أقام مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث ومن ضمن نشاطاته الشهرية، حلقة نقاشية تحت عنوان (شيعة العراق بين المد الديني والطيف المدني.. مقاربات في الهوية)، إستضاف فيها الدكتور جعفر نجم نصر الاستاذ في الجامعة المستنصرية قسم الانثروبولوجيا التطبيقية، تحدث حيدر الجراح مدير المركز في بداية الحلقة عن قوى الاسلام السياسي الشيعية التي تدير دفة الحكم في العراق بعد عام 2003 وهذه القوى، في تاريخها القريب وراهنها الحالي، لم تصدر عنها رؤى فكرية اسلامية تحدد شكل الدولة التي تريدها، ولا عن كيفية ممارسة السلطة فيها.

انتقاد اخر انشغل به الاسلام السياسي الشيعي في تعاطيه مع الديمقراطية، وخاصة ما يتعلق منها بمبدأ الاغلبية، منطلقين في النظرة اليه من خلال تفسير عدد من آيات القران الكريم واعتبار الاغلبية مذمومة في النص القرآني، مع امتداح الاقلية، ليصلوا في استنتاجاتهم ان الديمقراطية غير صالحة كشكل من اشكال الحكم. وبالتالي فان كل القراءات للديمقراطية كانت من موقع النقد المعارض والمتضمن طرح البديل الاسلامي.

عامل اخر ساعد على تهميش دور الديمقراطية في طروحات هذه الاحزاب ومتبنياتها النظرية، وهو قدسية الفكر السياسي الديني للمنظر والذي هو قراءة واحدة من ضمن قراءات متعددة لكن لايتم الاعتراف بها.

ولم تلحظ هذه الاحزاب ان (الفكر الديني قراءة بشرية والدين حقيقة الهية، لذا لامكان للادعاء بقدسية الفكر بالمعنى التنزيهي الخارج عن النقد والرفض والقبول لانه قراءة انسانية للدين الالهي، وانما المقدس والمنزه هو الدين ذاته). يذهب الكثير من الباحثين والمراقبين للأحزاب السياسية الدينية، ان ثمة تناقض جوهري صارخ بين الهوية الدينية (ستكون طائفية بالضرورة، لانتماء الهوية الى مذهب فقهي محدد) والهوية الوطنية، فالأحزاب السياسية المدنية تؤسس على مبدأ الهوية الوطنية للبلد، بينما الاحزاب الدينية تعتمد الهوية الدينية، والتعارض بينهما قائم ايضا حول مفهوم الامة ومفهوم المواطنة، فالمواطنة تحد من مفهوم الامة، وتقتات عليه. بعد ان بدا واضحا ان تقديم الهوية الدينية على الهوية الوطنية كانت نتائجه كارثية لاتقل عن حرب اهلية او شبه حرب، ومع ملاحظة استمرار عدم الثقة بين ابناء الطوائف والمذاهب في مجتمعاتنا منذ الخلافة، فان مفهوم المواطنة ربما لن يترسخ بأفكار سياسية في الوقت القريب، قبل ان يترسخ بالممارسة السياسية بعد ان نكلّ من القتل وسيول الدماء الجارية بلا حساب في حروب الفتنة.

 بعدها تحدث الدكتور جعفر نجم عن ورقته وابتدأها بصراع هويتين أو مدّين أولهما (الاسلام السياسي) أو من يدعي امتلاك الآيديولوجيا الإسلامية، والمد أو الطيف المدني (المجتمع المدني). إذ يسعى المد الأول لأن يجعل من الهوية أياً كانت عناوينها تدور في فلك الدين، بمعنى آخر أن أصحاب هذا المد يقدمون "الهوية الدينية" على سائر الهويات الأخرى ساعين في الوقت ذاته لأن يجعلوا منها إطاراً مجتمعياً/ثقافياً يبتلع سائر الهويات الأخرى لاسيما "الهوية السياسية" التي يدخلوها في تنميطات دينية يشترطونها ويصرون عليها.

أما أصحاب الطيف الثاني– "المجتمع المدني" فهم يريدون من الهوية أن تدخل في حيز التجربة الحداثوية – الكونية وأن تعبر عن محيطها أو مناخها الرئيس "المدينة"، أو أن تكون هوية سياسية تُعبر عن إرادة المواطن وثقافته المدنية "المواطنة"، وبالتالي فإن شكل الدولة وتشريعاتها وإدارتها بالنسبة لها تدار من قبل وحي التجربة البشرية – المصلحية، ولكن ليس بمعزل عن "الهوية الدينية" التي تريد لها أن تبقى مداراً للمقدس في حياة أفراد المجتمع الخاصة.

بعبارة أخرى أن دعاة "الهوية السياسية" المدنية – الحداثوية المعبرة عن "المواطن" تريد أن يظل سقف الولاءات مرتفعاً لصالح الولاء لـ"هيبة الدولة" ونظامها الديمقراطي الذي لا يمكن أن يثبت أركانه والولاءات التقليدية لـ"الطائفة – العشيرة – المحلة – القومية" مقدمة على الولاء "للدولة" ومشروعها الوطني الذي يتأسس بدوره على قواعد المجتمع المدني وأنشطته المجتمعية المتنوعة.

ويضيف الباحث في ورقته: إن سقوط ونهاية المجتمع المدني على أيدي النظام السابق، جعل الساحة السياسية في العراق ممهدة تمهيداً كاملاً لصعود المد الديني إلى السلطة وهيمنتهم المباشرة على صناعة مؤسسات الدولة "المُعاد بنائها"؛ وبالتالي فإن إملاءات "الهوية الدينية" التي يُعبر عنها هذا المد الديني الطاغي جعلت الدولة ومؤسساتها ودستورها ومن الوهلة الأولى تصطبغ بظلال هذه الهوية.

لكن العقبة الكبرى التي اصطدم بها المد الديني هي الديمقراطية التي لم يستطيعوا أن يلتفوا عليها التفافاً كاملاً أو يبتلعونها ضمن موجهات "هويتهم الدينية"، وبعبارة أخرى وعلى حد تعبير غاريت ستانسفيلد: "وتوجد، من ناحية الموقف، مشكلات خطيرة، فبينما يُبرقع العراق حالياً بالديمقراطية بوصفها الدواء الناجع للجرح الذي أحدثته الدكتاتورية يغدو ضرورياً أن نكون واقعيين إلى حد القسوة بإزاء الخلفية التي وُضع فيها هذا الأمل، إذ ليس لدى العراق والعراقيين تاريخ سابق في التدبير الديمقراطي، وثمة شك كبير حول ما إذا كان الزعماء الشيعة الأقوياء ملتزمين حقاً بالديمقراطية بوصفها منهجاً ملائماً لحكم الحياة الجمعية، أم لا".

في نهاية الورقة البحثية يعتقد الدكتور جعفر نجم أن الشيعة اليوم يحتاجون إعادة تبيئة المجتمع المدني وترك آثار الاسلام السياسي عليه، وإحتواء الفضاءات التي أخذتها وبالمحصلة لم تترك شكل ثابت للدولة أو المجتمع.

وشهدت الحلقة حضوراً متنوعاً من شخصيات دينية ومدنية وسياسية، تخللتها اسئلة للباحث ونقاشات حول الموضوع، حيث يعتقد جبار العلي منسق التيار الديمقراطي في كربلاء ان شكل الحكومة والدستور سواء قبل 2003 أو بعدها، هما من خلقا البيئة الصالحة لما نعانيه اليوم من صراعات، وأن هناك قانون خلاف القانون المدني هو القانون العشائري. أما الشيخ مرتضى معاش رئيس مؤسسة النبأ للثقافة والاعلام فهو يرى ان الشيعة اليوم هم في أشد الحاجة للمجتمع المدني لكي يكونوا طائفة تعيش في حريتها الدينية والفكرية، وهناك خطأ كبير بتصور ان المجتمع الشيعي منفصل عن المجتمع المدني، فالمشكلة الرئيسية تكمن في المركزية السلطوية، هي من تعطي لنا هذه النتائج الكارثية في بناء المجتمع، والنزعة السلطوية لاتفرق بين العمامة والافندي في الاستبداد.، ويضيف اننا اليوم نعيش في مجتمع أغلبه ريفي فكيف نصبح مجتمعاً مدنياً اذا لم ننظر الى هذه الفئة الكبيرة، وكذلك لو نزعنا الولاءات والطائفة عن المكونات العراقية سنتحول شيئاً فشيئاً الى مجتمع شمولي وبهذا الشيء سنعالج المشكلة بمشاكل أكبر!.

فيما يرى الدكتور علي محمد ياسين الاستاذ في جامعة كربلاء أننا امام عقبتين ونحن نتوجه نحو المدنية أولهما عدم إمكانية تكييف التجارب الديمقراطية الناجحة من أوربا وثانيهما البناء الاجتماعي الموجود عائق أمام المجتمع المدني الحقيقي، حيث لاتوجد مثلاً صناعة أو استثمار حقيقي يناسب هذا التوجه في العراق.

حيدر المسعودي مسؤول ادارة الجودة في جامعة كربلاء يطرح سؤالاً هل يستطيع شيعة العراق أن يستفيدوا من المجتمع المدني؟ المجتمع المدني يختلف عن المجتمع المتمدن ولايمكن أن يكون بديلاً عن الاحزاب السياسية التي هي وليد ثاني بعد فشل الوليد الأول الاحزاب الدينية.

 

اضف تعليق