يكون التدخل مبررا على أساس مبادئ أعلى. ولكن في حالات أخرى كثيرة، مثل تقييد عدد الأماكن في المدارس الطبية، يعكس التدخل ببساطة نفوذ المصالح الخاصة التي تحاول تشويه السوق. وعلى هذا فإن الانقسام الرئيسي ليس بين الدولة والأسواق، بل بين القواعد الداعمة للمنافسة والقواعد المانعة للمنافسة...
بقلم: لويجي زينغاليس

شيكاغو ــ يبدو أن عبارة "عودة الدولة" أصبحت على كل لسان تقريبا في أيامنا هذه. نظرا للتحديات العالمية التي تفرضها جائحة مرض فيروس كورونا 2019 (كوفيد-19) وتغير المناخ، كما تقول الحجة، فإن الحكومات، وليس الأسواق، هي التي ينبغي لها أن تكون مسؤولة عن تخصيص الموارد. والآن بات من الواضح أن الثورة النيوليبرالية الجديدة التي بدأها رونالد ريجان ومارجريت تاتشر بلغت منتهاها.

لكن هذا التضاد بين الدولة والسوق مضلل، وهو يشكل عقبة كبرى تحول دون فهم ومعالجة تحديات السياسة اليوم. نشأ هذا الانقسام في القرن التاسع عشر، عندما كانت قواعد الحكم الملغزة الغامضة التي تضرب بجذورها في الماضي الإقطاعي تشكل العقبة الرئيسية التي تحول دون إنشاء أسواق تنافسية. وفي وقت لاحق، رُفِـعَـت صرخة المعركة لهذا الكفاح المشروع إلى حد كبير إلى مستوى جديد من "حرية العمل" أو "عدم التدخل"، في تجاهل لحقيقة مفادها أن الأسواق هي ذاتها مؤسسات يعتمد عملها الفَـعّـال على القواعد. السؤال ليس ما إذا كان من الواجب أن تكون هناك قواعد، بل من ينبغي له أن يتولى وضعها، ولمصلحة من.

في القرن الحادي والعشرين، أصبح هذا التضاد بين الدولة والسوق عتيقا عفا عليه الزمن. إن تدخل الدولة من الممكن أن يؤدي إلى تعزيز الأسواق. كانت إمكانية نقل أرقام الهواتف المحمولة التي أدخلتها أغلب البلدان المتقدمة سببا في حفز المنافسة بين شركات تقديم خدمات الأجهزة الخلوية. وتحاول الضوابط التنظيمية التي وضعتها إدارة الطيران الفيدرالية في الولايات المتحدة إقناع المسافرين بوضع ثقتهم في شركات الطيران الجديدة، وبالتالي تشجيع الشركات الجديدة والمنافسة في هذا القطاع. ولم تكتف عملية Warp Speed بالتعجيل بتطوير لقاحات كوفيد-19، بل عززت أيضا المزيد من المنافسة بين منتجي اللقاحات.

ولكن برغم أن بعض القواعد تعمل على تعزيز الأسواق التنافسية، فإن قواعد أخرى عديدة تتدخل في عملها. في بعض الحالات، مثل القيود التي فُـرِضَـت على أقنعة الوجه N95 في بداية الجائحة، يكون التدخل مبررا على أساس مبادئ أعلى. ولكن في حالات أخرى كثيرة، مثل تقييد عدد الأماكن في المدارس الطبية، يعكس التدخل ببساطة نفوذ المصالح الخاصة التي تحاول تشويه السوق.

وعلى هذا فإن الانقسام الرئيسي ليس بين الدولة والأسواق، بل بين القواعد الداعمة للمنافسة والقواعد المانعة للمنافسة. وداخل عالم القواعد المانعة للمنافسة، يكمن الفارق الأساسي بين القواعد التي يبررها مبدأ أعلى وتلك غير المبررة.

في القرن التاسع عشر أيضا، أسيء استخدام مبدأ عدم التدخل من أجل منع برامج الرعاية الاجتماعية، باسم الداروينية الاجتماعية المضللة. لكن خطط الرعاية الاجتماعية ليست معادية لعمل الأسواق. الواقع أن مثل هذه الخطط، كما زعمت أنا وراغورام راجان قبل نحو العشرين عاما في كتابنا المشترك "إنقاذ الرأسمالية من الرأسمالية"، ربما تساعد الأسواق في اكتساب المزيد من القدرة على الصمود والمرونة. لذا فإن الاختيار ليس بين الدولة والسوق، بل بين برامج الرعاية الاجتماعية الداعمة للأسواق والبرامج التي تشوهها.

أثناء معركة القرن التاسع عشر لتحرير الأسواق من القواعد الإقطاعية، كان من السهل ربط الأسواق بالحرية والدولة بالقمع. ثم في القرن العشرين، تسبب ربط التخطيط الاقتصادي الذي تقوده الدولة بالاشتراكية على الطراز السوفييتي في زيادة هذا الارتباط قوة.

ولكن اليوم، لم يعد هذا الارتباط قائما بالضرورة. في عالم من الاحتكارات الرقمية، يعمل مبدأ حرية العمل وعدم التدخل على تمكين تركز قدر غير متناسب من القوة في أيدي قِـلة من الأشخاص. وهذا يغذي الاضطهاد والظلم، وليس الحرية الفردية. هل من الممكن أن نعتبر قدرة شركة واحدة على تحرير الأخبار لثلاثة مليارات شخص مؤشرا على الحرية؟ في المقابل، هل تُـعَـد الضوابط التنظيمية التي تضعها الدولة لحماية خصوصيتنا من المراقبة المستمرة أداة قمع؟

بالتالي، لا تكمن مفاضلة أخرى حاسمة بين قمع الدولة وحرية الأسواق، بل بين القمع الناتج عن وجود احتكارات (سواء كانت خاصة أو خاضعة لسيطرة الدولة) وحرية الاختيار التي تقدمها الأسواق التنافسية.

لا تدور المعركة في أيامنا هذه حول المزيد من الدولة أو المزيد من الأسواق. بل هي في جزء منها صراع لضمان عدم تضارب قوة السوق مع قدرة الدولة على الاضطلاع بالوظائف التي تؤديها على أفضل نحو. فالدولة، على سبيل المثال، تتمتع بميزة نسبية في التعامل مع العوامل الخارجية السلبية مثل تلوث الهواء والماء. لكن ممارسة الضغوط الشركاتية تعيق بشدة قدرة الحكومات على التصدي لمثل هذه العوامل الخارجية من خلال فرض ضرائب أو ضوابط تنظيمية مخصصة.

لا يقل عن هذا أهمية ضمان عدم تدخل الدولة في قدرة السوق على الاضطلاع بالوظائف التي يؤديها على أفضل نحو. على سبيل المثال، الأسواق في عموم الأمر أفضل من أجهزة الدولة البيروقراطية في تخصيص رأس المال. لكن حكومات الولايات في الولايات المتحدة تواصل فرض القواعد التي تحكم من ينبغي له الحصول على التمويل. على سبيل المثال، تشترط ولاية أركنساس على صناديق المعاشات العامة أن تستثمر ما بين 5% إلى 10% من محافظها الاستثمارية في استثمارات مرتبطة بولاية أركنساس.

الخلاصة أننا يجب أن نسعى جاهدين لإيجاد دولة أفضل وسوق أفضل، واحتواء كل منهما في مجالها الخاص. مع ذلك، لا يزال السرد السطحي الذي يضع الدولة في مقابل الأسواق قائما، لأنه يعود بفوائد عظيمة على أصحاب المصالح الخاصة. فبوسع الاحتكارات الرقيمة أن تستخدمه ــ زورا وبهتانا ــ لتقديم نفسها على أنها من أنصار الحرية الفردية. ويستطيع أنصار تقليص حجم الحكومة استخدام هذا السرد لمعارضة برامج الرفاهة الاجتماعية باسم ما يسمى الأسواق الحرة. وقد يطنب صناع السياسات وجماعات الضغط الشركاتية في تكراره على نحو لا ينقطع لتصوير إعانات دعم الشركات الفاسدة على أنها تدخل مستنير من جانب الدولة ضد أسواق شريرة أو أجانب أشرار.

لكن الخصومة بين الدولة والأسواق لا تعدو كونها مجازا ولت أيامه وذهبت. وكلما أسرعنا في تخليص أنفسنا من بقايا ما بعد الإقطاع هذه، كلما تمكنا من استخدام الدول والأسواق لمعالجة التحديات الحقيقية التي نواجهها اليوم بسرعة أكبر.

* لويجي زينغاليس، أستاذ المالية في جامعة شيكاغو، هو المضيف المشارك للبودكاست
كابيتاليسنت
https://www.project-syndicate.org

اضف تعليق