في المتبن الذي امام بيتنا القصب، كان والدي ينصب صباح كل يوم، تقريبا، شبكته المموهة بالقش والسبوس، كنت انظر اليه يدفعني فضول الطفل، فتوقفني امي، كي لا اخرج وافزع العصافير، فتهرب ويغضب ابي مني امسح القذى صباحا من عيني وأقف قرب الباب، المشهد الغريب يشدّني...

اتذكر .. آخر ماقاله ابي لأمي ..اخرجي من بيتي والاّ ذبحتك!

في المتبن الذي امام بيتنا القصب، كان والدي ينصب صباح كل يوم، تقريبا، شبكته المموهة بالقش والسبوس، كنت انظر اليه يدفعني فضول الطفل، فتوقفني امي، كي لا اخرج وافزع العصافير، فتهرب ويغضب ابي مني امسح القذى صباحا من عيني وأقف قرب الباب، المشهد الغريب يشدّني، حيث تأتي العصافير صباحا الى المتبن، وحين تتجمع بكثافة على الحبوب التي وضعها ابي في منتصف الشبكة المموهة، يسحب الحبل فتطبق على العصافير التي تحاول الهرب من دون جدوى.

ما كان يثيرني، ان ابي يخرج سكينا صغيرة، ويبدا بقطع رؤوس العصافير، ثم يجلبها لأمي التي تخلصها من ريشها قبل ان تشويها، رائحة الشواء شهية، وابي يأكل منها الكثير، ويترك لنا الكثير ايضاً، العصافير التي يصطادها ابي كبيرة وتطير بخفة، ليست كالعصافير الصغيرة التي الهو بها عندما تقع بين يدي او يجلبها أحد اصدقائي من اطفال الجيران، ريشها مازال زغبا، ومناقيرها صفراء واصواتها غضة، نربطها من احد جناحيها بحبل قصير ونتركها تطير قليلا ثم تهبط.

امي كثيرا ما تقول لي؛ إعطه الحبوب والماء كي لايموت العصفور، وحين يكبر ويبدا الطيران لوحده، اتركه فيطير بعيدا، واقول له حين أودعه، إياك ان تأتي الى المتبن، فهناك ينصب ابي شباكه عند الصباح، فتضحك امي، ثم تتركني لمشاغلها اليومية، صدى كلمات ابي قبل خروجنا، ترن في راسي وتملأ قلبي رعبا، اخرجي من بيتي والاّ ذبحتك!

امضينا ليلتنا في الطريق الى اهل أمي عند اقارب لها، كانت تحمل على راسها صرّة فيها ملابسها وبعض ملابسنا، انا واخي واختي، نتبعها حفاة في الطريق النيسمي الذي يوصل قريتنا بقرى اخرى، علينا ان نمر بها قبل ان نصل قرية جدي لأمي.

كلّما لاحظت الصمت والدموع على خدي أمي، ونحن معها كالجراء الصغيرة، يأتيني صوت ابي الغاضب، اخرجي من بيتي والاّ ذبحتك!، حين صرخ بها كان صوته اشبه بالرعد، فلذنا انا واخي واختي مذعورين وراء امي التي كانت ترتجف وتبكي بعد أن إنهال عليها بالضرب، وحين تركها، مدت يديها لتجمع رؤوسنا الصغيرة، وتضمها اليها، فإندسست رؤوسنا بين فخذيها اللتين طوقتهما ايادينا القصيرة.

جثم الليل ثقيلا، ونحن نمضيه عند احد اقربائنا، وقد حاولت امي ان تخفي عنهم سبب ذهابها لأهلها واصطحابنا معها، لكن الحزن الذي يغلف وجهها الناحل، شرح لهم الأسباب - ستمضون الليلة عندنا وغدا تذهبون الى بيت اهلك.

هذا ما سمعته من الرجل الذي غطت لحيته البيضاء صدره الواسع، قبل ان يشير الى زوجته بان تهيء لنا طعام العشاء، ثم غادر الى حيث بيت الرجال، لنمضي ليلتنا مع امي في بيت صغير من القصب، اعدت لنا زوجته فراشا فيه لننام.

لا أدري لماذا كان ابي يكره امي ويضربها باستمرار، ولا أعرف لماذا ينادينا بأبناء سلوى وليس باسمائنا، سمعت امي يوما تحدث صديقة لها، بانه يكرهها ويريد ان يتزوج بأخرى من نساء الجيران، لم تسمّها، أو إني لم اتذكر الإسم، لكني اتذكر ان صديقتها هوّنت عليها الامر، وطلبت منها الصبر ... نزوات رجال، يوم يومين ويتغير، لاتكبّري الامر ياسلوى! هذا ماقالته صديقة أمي لها، ولم أفهم معناه وقتها.

كانت الطريق طويلة، وحين وصلنا بيت قريبنا، كان التعب قد انهك اجسادنا الصغيرة، لكن أمنا كانت تنوء بتعب آخر، قلبها الذي اكثر فيه ابي الجروح، وحين غطّ الليل في صمته وظلمته الكئيبة بين القرى الغافية قرب الاهوار، كنت أنا وأخواي نلعب وسط بيتنا ونرقص حول أمّنا وقد استحلنا كلنا عصافير.

كانت لحظات مدهشة حقا، أمي عصفورة تطير وسط البيت وانا واخي واختي نتبعها ونطير حولها مسرورين، ضحكنا من شكل امي العصفورة فراحت تداعبنا بضربنا بجناحيها ونحن نضحك ونضحك، اخي واختي عصفورين صغيرين مثلي، نطير قليلا ثم نحط، لنعود الى أمنا التي حطت قرب موقد بيتنا.

بيتنا الذي زيّنت جوانبه بصور الأولياء وأواني الطين المزينة بكسور صحون الخزف الملونة، وكانت صباح كل يوم ترش ارضيته بالماء، وتبخّره في المساء، قبل ان تكفّ عن ذلك بعد ان صار ابي يقسو عليها ويسمعها كلاما جارحا، حتى استحال بيتنا الى مايشبه النفق المظلم، يغلفه الصمت الكئيب. بكاؤها الطويل، وخوفنا من بطش ابينا، انتهى عند ذاك المشهد الذي كان اخر يوم لنا في بيتنا.

أمي الآن فيه عصفورة، تضحك وتطير لتحلق فوقنا ثم تهبط علينا، فنحلق نحن قبل هبوطها ونطير في ارجاء البيت الصغير، وكأي صغار مشاكسين، أردنا أن نغامر بالخروج، صرخت بنا امنا؛ الى أين؟، ردت عليها اختى؛ لكي نطير فوق بيتنا .. تعالي يا أمي معنا .. تعالي ..! لكن أمي ظلت تصرخ بنا اكثر، طالبة منا العودة.

خرجنا انا وأختي وأخي غير آبهين بصراخها فخرجت وراءنا تطير وتصرخ مذعورة، عودوا عودوا! فرش الصباح ضوءا شفيفا وصرنا نرى الاماكن بوضوح، بيتنا وبيوت جيراننا والمتبن الذي ينصب فيه ابي شبكته ليصيد العصافير.

انقطع صوت أمنا عنّا حين صرنا نحلق بين البيوت، واسعدنا ان نرى اسراب العصافير في الجو ونحن بينها، وحين اتجهت الى المتبن نسينا حكاية شبكة أبي المموهة واندمجنا في حياة العصافير، هبطنا مع السرب الذي تسابقت فيه العصافير على الحبوب، ورحنا نلتقط منها ونلعب فرحين قبل ان تطبق علينا شبكة ابي، الذي ظهر علينا من مكمن قريب من بيتنا.

صرخت اختي .. ابي.. ابي.. ابي .. وصرخنا نحن ايضا، نريد منه ان يخرجنا من الشبكة .. لأول مرة ارى وجه ابي بهذه التعابير القاسية، كان يمسك السكين ذاتها الذي يذبح بها العصافير، وها هو يجهز عليها واحدا بعد الاخر .. لذنا انا واختي واخي بعد ان شبكنا اجنحتنا الصغيرة ببعضها في زاوية من الشبكة وحين داهمنا ابي بسكينه صرخنا معا .. لا.. لا .. لايا أبي .. لا .. لكنه اجهز علينا .. وكان آخر مارأيته رأس اختي الصغيرة، قبل ان يطلق صرخته الاخيرة .. ابي .. لا .. ! لكن السكين حزّت رقبتها الغضة، وكان صدى صرخة امي العصفورة، القريبة من المكان هي آخر ما سمعت قبل ان تحز راسي السكين، واغرق في ظلام دامس!

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق