تشكل النخب الاكاديمية في المجتمعات مصدراً اساس في صياغة الرؤى الاجتماعية، اذ تصيغ من خلال دراساتها المنهجية السياسات الاجتماعية والاقتصادية وحتى السياسية وغيرها للدول، اضافة الى الدور الذي تؤديه في تنشئة الاجيال المتعلمة تعليمها العالي في الجامعات والذي تؤسس به معرفة اجتماعية وعلمية عامة تساهم في رفع مستوى النظم الثقافية والمعرفية للمجتمع.

في هذه المهمة تعاني النخب العراقية الاكاديمية خللا في الاداء او لنقل ازمة في تحديد الاولويات التي يتعين على الأكاديميين تحديدها، من بينها الصراع الخفي مع المثقف غير الأكاديمي، وعلى وفق هذه الاشكالية سنناقش القضايا الاتية:

* الأكاديمي والدور الاجتماعي:

في تميز عام بين المثقف والأكاديمي فان الأكاديمي هو الباحث العلمي بمنهجيات ملتزمة وصارمة، وينتمي لاحد المؤسسات الاكاديمية ويمارس مهامه من خلالها. اما المثقف في المفهوم الاصطلاحي: ناقدٌ اجتماعيٌّ، "همُّه أن يحدِّد، ويحلِّل، ويعمل من خلال ذلك على المساهمة في تجاوز العوائق التي تقف أمام بلوغ نظام اجتماعي أفضل، نظامٍ أكثر إنسانية، وأكثر عقلانية"، كما أنه الممثِّل لقوَّةٍ محرِّكةٍ اجتماعيًّا، "يمتلك من خلالها القدرةَ على تطوير المجتمع، من خلال تطوير أفكار هذا المجتمع ومفاهيمه الضرورية" (من هو المثقف؟ أ. إبراهيم الشافعي).

وفي هذا الهم سيشترك كل منهما لكن بوسائل وطرق مختلفة، اذ ان المثقف تقع عليه الفاعلية الاجتماعية وتحريك المتخيل الثقافي والاسهام في خلق المفاهيم والتصورات العامة للمجتمع، والأكاديمي عليه تأسيس المنهج العلمي والبحث الدقيق في الحقائق التي يختص بها وكلاهما يصبان في بناء النظم المعرفية والاجتماعية.

في العراق لم تكن الامور تجري بهذا النحو تماماً، فالاكاديمي العراقي ما عليه سوى تقديم المحاضرات اليومية لطلبته التي تختزنها الكتب في صفحاتها والابتعاد عن الاندماج في واقع الهم العراقي، وقد يعود ذلك الى ان المؤسسة التعليمية مازالت تعمل بأساليب ريعية، ومازالت تبعية الموظفين ومنهم الأساتذة والتدريسين خاضعة لوسائل القسر والاجبار، فالاكاديمي بواقعه ممتن للمؤسسة الحكومية على الدعم المادي المترف له وليس له وفقا لهذا الترف ان يعمل ضد التيار، وهذا رأي مجموعة كبيرة من الاكاديميين والتدريسين في الجامعات بعد حواري معهم بهذا الشأن.

ففي مقام الاوليات تكون الاولوية للمصالح الشخصية على حساب الرسالة الاجتماعية والثوابت والمثل المرتبطة بالوظيفة التي يعمل بها، باختصار تابعية الأكاديمي جلية وواضحة للمؤسسة الحاكمة بصرف النظر عن سياستها الهدامة او البناءة، لذا فان الحس النقدي الصريح مرفوض في العمل الأكاديمي ولا يسمح به باعتباره انتهاكاً سياسياً او له تبويب اخر يرتئيه القائمون على الامر في الجامعات.

من ناحية العلاقة بتحرك المجتمع لم يعد الأكاديمي صاحب دور فاعل في الحراك والتغيير، مثلاً منذ سنوات ومعظم افراد المجتمع العراقي شاركوا وطالبوا بالكثير من الحقوق التي قصرت الحكومة في أدائها، وخلال هذه المدة لم تكن هناك حركة جادة ولا حتى خجولة واضحة للأكاديمي العراقي في مساندة المجتمع في تحقيق مطالبه، الا فيما خص استقطاع مخصصاته المالية اذ نظم التظاهرات والوقفات الاحتجاجية. وهنا لا اتحدث عن استثناءات لبعض المثقفين الأكاديميين ممن كان لهم حضور واضح في مساندة الشارع العراقي فان هذه الاستثناءات راجعة لخصوصيتها اذ انها بالأساس شخصيات ثقافية عامة لها مهنة اكاديمية أي ان هويتها الاجتماعية ثقافية قبل ان تكون اكاديمية.

* المثقف والأكاديمي (الاشتغال المعرفي):

انفاً تبين لنا ان الدور الذي يؤديه المثقف هو مساهم بشكل كبير ان لم يكن أكبر في المجتمع من الأكاديمي، وهنا يتضح لنا صراع ادوار بين كل من المثقف والأكاديمي في الواقع، اذ ان الأكاديمي يستأثر بالمحافل والمناسبات وكذلك الانشطة الثقافية والعلمية التي تؤسس لها الجهات المسؤولة والتي تناقش الواقع وازمات المجتمع، فالمؤتمرات في كل المجالات وخصوصاً السوسيوثقافية/سياسية/اقتصادية.

وهم ينفردون بها دون افساح المجال للمثقف المرتبط بالواقع، صاحب الرؤية الاكثر تجذراً في الهم الاجتماعي بداعي ان الاوراق العلمية التي تقدم من قبل غير الاكاديميين لا تتوفر بها الشروط العلمية من قبيل الترتيب المنهجي ... الخ بالرغم من ان الواقع الذي تشهده هذه المحافل وما يقدم فيه من اوراق عمل تصيب المطلع بالخيبة (باستثناء بعض من الاوراق الجادة) فهي عبارة عن اسطر وصفحات منظمة منهجياً خالية من طرح فكرة جوهرية عملية او فكرة مبدعة، فلم يهتم الاكاديمي بالأفكار المبدعة بقدر اهتمامه بالصياغة الشكلية لما يكتب، وهذا ما لا يتناسب مع اشتغالات المثقف غير الاكاديمي، هذا الاحتكار الاكاديمي لمواطن تحديد الواقع وقراءته في المؤسسات الرسمية يمثل اشكالاً خصوصاً وان هموم الاكاديمي هموم اخرى بعيدة عن هموم المجتمع وهي ما سنتعرض له.

* هموم الأكاديمي:

تختلف هموم الأكاديمي العراقي عن الهم العام او عن هم المثقف الذي يشغله، فالحقيقة ان الأكاديمي لديه فضاءه الخاص وهمه الخاص، فلم يكن هم الأكاديمي غير الارتقاء بمستوى السيرة الذاتية (cv) بإقحام نفسه في أي مشاركة متاحة بصرف النظر عما سيقدمه من مادة، وهذه السيرة تساعده في تعزيز فوقيته الاجتماعية، اما الانشغال الثاني هو الارتقاء في المهام الاكاديمية والمناصب التي يعمل بها وهو ما يوفر له مكانة أكثر رمزية داخل فضائه، كما ان معظم الاكاديميين لا يسعى حتى الى تحديث معلوماته التخصصية بالتالي لم يعد همه البناء المعرفي للأجيال التي يخرجها، بل يكتفي بتمرير المعلومات المخزونة منذ امد وربما أصبحت من تاريخ الفكر في تخصصه. والشاغل له في حال محاولته الكتابة هو الترقية العلمية التي يحاول استحصالها والتي بدورها تضيف له دخلاً أكثر ثراء.

ملخص القول: ان الهم الأكاديمي لم يعدو ان يكون بناء الطموحات الشخصية المرتبطة بالمكانة والربح والامتياز على حساب التوقعات الوظيفية/الاجتماعية، والامر جلي في مستوى الأداء والانجاز الوظيفي وتراجع مستويات الخريجين وضعف المعلومات المرتبطة بالتخصص وعدم وضوح الرؤية في المعارف التي اكتسبوها، كما ان التوقع المرتبط بفاعلية دور النخب الاكاديمية في توضيح وتبيان استراتيجيات العمل المجتمعي والمؤسسي أصبحت ضربا من المثال ناهيك عن الفوقية الاجتماعية التي يعيشها الاكاديمي، ويجدر القول ان هذا المقال يناقش العموم ولا يتعامل مع الاستثناءات والخصوصيات لبعض من الاكاديميين..

* مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–2017Ⓒ
http://shrsc.com

اضف تعليق