فرض قيم النظام الليبرالية دون موائمتها للبيئة الفكرية، والتي تكمن في ظهور عقائد الالتفات والانطواء الحضاري والتي تهدف الى تعميق حس الانتماء الذاتي برغبة متطرفة في بعض الاحيان، فكانت أحد الاسباب الراعية للانقسام الحضاري الذي يعيشه المجتمع العالمي، فلكل فعل رد فعل، اذ كان رد...

يقول جون لوك ((ان الحرية الكاملة هي التحرك ضمن القوانين الطبيعية وإمكانية اتخاذ القرارات الشخصية والقرارات بشأن الملكية الخاصة دون قيود كما يريد الإنسان ودون أن يطلب هذا الإنسان الحق من أحد، ودون التبعية لإرادات الغير أيضا)).

ترعرعت فلسفة الليبرالية حول نفس مضمون هذه الفكرة، حيث انطلقت بشقيها السياسي والاقتصادي تحتضن توجهات القوى العالمية الراعية لها ونحدد بالقول المملكة المتحدة والولايات المتحدة الامريكية، هذه القوى هي التي انعشت فلسفة الليبرالية وهي الان، تحول خلف ثغرات بينية في صلب النظام الليبرالي، فالكل يعلم حيثيات معضلة بريكست التي تصيب الاتحاد الاوروبي، وازمة القيم التي تصيب الولايات المتحدة الامريكية خصوصا مع صعود ترامب الى السلطة، واشكالية تحولات الحرية الفردية الاضافة الى المعضلة النقدية التي يعاني منها النظام المالي العالمي.

هذه الارهاصات بدون شك تشكل تحديا باتت تعصف بأساس النظام الليبرالي الغربي، حتى وصل الحال الى نسف القيم الاقتصادية القائم عليها هذا النظام، من خلال توجهات الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي الرامية الى خنق حرية التجارة مع الصين من خلال شن الحرب التجارية على واردات الصين اليها، رغم ان الصين مصممة على عدم الالتزام بالملكية الفكرية والابتكارية، الا ان هذا لا يعني ان تقوم القوى الغربية الراعية لعرش الليبرالية بضرب اسس هذا النظام، هذه الارهاصات هي بالتأكيد ليست وليدة توجهات مارقة وانما هي وليدة تناقضات فكرية ناجمة من صلب العقيدة الليبرالية.

اما الاشكالية الاخرى التي ترتبت على فرض قيم النظام الليبرالية دون موائمتها للبيئة الفكرية، والتي تكمن في ظهور عقائد الالتفات والانطواء الحضاري والتي تهدف الى تعميق حس الانتماء الذاتي برغبة متطرفة في بعض الاحيان، فكانت أحد الاسباب الراعية للانقسام الحضاري الذي يعيشه المجتمع العالمي، فلكل فعل رد فعل، اذ كان رد فعل البيئة النافرة لعقيدة الليبرالية وارهاصاتها الانطواء الحضاري على الذات والتمسك بالثقافة الاصلية والعودة الى الجذور وتراث لبعض المجتمعات العالمية.

ويمكن القول ان هناك اربع نماذج من هذه المجتمعات، والتي تتجلى بالاتي:

1- النموذج الاسلامي: تعالت الاصوات في بعض المجتمعات الاسلامية والتي بدأت تطالب بضرورة العودة الى الحكم الاسلامي وعدم الانصياع للعقيدة الليبرالية، ولكن نوع هذه المطالبات قد انقسمت الى تيارين اثنين هما:

أ- التيار المتشدد الذي اخذ على عاتقه اتباع وسيلة العنف من اجل تحقيق هذه الهدف، والمتمثل بالجماعات الاسلامية الجهادية.

ب- التيار المعتدل المتمثل بالأحزاب الاسلامية السياسية (السنية والشيعية) والتي بدأت تطالب بتطبيق النظام الاسلامي، والابتعاد على كل ما يتعلق بالليبرالية كمنهج سياسي او اقتصادي، حيث رفعت شعار بناء دولة مدنية على اسس اسلامية راسخة.

2-الانموذج الروسي (السلافي): تعالت الاصوات في داخل روسيا الاتحادية التي تطالب بضرورة العودة الى الحقبة الامبراطورية السلافية وضرورة العودة بالنظام العالمي التي كانت تتنفذ به، مع الابتعاد عن كل ما يتعلق بالليبرالية الغربية كمنهج سياسي او اقتصادي، والتأكيد على صياغة نموذج عقائدي يتلاءم مع المنطلقات المسيحية السلافية الاورواسوية، ويمكن القول ان الرئيس الروسي (فلاديمير بوتين) يعبر عن نفس هذه التيار.

3- الانموذج الصيني: رغم ان الصين ذات نظام شيوعي مختلط، الا انها بدأت تأخذ ببعض تطبيقات النظام الليبرالي خصوصاً في خصخصة بعض القطاعات الاقتصادية لديها، ولكن بعد احداث 11 سبتمبر ما خلفها من انقسام عقائد بدأت تتجه نحو العقيدة الصينية التقليدية، فاتجهت نحو المحافظة على طبيعة هذا النظام الشيوعي مع احياء بعض الرموز الكنفوشية من اجل صياغة عقيدة فكرية خاصة بها.

4- الانموذج الاوروبي: رغم ان القوى الاوروبية هي من اكثر الدول تطبيقا للعقيدة لليبرالية الا ان هناك بواد شرخ ونضوج لبعض الافكار المخالفة لليبرالية في اوروبا نقصد هنا القوى الاوروبية (المانيا، فرنسا)، حيث بدأت هذه الدول بتوجهات سياسية واقتصادية تخالف النهج الليبرالي من خلال محاولة احياء قوات التدخل السريع الاوروبية سعيا للاستقلالية الامنية، فضلا عن التقارب مع روسيا في بعض الملفات، والتشنج التجاري مع الصين، وصعود بعض التيارات السياسية اليمينة التي تقاطع النهج الليبرالي.

ومن خلال ما سبق يمكن القول، ان ازمة العقيدة الليبرالية هي ازمة فكرية داخلية وليدة تناقضات ذاتية، لم ولن تكون نتيجة ارهاصات آنية فقط وانما هي ازمة لبنيوية العقل الغربي، لابد لها من ان تأخذ حيزنا من النقد الفكري والمعالجة الخلاقة من اجل اصلاح ما يمكن اصلاحه من نقاط الخلال والهفوات الايدلوجية التي باتت تتسع يوما بعد يوم.

* باحث متخصص في الشؤون الدولية والاستراتيجية

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق