أينما نولّي أبصارنا، شرقا أو غربا، شمالا أو جنوبا، إلى الجهات الأربع من العالَم، فإننا لا نرى غير الحرائق والنزاعات والحروب التي تأكل الزرع والضرع وتميت الأخضر واليابس، وتحيل الأرض إلى مكان لا يُطاق، محاصَر بالبغضاء والاحتقان، لماذا هذه الصورة المشوَّهة للعالم الواقعي الذي نعيشه اليوم، ما أسباب ذلك، وكيف نعالجها.

الصورة التي وردت ملامحها المخيفة في أعلاه ليست من بنات الخيال، إنها صوّرت لنا الملامح والصفات الواقعية التي يتصف بها عالَمنا اليوم، لماذا تتصف الأرض بهذه الصفات المتوحشة؟، الجواب ليس لغزا، ولا عصيّا على العقول التي نقلت الإنسان من مراحل الجهل إلى أرقة مراتب العلم والتطور، ما يعوز العالَم الذي نقطنه اليوم هو منهج محدد، فما هو هذا المنهج الذي يمكنه أن ينقذ العالَم والناس من وباء النزاعات؟

الإمام الراحل آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله)، يقدّم لنا نظرية كفيلة بإنقاذ العالم فيما لو التزم بها، صُلب ولُب هذه النظرية اعتماد القادة والناس على نحو العموم منهج اللاعنف في حياتهم، حيث يقول سماحته في كتابه القيّم الموسوم (إلى العالَم): (من الضروري أن نلتزم بمنهج اللاعنف لو أننا أردنا إنقاذ العالَم).

صحيح هنالك مصالح قوية للدول كبيرها وصغيرها، وينتج عن ذلك تضارب في الأهداف، ولكن فيما لو التزم النظام العالمي بمنهج اللاعنف، سوف تتضاءل التصادمات، وتخبو الكثير من النزاعات ويتحول العالم إلى نظام جديد يضبط إيقاعه منهج اللاعنف الذي قدّم فيها الإمام الشيرازي نظرية متكاملة قابلة للتطبيق، وستكون حصيلتها ماثلة للجميع.

تتأكد النتائج المثمرة لمنهج اللاعنف، لأن تطبيقه يقع في إطار منطق الإسلام والعقل، وهما جزء لا يتجزّأ من الفطرة البشرية التي تذهب إلى صالح الإنسان بالدرجة الأولى، لذلك فإن تطبيق منهج اللاعنف سيؤدي إلى انتشال العالم من واقعه المشحون بالنزاعات والتصادمات.

يقول الإمام الشيرازي: (إنقاذ العالم من العنف يقع في إطار منطق الإسلام والعقل).

تطبيق منهج اللاعنف يستدعي قادة من طراز محدد، قادة إنسانيو النزعة، يجب أن تكون مصلحة الإنسان وحفظ حقوقه في مقدمة اهتماماتهم، ما هي الصفات الت يجب أن نجدها في القادة المسؤولين عن إدارة دولهم، ومن ثم يشاركون في إدارة العالم، هؤلاء القادة يضع لهم الإمام الشيرازي في نظريته حول الاعنف صفات وملامح تتسم بالصلاح والاستقامة.

ما هي صفات من يقود العالَم؟

هذا في الحقيقة لا تشمل قادة الدول الكبرى فقط، ولا رؤساء الشركات العالمية التي تتحكم بدورة الاقتصاد العالمي، ومن المؤكد أنها تشمل رؤساء الدول الأقل حجما، والمسؤولين بمختلف وظائفهم ومراكزهم، بل هي موجّهة إلى أصغر إنسان مسؤولية، بأن يتخلى عن العنف في إدارته، حتى يضمن النجاح في مهامه بحسب نوعها وسقف نتائجها.

لهذا يؤكد الإمام الشيرازي على: (أن يكون من يقود العالم ذا أخلاق رفيعة في العلم والحلم والصبر والعفو والاستقامة والهدفية وسائر الأخلاق الحسنة، وأن لا يكون متصفاً بالأخلاق السيئة، كالكبر والغرور والكسل والضجر، وسوء الأخلاق والشقاق، وكونه ذا وجهين وذا لسانين وما أشبه).

فإذا أراد المعنيون بإصلاح عالمنا، وجعله أكثر أمناً وعدالة، وأكثر قدرة على حماية الحقوق والحريات، فهذا يستوجب أن تكون الرؤوس القيادية أو المفاتيح الكبرى لصناعة القرار، متّسمة وملتزمة بمنهج اللاعنف، فمن غير الممكن تخفيف احتقان عالم اليوم عبر التصادم أو الصراع، ذلك أن القوة لا تجدي في معالجة العقد المستعصية، والتشبث بمنطق حماية المصالح القومية على حساب الدول والشعوب الأخرى ليس صحيحا بالمطلق.

لهذا يرى الإمام الشيرازي إنّ: (من أهم ما يجب أن يتصف به قادة العالَم: اعتمادهم منهج اللاعنف).

وقد يتوهم بعض القادة من كل الدرجات بمختلف مستوياتها، بأن القوة سوف تذهب به إلى أهدافه مباشرة، أو أنها الأسلوب الأسرع نحو أهدافه، وما يجعل من هذا الوهم مشكلة كبيرة، أن بعض القادة المصلحين ينفذ صبرهم، فيتصوّرون أن استخدام القوة يحقق لهم ما يصبون إليه بالسرعة اللازمة.

لكن هذا الوهم يبقى وهما، ولا يخرج عن إطار التوهّم الذي يجعل من استخدام القوة للإصلاح هواء في شبك، لا نتائج له مطلقا، لأن الأسلوب الأصحّ والأنسب والأكثر قدرة على الإصلاح هو منهج اللاعنف.

هذا ما ركّز عليه الإمام الشيرازي حينما قال: (إن بعض الناس الذين يحبّون الإصلاح قد يضغطون على أعصابهم فيتخذون من العنف منهجا لتحقيق أهدافهم).

ما نتائج استخدام العنف؟

وقد نصاب بالدهشة حين نعرف في نهاية المطاف، بأن منهج العنف مع سرعة تحقيقه لبعض الأهداف الآنية، إلا أنه بالنتيجة سوف يعود على مستخدميه بما لا يسرّهم ولا ينفعهم مطلقا، حينما يعرفون بأنهم تحوّلوا إلى طغاة لا يجيدون سوى القوة والطغيان حتى يصلوا إلى ما بيتغون، وإن وصلوا فإن وصولهم هذا لا يخرج عن إطار الوهم بتحقيق النصر وهو بعيد عنهم كل البعد.

ولو أنهم اتبعوا منهج اللاعنف لكانت النتائج مضمونة وإن كانت صعبة بعيدة، لأن استخدام منهج اللاعنف يتطلّب الصبر والأناة والتدرّج وسعة البال والصدر، لكن النتائج لا غبار عليها مطلقا، بل هي مضمونة وتقع في مدار الإصلاح جملة وتفصيلا، وهذا ما يربو إليه قادة الإصلاح الحقيقيون وليس المزيّفون.

الإنسان العنيف أقرب من غيره إلى الجهل، ولا نخطئ إذا قلنا، إن الطاغية لا يسوقهُ إلى الطغيان سوى جهله، وأن منطق القوة في غير محلّه سيعود وبالا على من يستخدمه، أما اعتماد منهج اللاعنف فإنه ينمّ عن عقل حكيم، ونفس تتحلى بصفات الاتزان والمنطق والعدالة، ولهذا تأتي النتائج في إطار ما يطمح إليه القادة المصلحون، فما يبذلونه من صبر وتأنٍ شديد وسعة صدر سوف يعود عليهم بما يشتهونه من نتائج تثلج صدورهم.

لهذا يقول الإمام الشيرازي:

(إن اللاعنف من أصعب الأمور تحمّلاً، ومن أشهى الأمور ثمرة، ومن أفضل ما يوجب جمع الناس حول الفضيلة. وعكسه (العنف) فهو من أقرب الأشياء إلى طبيعة الإنسان الجاهل، ومن أكثر أسباب العطب، ومن أهم موجبات الفشل وانفضاض الناس من حول الإنسان).

ولا غرابة حين يقول الإمام الشيرازي، إن منهج اللاعنف لا يمكن أن يكون بين يدي الإنسان بيسر وسهولة، فاللاعنف طريقة ومنهج حياة بالغ الصعوبة، لا يمكن إتقانه وضبطه وتطبيقه، إلا بعد التمسك بالتدريب والتمرّن الدقيق والمستمر عليه، نعم على الإنسان في جميع مراكز المسؤولية أن يتعلّم منهج اللاعنف بعدما يتدرّب عليه ويتقنه.

وأهم ملاحظة في هذا الجانب، السيطرة على الأعصاب، وعدم ترك الحبال على الغارب، بل لابد أن يكون هنالك ضبطاً عالياً للأعصاب، وردعاً حازماً للطرق السهلة في بلوغ الإصلاح، والابتعاد التام عن منطق العنف في أي حال من الأحوال، وهذا لا يمكن تأمينه إلا عن طريق التدريب والتمرين الشديد على اعتماد منهج اللاعنف في معالجة الأمور كافة، وإن كان هذا الأسلوب أصعب بكثير من أسلوب العنف!.

لذا يؤكد الإمام الشيرازي على:

(إن منهج اللاعنف يحتاج إلى تدريب عميق وتمرين شاق، وضبط للأعصاب خصوصاً في موارد الانزلاق، وبالأخص إذا وصل الإنسان إلى المال والسلطة والسلاح).

نعود فنقول إن عالمنا اليوم عالم عنيف، وهذا حصيلة لأسلوب حياة الدول والشعوب أو نسبة عالية منها، هل هناك فرصة لتغيير وجه العالم وعمقه، لا طريق أمام الإنسان سوى منهج اللاعنف حتى لو كان صعب التطبيق، فهو السبيل إلى نظام عالمي جديد أكثر عدالة، وقدرة على إحقاق الحق وحماية الحريات.

انقر لاضافة تعليق