حسان حيدر

 

بعد خمسة عشر عاماً على الغزو الأميركي لأفغانستان انتقاماً لاعتداءات 11 أيلول (سبتمبر)، يبدو وكأن الكلفة البشرية والمادية الفادحة ذهبت هباء، إذ لا يزال هذا البلد يعاني من الآفات نفسها التي كانت مستشرية فيه قبل نزول الأميركيين وحلفائهم، وهي الإرهاب والتطرف والفساد والأفيون، بل أن بعضها زاد رسوخاً وانتشاراً.

وفي أرقام أميركية، فإن تكاليف غزو أفغانستان بلغت حتى أواخر العام 2014 حوالى 1.6 تريليون دولار، منها 100 بليون دولار أنفقت على إعادة بناء المؤسسات الحكومية الأفغانية، بما في ذلك الأجهزة الأمنية والعسكرية التي حصلت على ترسانة متطورة تركتها لها القوات الأميركية بعد سحب معظمها أواخر العام نفسه. ويكشف الوضع الحالي أن مهمة «القضاء على طالبان» فشلت، وأن الحركة المتطرفة نجحت خلال العامين الأخيرين في تعزيز قدراتها وزاد استهدافها للعاصمة كابول، إضافة إلى استعادة نفوذها في مناطق أخرى خرجت عملياً عن سيطرة الحكومة المركزية.

وتعجز القوات الحكومية التي يصل عديدها إلى 195 ألف جندي، عن مواجهة الحركة على رغم الفارق في التجهيز والتدريب، وتضطر دوماً إلى الاستعانة بوحدات أميركية عندما تتعرض مواقعها لهجمات الإرهابيين.

وإذا قرر الأميركيون أواخر العام الحالي خفضاً إضافياً للقوة المتبقية (9800 رجل يعمل معظمهم في التدريب) وحذت حذوهم الدول الأطلسية الأخرى (3 آلاف رجل) فسيعني ذلك أن الجيش الأفغاني سيواجه صعوبة أكبر في الاحتفاظ بمواقعه في الأقاليم النائية.

ومعروف أن «طالبان» تستمد زخمها من المناطق القبلية في باكستان المحاذية، وأن الأميركيين يخصصون 90 في المئة من أسطول طائراتهم المسيرة لمراقبة هذه المناطق وشن غارات عليها، من دون أن يؤدي ذلك إلى وقف الدعم المقدم إلى الحركة الأفغانية.

أما الفساد، فيبدو أنه القاسم المشترك الأكبر في المؤسسات الأفغانية المدنية والعسكرية، وهو ما يسمح خصوصاً بازدهار زراعة الأفيون وتهريبه مجدداً. وقدر تقرير للأمم المتحدة مجمل الأراضي المزروعة بالأفيون في العام 2014 بنحو 244 ألف هكتار، أي بزيادة سبعة في المئة عن 2013. وتصل قيمة هذا الإنتاج بعد تحويله إلى مخدر إلى نحو 950 مليون دولار. ويوضح التقرير أن عمليات إتلاف الأراضي المزروعة بالأفيون تراجعت في 2014 بنسبة 63 في المئة عن العام الذي سبقه.

ويروي مهندس اتصالات أوروبي يعمل في أفغانستان أن مزارعي الأفيون في هذا البلد ينالون المعاملة الأفضل، ويلقون إجماع مختلف الأطراف المتحاربين على حمايتهم وتلبية طلباتهم، وخصوصاً عندما تتعطل خطوط الاتصال عبر الأقمار الاصطناعية، عبر تأمين سلامة الفنيين الذين يقومون بإصلاحها نهاراً أو ليلاً. ويقول إن وحدته تتلقى اتصالات من مستويات عليا في الدولة والجهات المحلية تطلب منها الإسراع في أعمال الإصلاح كي لا تتعطل «العمليات» التي تدر عشرات الملايين من الدولارات.

لكن ماذا تخطط الولايات المتحدة لأفغانستان في حال مضت قدماً في قرارها سحب ما تبقى من قواتها؟

تقول موسكو إنها تلقت طلباً من واشنطن للمشاركة في المحادثات الدولية حول هذا البلد على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في 22 أيلول (سبتمبر) الجاري في نيويورك، إلى جانب الصين والهند وباكستان. ويبدو أن الأميركيين سيختارون «الشريك» أو «الشركاء» الأنسب للانخراط في أفغانستان، حرباً أو سلماً، مثلما فعلت في العراق وسورية، لا سيما أن روسيا تخشى كثيراً انهيار الحكومة المركزية في كابول واحتمال امتداد التطرف إلى جمهوريات «الحزام الأمني» عند حدودها الجنوبية، والتي تشمل تركمانستان وأوزبكستان وطاجيكستان وقرغيزستان.

اضف تعليق