إذا كان القادة السياسيون العراقيون أذكياء، فسوف يتعاملون مع الموقف الراهن (للمظاهرات الشعبية)، بذكاء وبطريقة صحيحة وناجحة وأكثر هدوء وعقلانية، استنادا للدستور الذي يحفظ حق التظاهر السلمي للشعب، ولعل حجر الزاوية في نجاح هذا التعامل للحكومة مع الغضب الشعبي، هو الابتعاد عن التعامل العنيف مع الجماهير (كونها صاحبة حق)، مع الشروع بالإصلاحات الفورية الجادة بعيدا عن الحلول المهلهلة، بالإضافة الى أن الطبقة السياسية الحاكمة ينبغي أن تعرف تمام المعرفة، أنها في محل تقصير وقصور لا يقبل اللّبس في أداء مهامها بخصوص إدارة البلد.

وعندما وصل السيل الزبى، بعد أن يئس الشعب من تحقيق أبسط شروط العيش الكريم، وبعد أن تأكد الجميع أن المسؤولين لا يعنيهم أمر الشعب العراقي، لم يبق سوى اللجوء إلى المثل المعروف (آخر العلاج الكيّ)، ولأول مرة تلجأ المرجعية الرشيدة إلى هذه الدرجة القصوى من الوضوح في التحذير للجهات الحكومية التي تقود العراق، وكان كلام المرجعية واضحا ودقيقا، عندما طالبت بوضوح لا يقبل اللبس، رئيس الوزراء حيدر العبادي، باتخاذ الخطوات الجريئة لمعالجة أو ضاع البلاد المتدهورة.

وركَّزت المرجعية الرشيدة على تحقيق الأهداف التالية:

أولا- التصدي للفساد وشبكاته كافة بقوة، وتم توجيه الكلام مباشرة إلى الرجل الأول في السلطة التنفيذية (رئيس الوزراء حيدر العبادي)، وعليه (الضرب بيد من حديد)، على رؤوس الفاسدين والمفسدين وشبكات الفساد بكل أنواعه.

ثانيا- طالبت المرجعية الرشيدة أيضا، رئيس الوزراء باعتماد الكفاءة قبل أي معيار آخر في اختيار الشخص المناسب للمكان المناسب.

ثالثا: عدم الانصياع إلى المحاصصة السياسية أو الطائفية أو مساندة الأحزاب والساسة للعناصر الفاسدة والمفسدة، فينبغي ملاحقة المسؤول الفاسد، بغض النظر عن طائفته أو أثنيته، او قربه من السلطة التنفيذية او سواها.

رابعا- أن يكون المسؤول التنفيذي الأول في العراق (رئيس الوزراء) جريئا في تطبيق البنود أعلاه، وسواها.

الجرأة في محاربة الفساد

وعلى رئيس الوزراء، الذي لم يتحلَ بالجرأة اللازمة في معالجة الفساد، أن يكون أكثر جرأة، وأن يعتمد على الله والشعب مسنودا من المرجعية نفسها، في أداء عمليات الإصلاح وملاحقة الفساد بجرأة وقوة، وعدم الاكتفاء ببعض الخطوات البسيطة وغير الكافية في مجال الإصلاح، كما أثبتت الشهور الماضية من عمر حكومة العبادي.

مع العلم أن الجميع يتذكر الآلية التي تم وفقها اختيار السيد حيدر العبادي، بدلا من رئيس الوزراء السابق المنتهية ولايته، وكيف نظر الشعب إلى شخصية رئيس الوزراء الجديد، باعتباره يمثل الخلاص للشعب، ممن عاثوا فسادا في السياسة والاقتصاد العراقي، ودمرّوا مؤسسات الدولة العراقية، وأضعفوا مؤسساتها، وحولوا الوزارات والدوائر الخدمية إلى (ممتلكات شخصية لهم ولعائلاتهم والمقربين منهم)، عبر التعيينات الجماعية التي تستند على (القرب العائلي، والحزبية، والمحسوبية، والولاء المدفوع الثمن، وما شابه).

في حيت بقيت البطالة، بل تضاعفت وتزايدت أكثر وأكثر، ليكون وقودها الفقراء الذين ذهبت فرص تعيينهم إلى أبناء وأقارب المسؤولين الحكوميين، ولم تكتفي الطبقة الحاكمة بكل الامتيازات التي حصلت عليها، عبر التشريع الخاطئ، فأخذت تتجاوز على المال عن طريق الاختلاس وغسيل الأموال، وعقد الصفقات المشبوهة، وشراء الذمم، والتجارة المشبوهة والفاسدة، وما إلى ذلك من طرق احتيال لجمع السحت الحرام من حقوق الشعب.

كل هذا وسواه من حالات الفساد المستمرة، لم يترك خيارا للشعب، غير الانتفاض مرة أخرى، بعد أن انطلقت الشرار في البصرة من الجنوب، عندما تظاهر عدد من مواطني البصرة مطالبين بحياة كريمة وقليلا من الطاقة الكهربائية، في ظل ارتفاع درجات الحرارة بصورة غير مسبوقة، فما كان من الرد إلا بقتل الشاب (منتظر)، وجر عدد آخر من المتظاهرين، الأمر الذي شكل استهتارا بكل القيم الوطنية والأخلاق والتعامل المسؤول.

مظاهرات في عموم البلاد

فكان استشهاد (منتظر) في البصرة، نقطة انطلاق لتظاهرات شملت العاصمة بغداد ومعظم محافظات العراق في الوسط والجنوب، الأمر الذي شكل نقطة تغيير في مجريات الأمور، لاسيما أن البلاد تخوض حربا متواصلة مع عدو إرهابي شرس، متمثلا بتنظيم داعش الذي يحاول توسيع مناطق نفوذه في العراق، وهكذا أعلنت المرجعية الرشيدة موقفها الواضح من الوضع الخطير الذي يمر به العراق حاليا.

لذا لم يبقَ أمام السيد العبادي، سوى (الضرب بيد من حديد) على أيدي الفاسدين، ولابد أن يخطو الرجل التنفيذي الأول في السلطة، نحو اتخاذ قرارات فورية حاسمة للإصلاح، وضرب الفساد، واعتماد معايير الكفاءة أولا في إدارة الوزارات ومؤسسات ودوائر الدولة كافة، فلا يجوز بعد اليوم أن يتم منح أي منصب كان لكائن من كان على أساس الانتماء الحزبي لهذه الكتلة أو تلك، او لهذا الحزب وذاك، بل كفاءته ومؤهلاته وذكاؤه وخبرته هي المعيار الوحيد لاستلامه هذا الموقع الوظيفي او ذاك.

بقيت تساؤلات مهمة تدور أروقة الطبقة السياسية نفسها، والمراقبين، والمواطنين أيضا، هل سينجح السيد العبادي في مهمته الصعبة هذه، وهل سيكون قادرا على إخراج العراق من أزمته الحالية الخانقة، وهل يمكن للعبادي، ان يكون قويا وجريئا بشكل تام، وهو مكبل بالمحاصصة والانتماء الحزبي والطائفي والإثني وما شابه؟؟، وهل يمكنه أن يكون أمينا وقادرا على تنفيذ توصيات المرجعية الرشيدة الحاسمة.

لا شك أن هذه المهمة بالغة الصعوبة والتعقيد، ولكنها ليست مستحيلة، وما على السيد العبادي سوى الشروع المدروس، باتخاذ الخطوات الإجرائية اللازمة للحد من الفساد، وإعلان خطة الإصلاح، التي ينبغي أن تعطي أكلها بصورة سريعة ودقيقة، لاسيما ما يتعلق بالخدمات الأساسية، والإصلاحات السياسية والاقتصادية.

مع أهمية أن يدعمه الحزب والكتلة التي ينتمي لهما، بل ينبغي أن تدعمه الطبقة السياسية كلها بما في ذلك المختلفون معه في الرؤية والأفكار وما شابه، كي ينجح في مهمته الخطيرة هذه، لأن نجاح السيد العبادي في هذه المهمة، هو الطريق الوحيد المتاح للخروج بالعراق من (كارثة)، تتهدد وجوده وكيانه وتاريخه وحاضره بالكامل.

اضف تعليق


التعليقات

مروة جعفر صادق
بغداد
مقال في الصميم.. دمتم سندا للشعب وكلمة الحق ..2015-08-09
ياسمين
كربلاء المقدسة
جميل جدا2015-08-09