المناقشات الدائرة حول السياسة الاقتصادية والدور الذي تضطلع به الحكومة أصبحت مستَـقـطَـبة على نحو متزايد، مما يزيد من خطر التحولات الجذرية. إن توقع عدم استقرار السياسات يخلف تأثيرا مثبطا على الاستثمار وبالتالي على النمو المستدام والازدهار في الأمد البعيد. بوسعنا ملاحظة هذا الاتجاه في الاقتصادات المتقدمة والنامية...
بقلم: مايكل سبنس

ميلانو ــ لعدة عقود من الزمن، كانت الأسواق وحوافز السوق المحركات الرئيسية للاتجاهات والسياسات الاقتصادية. لكن دوام الحال من الـمُـحال. لقد دخلنا الآن عصر الاقتصاد السياسي، حيث أصبحت تصرفات الحكومات واحتمالات حدوث تحولات شديدة في السياسات من المحددات الرئيسية للأداء الاقتصادي.

حتى وقت قريب، كانت سلاسل التوريد العالمية تعتمد بشكل كامل تقريبا على الكفاءة والميزة النسبية. وكانت الاتفاقيات التجارية تُـبـرَم بعد مفاوضات ثم يجري توسيع نطاقها لتشمل إزالة القيود المفروضة على التدفق الحر للسلع، ورأس المال، والتكنولوجيا، وإلى حد ما البشر. مع قدوم الاتصالية الرقمية، بدأت التجارة في الخدمات تنمو بسرعة. وفي أوروبا، أفضى إنشاء منطقة اليورو إلى تفكيك وخصخصة عدد كبير من الشركات والاحتكارات المملوكة للدولة.

ظلت الحوكمة، على المستويين المحلي والدولي، مستقرة نسبيا، وإن لم تكن متجانسة. وأصبح دور الحكومة ثانويا عبر قسم كبير من العالم. بموجب هذا الـفِـكر، إذا دعم صناع السياسات الأسواق ببساطة وعملوا على تشحيم عجلات الرأسمالية العالمية، فسوف يترتب على ذلك الازدهار والتقدم. لم تتبع كل الاقتصادات الكبرى هذه الوصفة بكل تأكيد. فقد حافظت الحكومة الصينية، على سبيل المثال، على دورها البارز في الاقتصاد. ويظل استثمار القطاع العام في مشاريع البنية الأساسية، ورأس المال البشري، والتكنولوجيا ضخما على نحو مستمر، مع احتفاظ الحكومة بحصص السيطرة في الشركات المملوكة للدولة حتى بعد إدراجها في أسواق البورصة. تمثل هذه الشركات المملوكة للدولة حصة كبيرة ومتنامية من جانب العرض في الاقتصاد الصيني. كما تواصل الدولة التأثير على القطاع الخاص من خلال تواجد مسؤولي الحزب الشيوعي في مجالس إدارات الشركات.

تُـعَـد بلدان أميركا اللاتينية نوعا ما استثناء لهذا النمط العام من الاستقرار. على مدار العقود القليلة الأخيرة، تأرجح عدد كبير منها بين أشكال متطرفة إلى حد ما من هيمنة السوق ونسخ متطرفة بذات القدر من الشعبوية وتدخل الدولة سعيا إلى تحقيق أهداف مرتبطة بالتوزيع، على حساب النمو في كثير من الأحيان. على الرغم من تفاوت أساليب الإدارة الاقتصادية السائدة، فإنها كانت مستقرة في عموم الأمر، وكانت تأثيراتها الإيجابية كبيرة. وارتفع الاستثمار عبر الحدود إلى عنان السماء، فأدى ذلك إلى تغذية النمو والازدهار في الأسواق الناشئة. وشهدت التجارة العالمية، التي اتسمت بالالتزام الواسع الانتشار بقواعد واضحة، قِـلة من الارتباكات.

ولكن يبدو أن هذا النمط التاريخي انهار. لقد انحرفت إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب عن السياسات التجارية التي انتهجتها الإدارات السابقة لها، ففرضت تعريفات جمركية على الواردات من الصين، وعملت على تهميش المؤسسات المتعددة الأطراف المسؤولة عن تنظيم الاقتصاد العالمي. في الرد على هذا، تبنت الصين موقفا متزايد العدوانية والتأكيد على الذات، مستهزئة بالقواعد الاقتصادية الدولية صراحة.

كان هذا التحول مدفوعا جزئيا بالتقدم التكنولوجي. فبفضل "جدارها الناري العظيم"، طوقت الصين بشكل أساسي شبكة الإنترنت داخل حدودها. فقد حظرت الصين دخول أغلب شركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى إلى السوق الصينية أو اضطرتها إلى الخروج بعد رفضها الامتثال للمتطلبات الصرامة التي فرضتها الحكومة بشأن البيانات والمراقبة. من ناحية أخرى، أعادت الولايات المتحدة تبني السياسة الصناعية كجزء من جهودها الرامية لبناء المرونة، والفوز بسباق التكنولوجيا الاستراتيجي مع الصين، ومعالجة أوجه التفاوت المحلية، وتعزيز الاستدامة. ورغم أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب مستويات مرتفعة من الاستثمار العام والخاص والتي قد يستغرق الأمر سنوات، أن لم يكن عقودا من الزمن، قبل أن تؤتي ثمارها، فمن المرجح أن تخلف السياسات الصناعية الجديدة تأثيرا كبيرا على مستوى ونوعية النمو في الولايات المتحدة ــ ما لم تتراجع عنها إدارة أخرى في المستقبل بطبيعة الحال. باعتباره محركا رئيسيا لنمو الناتج المحلي الإجمالي، اضطلع القطاع الخاص لفترة طويلة بدور حاسم في "اقتصاد السوق الاشتراكي" في الصين.

لكن هذه الحال تبدلت على مدار السنوات القليلة الأخيرة، حيث ضيقت إدارة الرئيس شي جين بينج الخناق على مراكز القوة والنفوذ المتنافسة. وكانت العدوانية والطبيعة الشخصية التي اتسمت بها الحملة القمعية التنظيمية المفروضة على قطاع التكنولوجيا الصيني سببا في تغذية حالة من انعدام اليقين بشأن وضع القطاع الخاص، فأسفر هذا عن تقلص الاستثمار. في حين أنه من المعروف تماما أن كلا من السياسات والحوافز تدفع الاستثمار، فقد كان من المعترف به أيضا أن استقرار الاقتصاد الكلي يشكل شرطا أساسيا لتحقيق النمو والتنمية. في عموم الأمر، يوجد مصدران للاستقرار: الإدارة المقتدرة والاستمرارية في النموذج الاقتصادي للدولة، بصرف النظر عن خصائصها النوعية. ولكن في السنوات الأخيرة، أصبح هذا الاستقرار والضمان المعقول للاستمرارية نادرا على نحو متزايد. وفي حين تستحث عملية صنع السياسات حتما الخلاف في أي نظام سياسي، فإن تضاؤل النزاعات يعني عددا أقل من انقلابات السياسات المفاجئة، وهذا كفيل بتمكين التغيير التدريجي الأقل إرباكا في الاستجابة للظروف المتغيرة.

لكن المناقشات الدائرة حول السياسة الاقتصادية والدور الذي تضطلع به الحكومة أصبحت مستَـقـطَـبة على نحو متزايد، مما يزيد من خطر التحولات الجذرية. إن توقع عدم استقرار السياسات يخلف تأثيرا مثبطا على الاستثمار وبالتالي على النمو المستدام والازدهار في الأمد البعيد. بوسعنا ملاحظة هذا الاتجاه في الاقتصادات المتقدمة والنامية. فقد انخفض الاستثمار الأجنبي في الصين، وخاصة في القطاعات التي من المرجح أن تُـربِـكها المنافسة الاستراتيجية.

في الولايات المتحدة، كان تبني الأهداف البيئية والاجتماعية وقواعد والحوكمة على نحو متزايد من جانب المستثمرين وصناع السياسات سببا في صعود حركة مضادة تسعى إلى حظر المبادئ التوجيهية المعززة للاستدامة. لكن استقرار السياسات قد يكون أكثر مرونة مما يبدو للوهلة الأولى. فقد أحرزت الهند، على سبيل المثال، تقدما مبهرا على مدار السنوات الثلاثين الأخيرة، سواء في ظل حزب بهاراتيا جاناتا بقيادة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي أو حزب المؤتمر المعارِض. وقد ساعدت مبادرات مثل نظام التعرف من خلال القياسات الحيوية Aadhaar وواجهة تطبيق المدفوعات الموحدة ــ التي طورتها وعملت على تشغيلها شركة المدفوعات الوطنية في الهند، وهي مشروع مشترك بين بنك الاحتياطي الهندي ورابطة البنوك الهندية ــ على تحويل اقتصاد البلاد. كما عمل التحول الرقمي الشامل بشكل ملحوظ في الهند، والذي ساعدت على تمكينه أيضا ثورة البيانات المتنقلة المنخفضة التكلفة التي أحدثتها شركة Reliance Jio، على إلهام بعض الناس ليقترحوا أن بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي يجب أن يفكر في الاستفادة بشكل أفضل من نظام الدفع الفوري الذي أطلقه تحت مسمى FedNow. من غير المرجح أن يخسر مودي الانتخابات الوطنية في أي وقت قريب. ولكن حتى لو حدث ذلك، فإن احتمال إقدام خلفائه على تفكيك البنية الأساسية الرقمية المزدهرة في البلاد يكاد يكون معدوما. وأي حكومة قد تحاول ذلك لن تدوم طويلا في الأرجح. الدرس واضح: الحفاظ على استقرار السياسات أمر حاسم لتعزيز الاستثمار الطويل الأجل والأداء الاقتصادي. ومن الممكن تحقيق هذا الاستقرار من خلال تحديد المصالح المشتركة ووجهات النظر التي تتجاوز الانقسامات الإيديولوجية والحزبية. ويُـحـسِـن واضعو السياسات صُـنعا بالسعي وراء هذه المجالات ذات الأرضية المشتركة ورعايتها، بدلا من تكريس جهودهم لاستغلال الانقسامات السياسية والاجتماعية لتحقيق مكاسب قصيرة الأمد.

* مايكل سبنس، حائز على جائزة نوبل في علوم الاقتصاد، أستاذ الاقتصاد الفخري والعميد السابق لكلية الدراسات العليا للأعمال في جامعة ستانفورد. مؤلف كتاب التقارب التالي: مستقبل النمو الاقتصادي في عالم متعدد السرعات
https://www.project-syndicate.org

اضف تعليق