من نحن؟ كعراقيين اين نريد ان نسير؟ كيف نستطيع ان نصل سويةً كأمة في مسيرتنا المجتمعية نحو بناء قويم ضد كل أنواع السرطانات الخبيثة مثل داعش وغيرها؟ اسئلة جوهرية تطرح كل يوم، سأحاول ان اجيب على بعضها عسى ان تساعدنا نحن العراقيين في تحديد معالم مسيرتنا الجماعية ونحن نواجه ازمات اجتماعية وامنية واقتصادية وسياسية منذ زمن ليس بالقصير.

كل يوم نشهد طرح مبادرة تسوية تاريخية هنا او مصالحة هناك او غيرها من المسميات والمشاريع من أجل بناء وترميم المحطم من الوئام الاجتماعي بين مكونات الشعب العراقي المختلفة. ولكي نحدد جميعاً معالم عراقنا الجديد، أرى ان من الضروري ان ننظر للواقع من منطلقات مختلفة لم يتم تداولها بعمق بعد وتكون مكملة لما طرح سابقاً. هذه المنطلقات المعتمدة على بناء أسس جديدة للمجتمع العراقي متعلقة بالسلام والوئام الاجتماعي وبناء الانسان وتبني العمل الجماعي واخيراً ترسيخ وحدة المسيرة بين أبناء المجتمع الواحد.

ادناه تفاصيل هذه الأسس وقواعدها ومستلزماتها الاساسية الضرورية للوصول سويةً، نحن العراقيون، نحو عراق غدٍ جديد.

اولاً – سلامة المجتمع:

• ترسيخ منهجية تقاسم السلطات لاختلاف المهام التنفيذية والتشريعية والقضائية مع وحدة الهدف في بناء المجتمع وتأكيد الانتقال السلمي للسلطة بعد إيضاح الأدوار والمسؤوليات لجميع السلطات، لخلق منظومة دولة تكاملية وليست تقاطعيه.

• الإقرار بأن صندوق الاقتراع هو السيد والحكم.

• نبذ العنف بجميع أنواعه والرجوع الى الحل السلمي اولا وأخيراً وتحريم الدم العراقي.

• الاتفاق على اعتبار الإرهاب والعنف بكل وسائله ورما سرطانيا يجب استئصاله من الجسم العراقي، عراق الغد يجب ان يكون خاليا من الأمراض الخبيثة والمعدية.

• وحدة العراق وسيادة وسلامة أراضيه هدف يجب ان لا نختلف عليه ويتم تبنيه من الأطراف كافة.

• لا سيادة اعلى من سيادة القانون.

• تطهير جسد الدولة من آفة الفساد الاداري والمالي حاجة وضرورة آنية ممكن الوصول لها لو قررنا ذلك.

• تبني منظومات ادارية جديدة تنطلق من مبدأ محاسبة ومساءلة مسؤولي الدولة قبل غيرهم وعلى كل المستويات.

ثانياً – تبني العمل الجماعي:

• ايجاد قنوات تواصل مباشرة بين فرقاء القيادات السياسية لكي لا يزداد الحال تعقيداً، وخصوصاً ان مجتمعنا يبحث عن علاقات شخصية مباشرة مع الاخر كمقدمة لبناء الثقة بين الأطراف. ومن الضروري فتح قنوات مباشرة ومستمرة لمستشاري القيادات السياسية لكي يكون الحوار مستمراً ويقلل من سخونتها اثناء الازمات.

• العمل بجدية للوصول الى مفردات تعريفية مشتركة قدر الامكان وخصوصا فيما يخص امهات الازمات وذلك للسير نحو حل بعض التعقيدات الموجودة.

• التمسك بمبدأ ربح-ربح في التداول بين الاطراف مع ترك أي معادلة سلبية اخرى.

• ايجاد قاموس سياسي واجتماعي جديد يضم مفردات ومعاني جديدة تجُسّد حقيقة الرؤى المشتركة للعراق المستقبلي.

• الاعتماد على منهجية الحوار كوسيلة لحل الخلافات مع التأكيد على قواعد معتمدة على أسس بناءة مثل احترام الاخر، او الحقيقة لا تختزل بشخص او طرف واحد، او يجب ان لا نكون سجناء الماضي في بناء مستقبلنا سويةً .....الخ.

• الابتعاد عن التفرد باتخاذ القرارات وترسيخ العمل الجماعي كثقافة أساسية وجديدة في المجتمع.

ثالثاً – ترسيخ الوئام الاجتماعي بين المكونات:

• ترك التصعيد الاعلامي ضد الاخر وإيقاف اتهامات الاخر بالعمالة واللاوطنية وغيرها من المفردات التي تزيد التعقيد وترسخ الحقد وتنقــــــــــــــــل الأزمات الى الشارع العراقي بدلا من ان تكون بيد النخب النوعية والقيادات المنتخبة.

• اعتبار التنوع العرقي والاثني والعشائري والديني والقومي والفكري والتعددية الحزبية العراقية - مصدر قوة وامتدادا طبيعيا لتأريخ وجغرافية ومستقبل العراق.

• مع اعترافنا بان لكل نوع من التنوع العراقي خصوصية وتركيبة وأعراف خاصة بها نجد من الضروري العمل على اعادة تلاحم كل مكون من خلال ميثاق شرف داخلي، بالإضافة الى العمل على إيجاد ميثاق شرف وطني عام بين كل مكون وباقي العراقيين.

• كل من يحمل الجنسية العراقية له جميع حقوق وواجبات المواطنة، وتعتبر المواطنة الجينات الاساسية لبناء النسيج الاجتماعي لعراق الغد.

• علينا الاعتراف بوجود أزمة ثقة كبيرة في العراق، لذلك يجب التركيز في التحرك على مسار إعادة بناء الثقة على ثلاثة محاور:

أ- إعادة بناء الثقة بين النخب والقيادات الكتل والاحزاب السياسية في العراق.

ب- إعادة بناء الثقة بين الشعب العراقي والنخب والقيادات الكتل والاحزاب السياسية في العراق.

جـ- إعادة بناء الثقة بين مكونات وأطياف الشعب العراقي نفسها بكل تنوعاتها الاثنية والعرقية والطائفية وغيرها.

• يجب ان تدرك النخب والقيادات السياسية التي تقود العراق ان التأريخ لا يرحم ولا يجامل ولا يمكن تحريفه لذلك يجب ان تكون النيات الصادقة موجودة لدى الجميع ابناءعراق الغد.

رابعاً – بناء الانسان العراقي اولاً:

• اعتراف كل الاطراف (ولو مع نفسها فقط) بأخطاء الماضي وذلك بعد مراجعة دورهم في العملية السياسية بعد عام 2003، اذ بالمراجعة يحصل التطور وتقل الأخطاء.

• إعطاء اولوية في رعاية عوائل ضحايا وشهداء الارهاب وضمان حقوق الأقليات مع التأكيدعلى التعجيل برجوع النازحين الى ديارهم.

• ضرورة ان تكون جميع المشاريع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية المعنية بالدولة متجهة نحو بناء الشخصية العراقية الجديدة التي تتبنى الوئام الاجتماعي والتسامح كروح لجسدها الذي يتعافى.

• في حالة الخلاف يكون الاحتكام الى القواسم المشتركة والقدر المشترك من القيم الدينية والمثل والمبادئ التي لا خلاف عليها.

خامساً - وحدة المسيرة نحو عراق الغد:

• البحث مع الاخرين (داخل وخارج مكونهم) عن المشتركات في الرؤى المستقبلية لكل طرف اتجاه عراق الغد.

• الاتفاق على معالم برنامج سياسي مستقبلي للحكومة المركزية والمحافظات والعمل على ترسيخها وجعلها معالم مشروع بناء عراق الغد، هذا البرنامج يجب ان يتضمن أمورا جوهرية خلافية حان الوقت للاتفاق على إيجاد الحلول الناجعة لها مثل حدود اللامركزية، وفدرالية المحافظات والأقاليم، وكيفية ادارة ثروات العراق، وحفظ الأمن المحلي والوطني، وتعديل الدستور، والاتفاق على دور الدين في المجتمع، وإعطاء أولوية لمشاريع الشباب ودعم هذه الشريحة المهمة من الشعب العراقي...الخ.

• العمل سويةً على عدم تدويل الامور قدر المستطاع وذلك لان ازدياد تدخل الاطراف الخارجية سيزيد من التعقيد، علماً ان الاطراف المحلية لن تزول (نتيجة التاريخ والجغرافية) وإهمالها لن يجني الكثير على المدى البعيد.

• العمل سويةً على تحديد معالم خارطة طريق، ذي جدول زمني وتشريعي، لعراق الغد لتصفير الازمات وحل عقدها.

• الاتفاق بين الفرقاء على البحث عن حل عراقي أولاً ومن ثم مد اليد للآخرين خارج الحدود لتقديم الدعم ان احتجنا عونهم.

• اعتبار منهجية الحكم الرشيد كستراتيجية ضرورية لإعادة بناء الدولة العراقية على أسس علمية متضمنةً الشفافية والعدالة والمساواة والمساءلة والاستقامة والإدارة الرشيدة واحترام حقوق الانسان وحرية الرأي كمرتكزات قوية تبنى عليها اجهزة وثقافة دولة عراق الغد.

• حماية تراث وتاريخ العراق مسؤولية ملقاة على كل الأطراف.

• احترام وحماية حرية الحركة للمواطن.

• علينا ان نعمل سويةً نحو صنع السلام ضمن حدود العراق ومن ثم العمل على حفظه وأخيرا بنائه على أسس سياسية وأمنية واجتماعية صحيحة ومتينة.

• يجب ان تكون هناك إرادة سياسية واجتماعية ووطنية للنخب السياسية في العراق وجمهورها لإعادة بناء وطن عانى ولا يزال يعاني من تحديات وصعوبات اقتصادية وأمنية وسياسية واجتماعية وغيرها، ويجب ان يكون العراق هو القاسم المشترك لجميع التحركات والمبادرات في هذا الشأن.

خاتمة:

ضروري ان ندرك ان الدولة العراقية تفقد سرعة مقدرتها على ادارة أمورها وتتجه نحو واقع اللادولة وبهذا الفقدان سوف لن نستطيع ان نسترجعه من دون خلق معالم مشروع وطني جديد يعالج أصل المشكلة ويعطي جرعات قوية لفك تعقيداتها والمضي سويةً لبنائها على أسس جديدة وصحيحة. قسم من هذه التعقيدات حقيقية وقسم اخر مختلقة، نحتاج أولاً ان نزيح هذا القسم المختلق من الازمات لكي نتفرغ معاً للمعالجات المهمة الجوهرية لبناء عراق الغد سويةً.

من وجهة نظر البعض قد يُنظر لما اثرت اعلاه كأحلام، واقول ان الحلم مقدمة ضرورية للبناء، وان الحلم هو ما يميز الانسان عن غيره، وأنه النعمة الربانية لتغيير الواقع نحو الافضل. هذا الحلم قد يأخذ زمناً طويلاً ولكنه ممكن الحدوث وليس مستحيلاً ويجب ان نفَّعله ونترجمه الى الواقع ان لم يكن لنا فلأبنائنا واحفادنا.

من خلال عملي كمسؤول في الدولة العراقية لمست بنفسي ضعف الثقة بين المسؤولين من أبناء المكونات المختلفة، علماً ان خدمة العلم من المفترض ان تكون كافية كمقدمة لبناء الثقة والعمل الجماعي نحو البناء. نعم بكل تأكيد نحتاج ان نقنن العلاقة بين مكونات المجتمع على اسس دستورية وتشريعية وتنفيذية صحيحة، ولكي نحُسّن هذا التقنين نحتاج قبله الى تحديد قواعد وإيجاد مستلزمات مهمة لمعالم مشروع بناء عراق الغد.

ما حاولت ان ابينه اعلاه، يمكن تسميته بالميثاق، او مسودة دستور، او معالم عقد اجتماعي جديد، او حلم مشترك عند اغلب العراقيين الذين يريدون ان يعيشوه، او معالم خارطة طريق سياسية جديدة اذ كلها تصب في خانة تقوية المواطنة وايضاح لمعالم العقد الاجتماعي الصحي بين المواطن والدولة. ليس مهم الاسماء والمسميات ولكن بالنتيجة كل الرسالات الربانية والانسانية ابتدأت بحلم وتم ترجمتها الى الواقع بسواعد ابنائها، فلنكن بقدر المسؤولية والقدر والدور التاريخي المطلوب منا، فالبحث عن الحل واتفاق على أسس ترسيخ وئام السياسي وطرح برامج سياسية لتقريبنا من احلامنا هو مفتاح لجميع الابواب المغلقة في عراق اليوم وهو الخطوة الاولى قبل اي تحرك لبناء أساس متين وقوي وذي جذور عميقة لعراق متماسك يضم جميع الاطياف والمكونات بألوانها كافة. فما علينا الا العمل بعد التوكل على الباري الرحيم.

* صحيفة الصباح العراقية

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق