امست ملامح سياسة حرب اسعار النفط التي تتطلع اليها اوروبا باتجاه السير بالتدهور التدريجي في اسعار النفط العالمية، بمثابة استراتيجية غير معلنة لتكون جزءا فاعلا في لعبة الحرب الدائرة في اوكرانيا حاليا ومناصرة ضمنية لمعسكر التحالف الاطلسي اما السياسة الروسية في مجال الطاقة وهي الطرف الرئيس في الحرب...

١-تمهيد:

بعد ان اخذت مؤشرات سوق النفط تلوح بالتدهور دون عتبة ٩٠ دولار للبرميل الواحد كذلك احتمالات مخاطر ان تتقلب اسعار النفط بين ٧٥ دولار و ٨٥ دولار للبرميل الواحد حاليا نزولا ربما الى ٣٥ دولار للبرميل الواحد من النفط الخام المنتج مستقبلا، فقد اتخذت (الاوبك+) قرارا بتاريخ ٥ تشرين اول ٢٠٢٢ امده عام واحد يقضي بحذف (مليوني برميل) يوميا من حصص انتاج المجموعة النفطية موضوع البحث.

٢- قرار أوبك بلس المفاجئ

اذ جاء القرار المفاجئ بخفض الانتاج لمجموعة البلدان المنتجة والمصدرة للنفط وحليفاتها ذلك لمواجهة حرب الاسعار المحتملة جراء ارتفاع طاقات انتاج النفط من بلدان اوبك نفسها والبلدان خارج اوبك منذ شهر شباط الماضي بعد ان تم فك القيود الانتاجية السابقة التي اعتمدتها اوبك+ اثر ازمة الاقتصاد العالمي عام ٢٠٢٠ المسماة بأزمة COVID19، فضلا عن تزايد استخدام مكونات الوقود الاحفوري المختلفة كالفحم وبدائل الوقود المتاحة للتعويض عن نقص التجهيز بسبب الحرب في اوكرانيا. اذ رافق ذلك من جانب آخر بوادر انخفاض تدريجي في نمو الطلب الصناعي المشتق على النفط بسبب ازمة الكساد العالمي الراهنة وانخفاض معدلات النمو الاقتصادي في العالم عن مستوياتها السابقة المتوقعة.

فبعد ان سايرت البلدان النفطية العربية وغيرها من مجموعة الاوبك تلك الزيادة في الانتاج لمواجهة الطلب العالمي الذي رافقته الارتفاعات الحادة في اسعار النفط في السوق العالمي والتي زادت بنسبة بلغ معدلها ٤٠٪ على النسبة السائدة في العام الماضي، في وقت نجد ان اكبر المنتجين والمستهلكين في العالم وهي الولايات المتحدة، التي تنتج قرابة ١٤ مليون برميل نفط يوميا، قد لجأت الى استخدام الخزين الاستراتيجي للمرة الثانية خلال العام الجاري بإطلاق ١٠ ملايين برميل للمساعدة في خلق تخمة متعمدة glut في السوق النفطية العالمية ومقاومة قرار اوبك + الاخير (الذي يتطلع نحو رفع الأسعار الى اكثر من ٩٠ دولار للبرميل عن طريق خفض الحصص الانتاجية للدول الاعضاء في الأوبك وحلفاءهم من المنتجين الاخرين حسب قرارها الحالي). وعلى الرغم من ذلك فهناك تناقضين حادين في السياسة النفطية للولايات المتحدة، الاول: ان الحدود التي لا تسمح بانخفاض اسعار النفط الى دون القاع السعري النفط في الولايات المتحدة هو ان لا يقل سعر برميل النفط هناك عن ٧٥ دولار في المتوسط حاليا، معللين ذلك ان الاعتماد على النفط الصخري، بغية تعظيم الانتاج الأمريكي من النفط، قد يعتمد مؤشرات لكلفة الانتاج ينبغ ان توازن لا محالة من جانبها بين سياسة خفض التضخم داخل الولايات المتحدة (عبر سعي السياسة الاقتصادية الامريكية نحو اعتدال اسعار الوقود من جهة) وبين سياسة الحفاظ على الارباح الاحتكارية لشكات النفط الامريكية من جهة اخرى والتي

ستزيد من طاقاتها الانتاجية لا محالة لتسيير الماكنة الاقتصادية بشكل أكثر استقرارا.

لذلك نجد استحالة انهيار اسعار النفط دون ٧٥ دولار للبرميل او على غرار ما حصل في العام ٢٠٢٠. اما التناقض الثاني، فانه يؤشر ما اذا تدهورت اسعار النفط الامريكي دون قاع التكاليف المرتفعة سيعرض الصناعة النفطية للولايات المتحدة لمخاطر استراتيجية جسيمة في حال رفع الانتاج النفط الأمريكي عبر استثمارات جديدة، ذلك لكون الشركات النفطية في الولايات المتحدة ستعاود الإنتاج بتمويل مصرفي عالي الكلفة في ظل اسعار فائدة مرتفعة، والتي هي نتاج سياسة البنك الاحتياطي الفيدرالي المتشددة لمواجهة التضخم نفسه (والتي اعتمدت سياسة رفع معدلات الفائدة حاليا) ذلك دون ان تغفل شكات النفط الاحتكارية الامريكية من جانبها اهمية الحفاظ على القيمة السوقية لاسهم شركاتها مرتفعة ايضا في الظرف الراهن من خلال الحفاظ على الارباح الريعية العالية التي يولدها السعر المرتفع لبرميل النفط الأمريكي.

٣- النفط ولعبة الحرب

امست ملامح سياسة حرب اسعار النفط oil price war، التي تتطلع اليها اوروبا باتجاه السير بالتدهور التدريجي في اسعار النفط العالمية، بمثابة استراتيجية غير معلنة لتكون جزءا فاعلا في لعبة الحرب الدائرة في اوكرانيا حاليا ومناصرة ضمنية لمعسكر التحالف الاطلسي في الحرب المذكورة هناك منذ شباط / ٢٠٢٢.

اما السياسة الروسية في مجال الطاقة وهي الطرف الرئيس في الحرب، فهي مازالت تضيق على الغرب في موضوع الغاز وتعتمد في الوقت نفسه اسعارا تفضيلية لمصلحة اكثر سوقين مستوردين للنفط في آسيا والعالم هما الصين والهند فضلا عن مجموعة بلدان اسيا الحليفة لها، الامر الذي لم يسمح بصعود اسعار النفط الى سقف الذروة المتوقع ليكون ضعف معدلاته الحالية بسبب مرونات العرض الروسي للنفط، ما جعل روسيا في وضع ممارسة معادلة نفطية صعبة hard oil equation ساعدت على انخفاض الاسعار النفطية الى حد ما لتبلغ عتبة هي اقل من ٩٠ دولار للبرميل الواحد من النفط الخام حاليا وهو امر يعمل ضد مصالحها النفطية الاستراتيجية.

من جانب آخر ظلت اتجاهات الغرب كقوة مستهلكة كبيرة للطاقة تدور نحو المناورة لتبني سقف محدد لأسعار النفط الذي يبدو انه قد لا يتجاوز ٩٠ دولار للبرميل الواحد ايضا، ما دفع بالولايات المتحدة الى تبني استعمال سياسة فتح المخزونات النفطية لتعويض الطلب المتزايد على النفط بغية خفض الاسعار وعدم السماح بتوفير تدفقات مالية مريحة لروسيا للأشهر الستة القادمة على الأقل وهو الطرف المباشر المناوئ في الحرب الدائرة حاليا، فضلا عن تطلع الولايات المتحدة الى اعتماد سياسة خفض اسعار الوقود والحبوب للمساعدة على مواجهة التضخم في مستويات الاسعار في الولايات المتحدة نفسها والتي بلغ التضخم السنوي فيها اكثر من ٩٪ وهي تعيش حاليا سياسة نقدية متشددة في موضوع رفع سعر الفائدة ويعتمدها حاليا بقوة البنك الاحتياط الفيدرالي. اذ ما زال موضوع التضخم في اسعار المواد الخام في العالم يعوق هبوط التضخم في الولايات المتحدة الامريكية وفي مقدمتها النفط والحبوب والمعادن الصناعية وهو الامر الذي يشكل واحدة من أصعب المعادلات السعرية في تاريخ الولايات المتحدة.

هكذا يأتي قرار (اوبك+) بحذف مليوني برميل من الانتاج اليوم للبلدان الاعضاء لمدة عام واحد

ابتداء من تشرين الثان ٢٠٢٢ وهو مؤشر على عدم انجرار البلدان النفطية في حرب اسعار price war توازي الحرب الساخنة في أوكرانيا كعجلة مساعدة في الانتصار لطرف دون الاخر. وهو ما يمكن تسميته مجازا (بالحياد النفط في الحرب في اوروسيا).

* باحث وكاتب اقتصادي أكاديمي. نائب محافظ البنك المركزي الاسبق. مستشار رئيس الوزراء العراقي للشؤون المالية والاقتصاد الدولي
** نشر المقال في شبكة الاقتصاديين العراقيين

اضف تعليق