تعرف الريادة الاستراتيجية على انها اعلى مرحلة من مراحل التفوق الاستراتيجي الداخلي والخارجي الذي تصل اليه الدولة، ويقترن هذا التفوق ما بين الحوكمة والتأثير الجيواستراتيجي الخارجي وصولاً الى اقصى مستوى من مستويات التطور الاقتصاد والتكنلوجي والحضاري.

فالريادة الاستراتيجية لا تعني بالمعنى الضيق سطوة التأثير والذي يقترن دائما بتوجهات ووثب الصعود لبعض القوى المضطربة، حيث تطمح معظم الدول بالتفوق الاستراتيجية وفق منظارها ووفق رؤياها والتي غالباً ما تكون ضيقة الافق خصوصاً اذا ما قارنت وفق منظار الطرف الاخر، لذا فان التفوق او ما يطلق عليه المفكرين الاستراتيجيين بانها النتاجات والمخرجات الناجمة عن مجموعة من الاسس النظرية والتطبيقية لرؤى استراتيجية غالباً ما تتسم بالنضوج وفق حسابات القوة والتأثير الاستراتيجي، ناجمة بدورها نتيجة استراتيجيات تراكمية، فبعض الدول تصنف وفق معاير الريادة والتفوق على انها قوى عالمية لها تأثير جيواستراتيجي (عابر للحدود)، هذا التأثير هو ناتج عن معادلة معقدة تبنى وفق اعتبارات امتلاك القوة واحتراف تسخيرها.

تبنى الريادة الاستراتيجية وفق اساس واعتبارات قد تغفلها او تتجاهلها بعض الدول الطموحة، حيث تنطلق بعض القوى في تفسير الريادة خاصتها وفق معايرها ومقاييسها الخاصة بالتفوق خصوصا تلك التي تمتلك امكانات متواضعة، هذه الامكانات تصطدم بواقع القوة لديها، فنرى بعض القوى الفاعلة وفق ساحة التفاعلات في البيئة الاستراتيجية العالمية تطمح للريادة الاستراتيجية، ولكن واقع الحال يقوض هذا الاندفاع، ومن الامثلة على ذلك الاندفاع الروسي الجيواستراتيجية في الدائرة الاقليمية والعالمية رغم ان هذا الاندفاع له تأثير استراتيجي على بيئة التفاعلات لا انه لا يعني مطلقاً انها وصلت الى حدود الريادة.

وهناك قوى تعاني من ازمة الرؤية في توصيف الريادة الاستراتيجية، فالصين مثل جلي على هذه الحالة فهي تعاني من فجوة القوة وخصوصاً تلك التي تتعلق بالتفوق التكنلوجي نتيجة اعتمادها الكلي على استيراد بعض التقنيات واستلال بعضها من خلال القرصنة والتجسس، ورغم انها رسمت لها رؤية استراتيجية للريادة العالمية والمتمثلة باستراتيجية (طريق واحد حزام واحد) الا انها تفتقر الى الامكانات الترصيدية التي تدعم وتقوم رؤيتها الاستراتيجية.

وتتمحور أسس الريادة حول عدة مقومات يأتي في طليعتها الرؤية الاستراتيجي، والتي تمثل مساحة فجوة من الفكر الاستراتيجي الرائد والذي يوكل اليه رسم ورشد مرتكزات القوة وتحريكها نحو التفوق المنشود وصولاً الى الريادة الاستراتيجية، وبالتالي فإن الدول التي لا تمتلك رؤية تتخبط في توجهاتها فتاره نراها في صراع وتاره نراها في حرب لا عائد منها.

كما ان تحصين القوى والمتمثل بالتفوق العسكري يمثل احد اهم الاسس الريادة العالمية كونه الركيزة الاساسية لإدامة لتأثير الجيواستراتيجي وتقويض من اندفاع الاخرين، من خلال القابلية الدائمة والمرنة للانتشار الاستراتيجي (الجوي، البحري، البري، الفضائي)، كما ويوفر ايضا فرصة للتفوق التكنلوجي والذي يمثل متلازم من متلازمات الابحاث العسكرية والتي انعكست بصورة مباشرة على واقع القوة التكنلوجية والاقتصادية للدول كما هو الحال مع وكالة (داربا) التابعة لوزارة الدفاع الامريكية والتي ينسب اليه الفضل بإدامة التفوق الاستراتيجي (التكنلوجي الاقتصادي).

واخيرا يمكن القول، ان الاسس الناجعة للريادة الاستراتيجية تتمحور حول وجوب معادلة القوة والتسخير، من خلال تحصيل وتحديد مدى الرؤية الاستراتيجية للدولة مع الامكانات المتاحة وصولاً الى ادارة التوظيف والتوجيه لهذه المكانات، فالريادة في بعض جنباتها تمثل الرؤية (أي ما بعد الحاضر) والتي تختلف عن المستقبل كونها محددة الملامح وطرق الوصول، عكس المستقبل والذي غالباً ما ترسم ملامحه حسب منعرجات البيئة الاستراتيجية، وبالتالي تبقى الريادة الاستراتيجية للقوى العالمية هي عبارة من مشروع سحيق الابعاد تغرس مرتكزاته في عمق التاريخ ويحصد الحاضر ثماره.

* باحث متخصص في الشؤون الدولية والاستراتيجية

انقر لاضافة تعليق