40 في المئة يعيشون تحت خطّ الفقر، و30 في المئة من الشباب عاطلون عن العمل، ونسبة 90 في المئة من المحتجّين الذين اعتُقلوا لم يبلغوا الخامسة والعشرين، ونصف القوى العاملة يعمل في وظائف غير منتظمة، و10 ملايين إيراني من أصل مجموع سكّان يصل إلى 80 مليون...
علي فتح الله نجاد

 

يصادف هذا الأسبوع الذكرى التاسعة والثلاثين لإعلان الجمهورية الإسلامية الإيرانية على أعقاب ما سمّته “الثورة الإسلامية”، التي هي أسلمةٌ فرضتها الدولة على ما كان فعلياً ثورةً تعدّدية بين العامَين 1977 و1979. وفي أواخر العام الماضي وأوائل العام الحالي، شهدت إيران صعوبات اقتصادية أدّت إلى نشوب الاحتجاجات الأكثر تسييساً في تاريخها الذي يناهز الأربعة عقود.

ففي احتجاجات غطّت نطاقاً جغرافياً لا سابق له، امتلأت ساحات المدن الصغيرة بعشرات الآلاف من الشباب في العشرينيات من عمرهم المنتمين بالإجمال إلى “الطبقة المتوسّطة الفقيرة” للتعبير عن غضبهم، وهؤلاء الشباب هم من طبقة البريكاريا المحرومة اقتصادياً واجتماعياً لكنّ لها تطلّعات ومؤهّلات تقارع تلك التي لدى الطبقة المتوسّطة.

ولطالما اعتُبرت هذه المجموعة من الناس جزءاً من قاعدة النظام الاجتماعية. وبعد مرور أسبوع على اندلاع الثورة في أنحاء البلاد كافة، فقَدَ عددٌ من الوسائل الإعلام اهتمامه بتغطيتها، وعزف عن الموضوع نهائياً بعد نشوب تظاهرات منظَّمة داعمة للنظام عقب الاحتجاجات الأولى. لكن بسبب فرض الدولة شتّى أشكال القمع وتقاعس شرائح أخرى من المجتمع عن الانخراط بنشاط، أزيح الغضب الشعبي إلى ما وراء الواجهة حيث يقبع في حالة غليان.

بهدف فهم الاحتجاجات، من الضروري تحليل الشعارات التي نادى بها المتظاهرون. فعلى مدى القرنَين الماضيين، واجه الإيرانيون الحكمَ الاستبدادي في كلّ عقد تقريباً. وفي التاريخ الحديث، قلّةٌ هي الأمم الأخرى التي كافحت بهذا القدر والوتيرة من أجل حقوقها، مع بروز الشعارات التي عكست طموحاتها السياسية إلى الواجهة كما في خلال الثورة الإيرانية بين العامَين 1977 و1979 أو مؤخّراً في العام 2009 في خلال التحرّك الأخضر.

وعلى الرغم من الاختلاف بين شعارات الثورة الإيرانية في العام 2018/2017، يمكن تقسيمها ضمن ثلاثة مواضيع: العدالة الاجتماعية وانتقاد المؤسسة الحاكمة والربط بين تدخّل إيران الإقليمي وتقصيرها المحلّي. لكن في الواقع، يتداخل عدد من هذه الشعارات التي تتشابه قوافي عدد كبير منها في اللغة الفارسية.

وقد اعتبر بعض المعلّقين، بدءاً من محافظين في إيران وصولاً إلى محلّلين غربيّين غير ناقدين لإدارة حسن روحاني، أنّ الاحتجاجات لا تعكس إلّا رغبة الإيرانيين في أداء اقتصادي أفضل. غير أنّ الشعارات تروي قصّة أخرى تُظهر بوضوح تداخلَ الشكاوى الاجتماعية الاقتصادية والسياسية التي تترابط أشدّ الارتباط في الجمهورية الإسلامية.

العدالة الاجتماعية

“خبز، عمل، حرية” // “الشعب يتسوّل، ورجال الدين يتصرّفون كالآلهة” // أيها الملالي الرأسماليون، أعيدوا لنا أموالنا”// السارقون ينهبون، والحكومة تدعمهم”

على الرغم من غياب الأرقام الدقيقة حول مستوى الفقر في إيران، من المنصف اعتبار أنّ نصف الشعب تقريباً يعيش حول خطّ الفقر في بلاد يقلّ فيها الحدّ الأدنى الرسمي للأجور عن هذا الخطّ. وقد أدّى الفقر وعدم المساواة إلى الحثّ على بروز الاحتجاجات، مع تبوّؤ المطالب الاجتماعية الاقتصادية الأولوية. ونادى المحتجّون بمكافحة الفساد والبطالة وتزايد حجم الثروات في أيدي قلّة من الناس.

والأرقام الرسمية الأخيرة وحدها حول البؤس الاجتماعي الاقتصادي الذي يعانيه نصف الإيرانيين تبعث على القلق. أمّا الأرقام الفعلية فقد تصل إلى مستويات أعلى: 40 في المئة يعيشون تحت خطّ الفقر، و30 في المئة من الشباب (بين 20 و24 عاماً) عاطلون عن العمل، ونسبة 90 في المئة من المحتجّين الذين اعتُقلوا لم يبلغوا الخامسة والعشرين، ونصف القوى العاملة يعمل في وظائف غير منتظمة، و10 ملايين إيراني من أصل مجموع سكّان يصل إلى 80 مليون يعيشون في أحياء فقيرة، أي ما يوازي عدد سكان مدينة طهران تقريباً، وحوالي العدد نفسه من السكان يفتقر إلى التأمين الأساسي.

ومنذ سنة، صُدمت الأمّة بصور التُقطت لمشرّدين ينامون في مقابر فارغة، فيما بدأ فاحشو الثراء التابعون للنظام في طهران بإبراز ثرواتهم بشكل فاضح. ماذا سيحدث إذا انضمّ أيضاً هؤلاء القابعون في الأحياء الفقيرة إلى الاحتجاجات في المرّة المقبلة؟

لكن لِمَ يواجه بلد ثري مثل إيران هذا القدر من البؤس الاجتماعي؟ في الواقع، تعتبر الجمهورية الإسلامية أوليغاركية، إذ تحتكر نخبةٌ قليلة من الأشخاص الثروة وتتحكّم بها. فمن جهة، تبرز الإمبراطوريات الاقتصادية للحرس الثوري الإيراني والمؤسسات الدينية التي يديرها المحافظون والإصلاحيّون في النظام الحاكم. ويُعتقد أنّ المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي وحده يتحكّم بإمبراطورية مالية قيمتها 95 مليار دولار. من جهة أخرى، عزّز الرئيس روحاني السياسات الاقتصادية الليبرالية الجديدة التي وضعها مرشده والرئيس السابق علي أكبر هاشمي رفسنجاني في تسعينيات القرن الماضي والتي ظلّت معتمدة منذ ذلك الحين. وقد تضمّن ذلك الخصخصات القائمة على المحسوبيات وإعادة توزيع للثروات من أسفل الهرم إلى أعلاه ومؤخّراً موازنات التقشّف التي وضعها روحاني.

وعلى عكس وعود الرئيس روحاني، لم تطل الفوائدُ الاقتصادية الناجمة عن الاتفاق النووي الإيرانيين العاديين. فمنذ سنة، أفادت التقارير أنّ حوالي 80 في المئة من اتفاقات الأعمال بعد الاتفاق النووي قد أبرِمت مع كيانات حكومية وشبه حكومية. وفي عهد روحاني، اتّسعت الهوّة بين الأجور وازداد الفقر النسبي الذي تفاقمت حدّته بوجه خاص في المدن الأصغر التي تُعدّ معقل الثورة. من غير المفاجئ إذاً أنّ جميع هذه العوامل قد غذّت الإحباط الاجتماعي.

التشكيك بالنخبة كلّها: غضب ضدّ النظام

“اعذرنا سيد علي [خامنئي]، لكن آن أوان رحيلك” // “فليسقط خامنئي” // “فليسقط الدكتاتور” // “فليسقط روحاني” // “لا نريد أن يحكمنا رجال الدين” // “الحرس الثوري الإيراني خائن” // “أيها الإصلاحيون والمحافظون اليمينيون: انتهت اللعبة” // “لا نريد جمهورية إسلامية بعد الآن” // “لا نريد مير حسين موسوي أو المرشد الأعلى، لا نريد السيّئ أو الأسوأ”

ومن خلال هذه الشعارات والهتافات، استهدف المحتجّون مباشرة نظام الجمهورية الإسلامية بأسره بمكوّنيه العسكري والديني. وعلى عكس التحرّك الأخضر، لم يتمّ استثناء شريحة الإصلاحيين في النخبة. فقد طال غضبُ الشعب جميعَ أطياف مؤسسة الجمهورية الإسلامية والخيارَ المزيّف الذي يواجهه في الانتخابات الرئاسية، إذ لا يتمّ ترشيح سوى المرشّحين الأوفياء للنظام، فينحصر الخيار بالتالي بين الشرَّين الأكبر والأقلّ. وقد اتُّهمت الفصائل كافّة بعدم اهتمامها بحاجات الشعب وبخيانتها لآماله مراراً وتكراراً في كلّ انتخابات رئاسية.

علاوة على ذلك، عبّر الشعب في أغلب الأحيان عن آرائه المعادية لرجال الدين، مندّداً باستيلاء النظام على الدين. وقد برز شعار “استقلال، حرية، جمهورية إيرانية” بشكل ملفت بمواجهته المباشرة للشعار الثوري الشهير في العامَين 1978 و1979، أي “استقلال، حرية، جمهورية إسلامية”، مطالباً بذلك بديمقراطية علمانية.

في السياق نفسه، ردّد الشعب أيضاً شعار “استفتاء استفتاء، هذا شعار الشعب”. وفي مقابلة أُجريت في أثناء الثورة، قال صادق زيبا كلام، المفكر وأستاذ علوم سياسية في جامعة طهران إنّه إذا أُجريَ استفتاء اليوم حول مستقبل الجمهورية الإسلامية، لَعارض ديمومتها أكثر من 70 في المئة من الناس من مختلف شرائح المجتمع.

ربط سياسات إيران الإقليمية بتقصيراتها المحلّية

“دعوا سوريا وشأنها وفكّروا فينا” // “لا غزّة ولا لبنان، أفدي بحياتي إيران” // في غزّة وإيران: ليسقط الطغاة”

لقد واجهت سياسات إيران الإقليمية التوسّعية، التي تجاهلها الإعلام الغربي إلى حدّ كبير، انتقاداً متزايداً في عقر دارها على مدى السنوات القليلة الأخيرة. فقد ندّد مثلاً طلّابٌ شجعان بحجج ممثّلي النظام الزائفة حول دوافع إيران إلى التدخّل الكثيف في سوريا، باعتبار أنّها تشنّ “حرباً على الإرهاب” أو تدّعي الدفاع عن أماكن مقدّسة.

وترتبط أولويّة طهران الظاهرة بأن تغدو القوّة الكبرى بلا منازع في المنطقة ارتباطاً وثيقاً بإهمال حاجات الشعب الإيراني. وتطالب الشعارات عوضاً عن ذلك بأن تُخصَّص المليارات التي تُنفق على حزب الله اللبناني والدكتاتور السوري بشّار الأسد والجماعات الإسلامية في غزّة لسدّ الثغرات الكثيرة في إيران بذاتها.

“خافوا، خافوا!”

من بين الشعارات الكثيرة التي نادى بها الشعب، يبرز بشكل خاص شعارٌ يردّد ما طالب به الربيع العربي: “خبز، عمل، حريّة”. ويُعدّ تحديداً هذا النداء الذي يجمع بين مطالب اجتماعية اقتصادية وسياسية العاملَ الذي يصيب قلبَ الجمهورية الإسلامية ويجعلها ترتعد، إذ يستهدف هذا الشعار جهتَي العملة نفسها ضمن نظامٍ تحتكر فصائله المتعددة النفوذَ الاقتصادي والسياسي، مما يؤدّي إلى التشكيك بالنظام بكامله.

وقد برزت جهود انتهازية بأن تستأثر بالثورة مجموعاتٌ معارضة إيرانية خارجية مشبوهة، مثل أنصار الملكية بقيادة وليّ العهد الإيراني السابق والتنظيم الأسوأ من هؤلاء الأنصار، أي منظّمة مجاهدي الشعب الإيراني المعروفة أيضاً بمنظّمة مجاهدي خلق، وكلتا الجهتين تدعمهما مجموعات المحافظين الجدد الأمريكية الداعمة “لتغيير النظام”. مع ذلك، بالكاد ظهرت شعارات تدعم هذه الشخصيات أو المجموعات وأحياناً كانت غائبة تماماً. بمعنى آخر، يتوق الإيرانيون إلى بديل سياسي مختلف عن البدائل الماضية والحاضرة التي تتّسم جميعها بالرجعية.

ومع بقاء العوامل الأساسية المؤدّية للثورة، أي السياسات الاقتصادية الليبرالية الجديدة والسلطوية السياسية، بات اندلاعُ ثورة أخرى مسألةَ وقت لا أكثر. وبعد الإجراءات القمعية التي فرضتها الدولة واعتقال ما يعادل 4 آلاف محتجّ (مات عددٌ منهم جرّاء التعذيب)، ركّزت الاحتجاجات على السجون.

وفيما نادى الداعمون للتحرّك الأخضر “لا تخافوا، لا تخافوا، نحن جميعاً معاً” بهدف رفع معنوياتهم في العام 2009، توجّه الشعب هذه المرّة إلى الحكّام قائلين: “خافوا، خافوا، نحن جميعاً معاً”. وما زال من غير المعروف إلى متى ستتمكّن قبضة النظام الحديدية من قمع هذه الموجة الجديدة من الغضب الشعبي.

ويذكّرنا التمرّد على الوعود المنكوثة التي أطلقتها ثورة العام 1979 بكلمات قصيدة لانغستون هيوز الشهيرة “هارلم”:

“ما الذي يحدث لحلم مؤجَّل؟// أيجفّ/ كحبّة زبيب في الشمس؟/ أم يتقيّح كجرح-/ثمّ يخرج منه الصديد؟/ أيصدر رائحة نتنة كاللحم المتعفّن؟/ أم يجمد ويتجمّع السكّر في أعلاه-/كشراب حلو؟/ لعلّه فقط يتدلّى/كحِمل ثقيل.// أم أنّه يتفجّر؟”

قد يكون الانفجار القادم ضدّ تلك الأحلام المؤجَّلة أثقل بالفعل.

* مركز بروكنجز: تم نشر هذا المقال باللغة الانكليزية في موقع PBS.
https://www.brookings.edu

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق