدام الأسلحة النارية التي سجلت في الفترة ما بين 2012 و2016 في الولايات المتحدة، والبالغ عددها 175,700 حادثة.

ويقول توم غابور، خبير في علم الجريمة وعلم الاجتماع، إن أكثر من 80 في المئة من محاولات الانتحار باستخدام الأسلحة النارية تنتهي بالوفاة، لانخفاض فرص المنتحر في النجاة.

حظر الأسلحة النارية

أثبتت أستراليا أنه كلما انخفضت أعداد قطع السلاح المتاحة، تراجعت أعداد الوفيات جراء حوادث العنف المسلح والانتحار. ففي عام 1996 فتح مسلح النار على زوار موقع أثري بمدينة بورت أرثر في تسمانيا، وأسفر الهجوم عن سقوط 35 قتيلا و23 جريحا، ولم تكد تمر أيام حتى أصدرت الحكومة تشريعات جديدة تحظر حيازة الأسلحة شبه الآلية والبنادق، واشترت من المواطنين الأسلحة النارية التي شملها الحظر بسعر السوق وأتلفتها بأكملها.

ويقول فيليب ألبرز، أستاذ مساعد بكلية الصحة العامة بولاية سيدني، إن مخاطر حوادث القتل أو الانتحار باستخدام الأسلحة النارية في استراليا انخفضت بنسبة تفوق 50 في المئة منذ إصدار القوانين الجديدة لحظر الأسلحة النارية.

واللافت أن الأسلحة النارية لم يحل محلها وسائل قتل أخرى، بحسب ألبرز.

وتزيد الأسلحة النارية أيضا من مخاطر العنف المنزلي، إذ أشارت دراسة إلى أن مخاطر قتل النساء جراء العنف المنزلي تزداد من خمس إلى ثماني مرات في حالة حيازة شريك الحياة لسلاح. وخلصت بعض الدراسات إلى أن وجود سلاح ناري في المنزل يزيد احتمالات السلوكيات العدوانية لدى الرجال، ويطلق على هذه الظاهرة "أثر السلاح".

وقد يعزى ارتفاع معدلات جرائم القتل العمد في الولايات المتحدة مقارنة بالدول المتقدمة، إلى أن أكثر حوادث الاعتداء في الولايات المتحدة ترتكب باستخدام الأسلحة النارية، التي تزيد من احتمالات إزهاق الأرواح بسبع مرات.

ويقول سوانسون: "إذا تشاجر شابان غاضبان ومخموران في المملكة المتحدة، سيسفر الشجار عن كدمات في الأنف والعين، لكن في الولايات المتحدة، تشير الإحصاءات إلى أن أحد هذين الرجلين سيكون بحوزته على الأرجح سلاح يدوي، وسيردي الآخر قتيلا".

ويقول روبرت سبيتزر، أستاذ العلوم السياسية بجامعة نيويورك في مدينة كورتلاند، إن نوع السلاح المستخدم في الواقعة يلعب دورا كبيرا في مآلاتها. ولا يوجد سلاح أكثر فتكا من السلاح الناري.

وأشارت دراسة أجريت عام 2017 إلى أن معدلات القتل العمد باستخدام الأسلحة النارية تكون أقل في الولايات الأمريكية التي تفرض قوانين أكثر صرامة على حيازة الأسلحة.

وقد تتسبب الأسلحة النارية في وقوع عدد أكبر من القتلى في المواجهات بين عناصر الشرطة وبين المجرمين. إذ يُقتل نحو 1,000 مواطن أمريكي سنويا برصاص الشرطة، في حين أن علميات الاعتقال في أستراليا وكندا لا تكاد تسفر عن وقوع أي قتلى، رغم أن عناصر الشرطة يحملون أسلحة في البلدان الثلاثة.

ولا شك أن ثمة دوافع عديدة وراء تورط ضباط الشرطة في جرائم القتل، منها التمييز العنصري، لكن الكثير من هذه الجرائم ما كانت لتقع لولا انتشار الأسلحة النارية.

ويقول تيد ميلر، عالم أبحاث في معهد المحيط الهادئ للبحوث والتقييم، إن أغلب جرائم العنف التي ارتكبتها الشرطة الأمريكية كان مردها الخوف من الإصابة بالأعيرة النارية. فإن أكثر من نصف الأشخاص الذين قُتلوا برصاص الشرطة في عام 2016 كانوا مسلحين، وسقط الكثير منهم أثناء تبادل إطلاق النار مع ضباط الشرطة.

وإذا اختفت الأسلحة النارية سيتراجع أيضا عدد حوادث الإرهاب المحلي. إذ أشارت دراسة أجريت عام 2017 على أكثر من 2,800 هجوم إرهابي في الولايات المتحدة وكندا وغرب أوروبا وأستراليا ونيوزيلندا إلى أن الأسلحة النارية توقع أكبر عدد ممكن من الضحايا، مقارنة بأساليب القتل الأخرى، حتى المتفجرات وعمليات الدهس المتعمد. واستخدمت الأسلحة النارية في جميع الهجمات الإرهابية في الولايات المتحدة منذ الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، ما عدا اثنتين.

سلام بعيد المنال

وهناك الكثير من الأدلة التاريخية التي تثبت أن العنف متأصل في النفس البشرية، ولم تكن الأسلحة النارية إلا أحد الوسائل التي استخدمتها الأطراف المتناحرة لإراقة الدماء. ويضرب ديفيد يامين، أستاذ علم الاجتماع بجامعة ويك فوريست بولاية نورث كارولينا، مثالا بالإبادة الجماعية التي شهدتها رواندا، مشيرا إلى أن معظم المذابح التي ارتكبت في رواندا لم تستخدم فيها الأسلحة النارية.

وبعبارة أخرى، إن الحروب والصراعات والنزاعات الأهلية لن تتوقف باختفاء الأسلحة النارية من الوجود، لكن بدلا من العودة للأسلحة البيضاء، من سيوف وسهام وحراب، ستستخدم الدول الحديثة آلات قتل أخرى، كالمتفجرات والدبابات والقذائف والأسلحة الكيميائية والبيولوجية.

وترى ريزا بروكس، أستاذة العلوم السياسية بجامعة ماركيت في ويسكونسن، أن الدول قد تخترع أسلحة جديدة لتحل محل الأسلحة النارية، وستبرع الدول الأغنى والأقوى في ابتكار أكثر الأسلحة فتكا. ويقول بروك إن تغير شكل الأسلحة في الحروب لن يصاحبه تغير في موازين القوى.

لكن اختفاء الأسلحة النارية سيؤثر حتما على الجماعات والمليشيات المسلحة، كما هو الحال في الصومال والسودان وليبيا التي تتوفر فيها الأسلحة النارية بأنواعها. وتقول بروكس، إن هذه الميليشيات المسلحة تحتاج لأسلحة يسهل الحصول عليها ونقلها وتخزينها وإخفائها.

إلا أن بروكس تنبه إلى أن كسر شوكة المليشيات ليس أمرا مفيدا في جميع الأحوال، لأن بعضها يتألف من عناصر مقاومة لعنف الحكومات المستبدة.

الحياة البرية

وفي الوقت الذي سيتراجع فيه الصيد الجائر وغير الشرعي للحيوانات المهددة بالانقراض تماما إثر اختفاء الأسلحة النارية، فإن السيطرة على الحيوانات المسببة للمشاكل، مثل الراكون المصاب بالسعار أو قطيع الفيلة المذعور أو الثعابين السامة سيزداد صعوبة.

ويقول ألبرز، إن هناك الكثير من الأسباب المشروعة لامتلاك الأسلحة النارية، ولا سيما في دول مثل أستراليا ذات المزارع الشاسعة.

ويضيف أن الأسلحة النارية لا غنى عنها للسيطرة على الأنواع الدخيلة المضرة التي تغزو بعض المناطق فتهدد الأنظمة البيئية وخاصة في الجزر. وفي حالة اختفاء الأسلحة النارية، سيصبح القتل الرحيم للحيوانات المصابة أكثر وحشية.

الأهمية الاقتصادية

ستكون الولايات المتحدة، من الناحية الاقتصادية، أكبر الخاسرين من اختفاء الأسلحة النارية. فبحسب تقديرات اتحاد تجار الأسلحة النارية، تسهم تجارة الأسلحة النارية بنحو 50 مليار دولار في الاقتصاد الأمريكي. ويقول سبيتزر إن هذا المبلغ ليس كبيرا بما يكفي للتأثير على اقتصاد بحجم الاقتصاد الأمريكي.

بل قد تجني الولايات المتحدة مكاسب اقتصادية غير مباشرة إذا اختفت الأسلحة النارية. إذ تقدر الخسائر المباشرة وغير المباشرة التي تتكبدها الولايات المتحدة جراء حوادث العنف المسلح، بما في ذلك التكاليف ذات الصلة بالإصابات وخسائر الأرواح وغير ذلك، بأكثر من 200 مليار دولار سنويا.

ويشير ميلر إلى الفوائد العينية أيضا التي ستعود على الناس، منها الشعور بالأمان. ويقول ميلر إن الجيل الجديد لن يسمع دوي الأعيرة النارية الذي يصيب الناس بالذعر ويخلف لديهم آثارا نفسية، وبالتالي ستتحسن الصحة النفسية للأطفال.

ويرى غابور أن حوادث القتل الجماعي تمزق نسيج المجتمع وتقوض إحساس الناس بالأمان والثقة في بعضهم البعض، وتسبب آثارا اجتماعية ونفسية عميقة.

لكن في المقابل، قد يشعر بعض حائزي الأسلحة المرخصة بالخوف وانعدام الأمان إذا حُرموا من أسلحتهم. إذ يحمل البعض الأسلحة دفاعا عن النفس. وفي حالة حظر الأسلحة، قد لا يستطيع الضحايا المحتملون للعنف حماية أنفسهم من المهاجمين الأقوى والأعنف.

لكن دور الأسلحة في حماية الناس ومدى أهميتها في الدفاع عن النفس لا يزالان محل جدل، إذ أجريت دراسة في عام 1993 على 1,860 جريمة قتل عمد، وخلصت إلى أن وجود السلاح في المنزل يزيد مخاطر ارتكاب جرائم القتل إلى حد كبير. وفي عام 2014، خلص استعراض لعدة دراسات إلى أن إتاحة الأسلحة النارية يرتبط بزيادة معدلات جرائم القتل العمد ومحاولات الانتحار الناجحة.

وينبه ميلر إلى أن الأشخاص الذين يصطادون الحيوانات لأغراض ترفيهية، أو يشاركون في نواد الرماية للتسلية، أو لديهم هواية جمع الأسلحة قد يستعيضون عن البنادق بالسهام على سبيل المثال.

ويقول إن حظر الأسلحة النارية سيغضب عشاق الأسلحة النارية لأنها تعد وسيلة تسليتهم المفضلة، لكنه في المقابل سينقذ أرواح الكثيرين.

http://www.bbc.com/arabic

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق