في تصريح مثير للدهشة قال شون باركر اول رئيس لشركة فيس بوك: "نحتاج أن نعطي المستخدمين الدوبامين (هرمون السعادة) بين الحين والآخر، وذلك بجعل آخرين يعلّقون على صورهم أو يعجبون بها أو يكتبون منشورات لهم"، اذ جاء هذا التصريح بعد التغيير الكبير والملحوظ الذي فعلته مواقع التواصل الاجتماعي بأساليب المستخدمين لها من الجمهور.

لمواقع التواصل الاجتماعي القدرة الغريبة على اعطائنا جرع وليس جرعة واحدة من السعادة، فكم من مهموم ومنشغل بحياته اليومية لجأ لتلك الشبكات التي اعادت ترتيب أوراقه وجعلت الفرحة ترتسم على محياه، وفي ذلك تأكيد على إمكانية مواقع التواصل الاجتماعي في احداث التغيير نحو الافضل في بعض الحالات.

وقد وصلت الحالة بمواقع التواصل الاجتماعي الى اجبار مستخدميها على تغيير السلوك اليومي دون المعرفة بتداعيات هذا التغيير، فهي من وضعت المستخدم تحت طائلة الإدمان المتواصل على الاستخدام، وأصبح الفرد قابع تحت هذا التأثير ولا يجد الطريقة المثالية للخروج من وصاية هذا البند.

ولكل انسان نقاط ضعف ترافق سلوكه اليومي او طباعه المعتاد عليها بصورة دورية، ولعل المالكين لهذه المواقع او الامبراطوريات الاجتماعية، أدركوا نقاط الضعف المتعلقة بعنصر السعادة الغائبة لدى ملايين من الافراد المتعطشين لمثل هذا المنفذ الترفيهي والباعث على السعادة ولو الوقتية في اغلب الأحيان.

فالتعامل غير الواعي لمواقع التواصل الاجتماعي ينتج في كثير من الأحيان بدافعين، أولهما المتعة الوقتية والآخر الخروج من الضغوطات اليومية التي تعترض سبيله أينما ما حل وارتحل، وبطبيعة الحال فان الاستخدام النابع من هذه الحاجات له آثار إيجابية وعواقب خطيرة لا يمكن تجاهلها او التقليل من مهاجمتها الافراد المستخدمين.

يحصل كثيرا ان تثير مواقع التواصل الاجتماعي بداخل المستخدم نوع من البهجة عبر قراءة اخبار سارة قد تتعلق بتعينات جديدة او توزيع منحة مالية على شريحة واسعة من شرائح المجتمع الى غير ذلك من الاخبار التي تحرك الوجدان وتزيد من حيوية ونشاط الدوبامين، (هرمون السعادة)، وبالنتيجة صارت تلك المواقع مصدر مهم من مصادر السعادة التي لابد ان تأخذ بالحسبان ولا يمكن تجاهلها.

وبعد الشعور بالسعادة المؤقتة تأتي الصدمة الكبرى من الجهات المعنية بتفنيد الخبر او التعديل عليه بما يغيب الفرحة الوقتية، وهنا يكون لهذه المواقع الدور الأبرز في خلق السعادة وتميعها في الوقت نفسه، بالاعتماد على المعلومات المضللة والمزيفة وغير الصحيحة، ومن خلال المتابعات للمواقع العالمية الرصينة والدراسات المتخصصة في هذا المجال توصلت جميعها الى ان هذه المشكلة أصبحت من المشكلات الدولية التي يصعب معالجتها.

ومن الحلول الناجعة لمثل هذه المشكلة هو التخلي عن التعامل مع هذه الوسائل واستخدامها لساعات طويلة، فالإقلاع التدريجي يمنح المستخدمين القدرة على الشفاء تدريجيا من التعرض لشعور السعادة الزائلة او الوقتية، وبالتالي يتعامل الجمهور المستخدم مع هذه الشبكات على انها مصدر معلوماتي غير دقيق ولا يمكن التسليم بما يتعرض له من اخبار ومعلومات غير دقيقة وان كانت باعثة على السعادة.

لقد أثرت الشبكات الاجتماعية على الحالة النفسية للمستخدمين وجعلتهم يعيشون شعور متضارب وفق ما تسوقه من أفكار واخبار مختلفة حول موضوعات متنوعة، وبالنتيجة تضاربت الأفكار وأصبح من الصعب الاستمرار على طريقة تفكير واحدة لدرء التداعيات الخطيرة المترتبة للاستخدام غير المسؤول لوسائل التواصل الاجتماعي بمجملها.

ولا يحصل الابتعاد الا عن طريق الاعتماد على الاستعداد النفسي والشخصي لدى الافراد لمواجهة التلاعب الكبير الذي تحدثه مواقع التواصل الاجتماعي بسلوك الافراد الى جانب التأثير الكبير على مشاعرهم، لكن الأفضل ان يكون الاعتماد في خلق السعادة على مزاولة الأشياء المحببة الى النفس، كالذهاب الى القاعة الرياضية او الخروج بنزهة جماعية مع الأصدقاء او العائلة وغيرها.

لا يمكن ان يعيش الانسان وهو فاقد لعنصر السعادة الذي يعد أحد اهم العوامل في حياته، لذا نراه يحرص على خلق أجواء مناسبة تجعله يقاوم صعوبات الحياة المتراكمة، فلا ضير ان تأتي السعادة عن طريق شبكات التواصل الاجتماعي شريطة ان تكون حقيقية وغير زائفة تذهب سرعان ما تغادر تصفح هذه المواقع، وفي العكس تبقى الفرحة الناتجة عن المواقف اليومية راسخة في الذهن وتتأرجح بالذاكرة على مرة الأيام.

اضف تعليق