بقلم: مايكل آر سترين

واشنطن العاصمة-ان التضخم السريع لأسعار المستهلك في الولايات المتحدة الأمريكية يخفي إشارات على التباطؤ الاقتصادي الذي قد يهدد استمرارية النمو الحالي وبينما زاد الإنفاق الاستهلاكي الشخصي الاسمي بنسبة 3.4٪ بين أكتوبر 2021 ومارس 2022 (آخر شهر تتوفر بشأنه البيانات)، يُظهر حساب ارتفاع الأسعار أن الإنفاق الاستهلاكي الشخصي كان ثابتًا بشكل عام وتبدو مبيعات التجزئة المعدلة حسب التضخم أسوأ بعد أن ظلت ثابتة منذ مارس 2021.

إن هذا التباطؤ يظهر كذلك في بيانات الرأي العام. لقد وجد استطلاع الرأي الذي أجرته مؤسسة سي ن بي سي-مومينتيف في الشهر الماضي ان أكثر من نصف الأمريكيين قد قللوا بالفعل من ارتيادهم للمطاعم وأن أكثر من الثلث قد قللوا من قيادة السيارة أو قاموا بإلغاء الاشتراك الشهري. إن مثل هذه التخفيضات بالإنفاق قد تزداد حدتها: لقد ذكر 40% من المشاركين بالاستطلاع أنه لو استمر ارتفاع الأسعار فسوف ينظرون في الغاء العطلة وعبّر 76% عن قلقهم من أن ازدياد الأسعار سوف يجبرهم على إعادة التفكير في خياراتهم المالية.

ان ما يعزز تلك النتائج هو ان التضخم قد دفع مؤشر ثقة المستهلك بجامعة ميشيغان إلى أدنى مستوى له منذ عقد- أقل حتى مما كان عليه في ربيع عام 2020 وذلك عندما تسببت جائحة كوفيد-19 في ارتفاع مفاجئ في البطالة وانكماش اقتصادي حاد.

إن ركود الإنفاق والخطط للتقليل من الانفاق المستقبلي يجب ألا يكون مفاجئاً وذلك نظراً لإن التضخم قد قلل من الأجور الحقيقية لمعظم العاملين، وحتى الآن حافظ المستهلكون الى حد كبير على انفاقهم الحالي على الرغم من تأثير ارتفاع الأسعار على ميزانيات الأسر ولكن هذا لن يستمر للإبد وحتى ان ذلك قد لا يستمر حتى النصف الثاني من هذا العام.

إن إنفاق المستهلكين يمثل حصة الأسد من الاقتصاد الأمريكي ولكن قد تخطط الشركات التي لديها نظرة مستقبلية للتباطؤ أيضًا. لقد أظهر مسح أجراه الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في فيلادلفيا في الشهر الماضي أن شركات التصنيع لديها أدنى صافي توقعات للزيادات في النشاط المستقبلي منذ ديسمبر 2008 أي في خضم الركود العظيم، ولقد أشارت أكثر من 85٪ من الشركات أن أسعار مستلزماتها قد ارتفعت.

بالمثل، فإن مسح للشركات الصغيرة في ابريل من قبل الاتحاد الوطني للشركات المستقلة وجد أن 4% فقط من الشركات ذكرت ان الأشهر الثلاثة القادمة مناسبة للتوسع وهذا يشكل انخفاض بأكثر من النصف مقارنة بالنسبة المسجلة قبل ستة شهور من ذلك المسح، وفي الخريف الماضي كان الأكثر شيوعاً أن تتوقع الشركات في الأشهر الثلاثة القادمة مبيعات أعلى. أما الآن فهناك زيادة بنسبة 12% في عدد الشركات التي تتوقع مبيعات أقل خلال الأشهر الثلاثة القادمة مقارنة بالشركات التي تتوقع مبيعات أعلى.

في واقع الأمر فإن هناك الكثير من المؤشرات الأخرى توحي بإن التعافي ما يزال على المسار الصحيح ولكن هذه النتائج تثير القلق لأنها تشير إلى احتمالية أن يصبح المستهلكين أكثر حذراً وأن الأسر والشركات قد أصبحت أكثر تشاؤمًا. وعليه، يحتاج الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى مطابقة خططه –والطرح الذي يتبناه- مع جميع البيانات. بينما يتحدث رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول عن رفع أسعار الفائدة "على وجه السرعة" إلى مستوى لم تعد فيه السياسة النقدية تحفّز الطلب، فإن الصقور في لجنة صنع السياسات بالبنك المركزي يدفعون باتجاه اتخاذ إجراءات أكثر قوة، فعلى سبيل المثال يريد جيمس بولارد، رئيس الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس أن يرى معدل سياسة الاحتياطي الفيدرالي يصل إلى نطاق 3.25-3.5٪ بحلول نهاية العام.

إن هذا المسار قد يكون ضرورياً في نهاية المطاف ولكن نظراً لإشارات التحذير- بما في ذلك تباطؤ معدل نمو الأجور الاسمي في ابريل- يجب ان يكون الاحتياطي الفيدرالي حذراً بحيث لا يحصر نفسه في مسار عمل معين عن طريق تكييف توقعات السوق بشكل متهور بما يتماشى مع طرح متشدد. ان الصقور في الاحتياطي قد يكونوا قد بالغوا في تقدير صعوبة تهدئة الاقتصاد. عادة يحتاج الاحتياطي الفيدرالي إلى الحث على تسريح العمال لإبطاء الاقتصاد. لكن سوق العمل اليوم ما يزال ضيق بسبب الوظائف الشاغرة الزائدة وليس المستويات العالية للتوظيف. سيكون تقليل الوظائف الشاغرة أسهل من الحث على تسريح العمال.

علاوة على ذلك، تستجيب الظروف المالية بالفعل وبسرعة -وبشكل استباقي- للتشديد النقدي المحتمل، مع ارتفاع عائدات سندات الخزانة وارتفاع معدلات الرهن العقاري الثابتة لمدة 30 عامًا من حوالي 3٪ في بداية العام إلى أكثر من 5٪ هذا الشهر، وبالإضافة الى هذه التطورات، ستؤدي الحرب الروسية في أوكرانيا والتباطؤ الاقتصادي في الصين إلى تهدئة الاقتصاد الأمريكي إلى حد ما، مما يقلل من العبء الذي يتحمله الاحتياطي الفيدرالي.

بالإضافة الى ذلك فإن توقعات التضخم طويلة المدى مستقرة بشكل معقول وهذا سوف يسّهل من مهمة الاحتياطي الفيدرالي في إعادة تحديد التضخم قصير المدى الآن مقارنة بالوضع في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي عندما كانت هناك حاجة الى إعادة تأسيس التوقعات طويلة المدى من الصفر.

لقد تخلف الاحتياطي الفيدرالي بشكل مؤلم عن الركب طيلة سنة 2021 ونظراً لأنه فشل في تقدير مدى الضغوطات التضخمية المتزايدة، فلقد صب البنزين على اقتصاد كان قد أصبح بالفعل أكثر سخونة. إذا تباطأت الظروف الاقتصادية بشكل مفاجئ مقارنة بتوقعات الاحتياطي الفيدرالي، فسوف يحتاج إلى الاستجابة بشكل أكثر سلاسة للتخفيف في 2022 مقارنة باستجابته للتدعيم والتعزيز في 2021.

ما يزال من غير الممكن التنبؤ بما إذا كانت الولايات المتحدة ستعاني من ركود اقتصادي خلال العام المقبل أم لا.

* مايكل آر سترين، مدير دراسات السياسة الاقتصادية في معهد أمريكان إنتربرايز
https://www.project-syndicate.org

اضف تعليق